مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. لبنى مرتضى
كاتبة وإعلامية | سورية
منذ أفلاطون الذي حلم بـ"الملك الفيلسوف"، والمجتمعات تنظر إلى النخب الفكرية بوصفها الضمير اليقظ الذي يقرأ الواقع لا كما هو، بل كما يمكن أن يكون. المفكر الحقيقي، في جوهره الفلسفي، هو "مُقلق للراحة" – كما وصفه إدوارد سعيد – لأنه يحمل مشروعًا للمعنى يتجاوز المنفعة والترفيه واللحظة الآنية. لكن ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيير في أدوات التعبير، بل تحول أنطولوجي في طريقة وجود الفكرة ذاتها.
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد الفكر يُوزَّع وفق معايير الصدق أو العمق، بل وفق منطق الجاذبية والتفاعل. لقد حلت "خوارزميات الشهرة" محل "جمهورية العقل". وها نحن نشهد استبدالًا صامتًا للنخبة بـ"المؤثر" الذي لا يُسأل عن صحة ما يقول، بل عن قدرته على إثارة الدهشة أو الاستقطاب أو البكاء. بهذا المعنى، يتحول الفيلسوف إلى فنان أداء، والقضية إلى مشهد، والنقاش العام إلى صراع عاطفي بين فرق لا تريد الفهم بل الانتصار.
المقال الذي بين يديكم ليس تأبينًا للنخبة التقليدية، ولا احتفاءً بالمؤثر الجديد، بل محاولة لفهم كيف تُنتج الحقيقة في عصر الخوارزميات، ولماذا أصبح الاستقطاب أسهل من التأمل، والترفيه أجدى من التفكير. إنها لحظة فلسفية تتساءل: إذا كان "المفكر" هو من يصنع الأسئلة المزعجة، فماذا يصنع "المؤثر" إن لم يكن... إجابات مريحة؟
فإننا اليوم لم نعد نعيش في زمن "الكتب البيضاء" والمقالات الطويلة التي تشكل وعي الجمهور على مدى سنوات. اليوم، هناك فيديو لا يتجاوز 30 ثانية، أو تغريدة مثيرة للجدل، أو "لايف" عاطفي على إنستغرام، يستطيع تغيير اتجاه الرأي العام في ساعات. المفكرون يكتبون بصمت، بينما المؤثرون يصرخون في العتمة... وتُسمع صرخاتهم..
هذا التحول ليس عابرًا، بل هو تغيير في بنية السلطة الرمزية. من كان يقرأ لأدورنو أو شيلر، أصبح اليوم يتابع من يشرحهم باختصار، ثم من يشرح الشرح، ثم من يسخر من الجميع. النخب تخسر قاعدها الجماهيري ليس لأنها جافة، بل لأنها بطيئة في زمن السرعة، متعمقة في زمن السطحية، ناقدة في زمن الانحياز المقدس.
بل أكثر من ذلك: المؤثرون الجدد لم يأتوا ليحلوا محل المفكرين فحسب، بل أتوا ليقدموا نموذجًا مضادًا لا تحتاج إلى معرفة عميقة لتكون مسموعًا، بل تحتاج إلى جرأة، أو غضب، أو إضحاك، أو استقطاب فاحالة "الإعجاب" أصبحت مقياس الحقيقة، و"الترند" مرجعية الأخلاق.
وهذا هو السؤال الذي نحاول مقاربته من زوايا عدة: ماذا يحدث حين يُستبدل مفهوم "المفكر" بـ"صانع المحتوى"، وتُحوَّل القضايا الكبرى إلى مشاهد درامية، ويصبح الاستقطاب أداة للشهرة والربح؟ وهل يمكننا العودة إلى فكرة النخبة، أم أن علينا إعادة تعريفها من الصفر؟.
مفهوم النخبة التقليدية ودورها التاريخي:
مفهوم النخب التقليدية:
النخب التقليدية هي فئات اجتماعية متميزة تمتلك مواقع قيادية ونفوذاً في المجتمعات ما قبل الحديثة، وعادة ما تستمد شرعيتها من:
الوراثة والتوارث: مثل الملوك والأمراء وأبناء الأسر الحاكمة
المكانة الدينية: مثل رجال الدين، العلماء، الفقهاء، المشايخ
الامتيازات الاقتصادية: ملاك الأراضي، كبار التجار، الأغنياء الموروثين
المعرفة الخاصة: كالعلماء، الكتّاب، القضاة في المجتمعات التقليدية
دورها التاريخي:
الاستقرار والحفاظ على التماسك الاجتماعي وقد ساهمت في ترسيخ القيم والتقاليد والأعراف المجتمعية فقد لعبت دورا وسيطا بين السلطة الحاكمة والجماهير, وساهمت في صنع القرار وإدارة شؤون المجتمع وتولت مسؤوليات الحكم والإدارة المحلية، واضلعت بدور القضاء والفصل في النزاعات وعملت بدور كبير في نقل المعرفة وتوثيق التراث بشكل دقيق وحافظت على العلوم والمعارف ونقلتها عبر الأجيال وساهمت بدور وسطي في تطور الفكر الديني والأخلاقي وغالبا ماعملت على إعادة انتاج موقعها المتميز عبر آليات اجتماعية مختلفة.
ومع ظهور المجتمعات الحديثة والعصرية، تراجعت سلطة النخب التقليدية نسبياً لصالح نخب جديدة قائمة على:
الكفاءة المهنية والتخصص
الإنجاز الفردي والمؤهلات العلمية
القدرات الاقتصادية والتكنولوجية
الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية الحديثة
ومع ذلك، بقيت تأثيرات النخب التقليدية حاضرة في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية، في علاقة معقدة بين الاستمرارية والتغيير.
عوامل تراجع النخب التقليدية:
هيمنة اقتصاد الانتباه والمنصات الرقمية
فقدان الثقة في المؤسسات الأكاديمية والثقافية
سياسات الإقصاء أو التهميش (إما بقمعها أو تحييدها بالاستهلاك)
تحول النخبة نفسها نحو الشهرة بدل الفعل الثقافي
ومن أهم هذه التحديات صعود "المؤثر" كبديل للمفكر:
ففي عصر الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة لافتة تستحق التأمل والتحليل، وهي تراجع مكانة "المفكر" لصالح "المؤثر" كمرجعية فكرية وثقافية في المجتمعات المعاصرة. فإذا كان المفكر يمثل نموذجاً للتعمق والتحليل النقدي، وبناء الرؤى عبر الجهد العلمي والزمن الطويل، فإن المؤثر يجسد السرعة والبساطة والوصول المباشر إلى الجماهير، غالباً على حساب العمق والدقة
هذا التحول ليس مجرد تبدل في أدوات التأثير، بل يعكس تغيرات جوهرية في طبيعة الوعي الجمعي، وآليات تشكل الرأي العام، بل وفي مفهوم السلطة الثقافية ذاتها. ففي زمن تتصارع فيه الانتباهات، وتختزل فيه الأفكار المعقدة في شعارات سريعة ومقاطع قصيرة، يجد المؤثر طريقه إلى عقل المتلقي أسرع مما يصل المفكر، مما يثير أسئلة جادة حول مستقبل التنوير والفعل الثقافي العميق في مجتمعاتنا
إن دراسة هذه الظاهرة لا تعني إصدار حكم مسبق بقيمة أحدهما على الآخر، بل محاولة لفهم تحولات العصر، وتبعات استبدال ثقافة التبسيط بثقافة التعقيد، وثنائية الحضور مقابل الثراء الفكري.
ومن أهم آليات صناعة المؤثر الخوارزميات,التفاعل,الجدل, وتكمن معايير النجاح هنا بعدد المتابعين بدل صحةالأفكار وتحول الخطاب من (ماذا أقول) إلى (من أنت) أيي بتعبير آخرالشخصنة, ونجد أيضا أن علاقة هذا المؤثر بشكل مباشر بالسلطة والمال فيعتمد ذلك للترويج بدل النقد.واستبدال التفكير بالترفيه والاستقطاب.وتبسيط القضايا إلى صدامات عاطفية عوض تحليلها وتحويل النقاش العام إلى عرض (المناظرات الاستعراضية, الفيديوهات القصيرة) فيتحول هنا الجمهور إلى قسمين ومعسكرات لاتناقش بل تستهلك محتوى تأكيديا.
تداعيات هذا التحول على المجتمع:
تراجع القدرة على النقد المستقل والتفكير الطويل
هشاشة الرأي العام وتقلبه مع كل "ترند" صعود خطابات الكراهية أو اللامعنى تحت غطاء "حرية التعبير"
في ختام هذه المقاربة، يبقى السؤال الأعمق ليس عن أيهما نختار، بل عن كيفية استعادة التوازن المفقود بين سرعة المؤثر وعمق المفكر. فالمؤثر ليس بالضرورة شراً مطلقاً، فهو يعبر بحق عن نبض الشارع بلغة العصر، ويجيد الوصول إلى شرائح عريضة قد تعجز النخب التقليدية عن التواصل معها. لكن الخطر الحقيقي يكمن في القبول الضمني باستبدال التحليل بالشعار، والنقد بالمجاملة، والرؤية المركبة بالتبسيط المخل.
ربما تكون أزمة العصر الحقيقي ليست في وجود المؤثرين، بل في غياب المفكرين عن ساحات النقاش العام، أو عجزهم عن مجاراة إيقاع الزمن دون التفريط في جوهر رسالتهم. والحل لا يكمن في إقصاء أيٍّ منهما، بل في بناء ثقافة نقدية تعيد الاعتبار للفكر العميق مع استثمار أدوات التأثير الحديثة. إن المجتمع القادر على الجمع بين سرعة المؤثر وعمق المفكر، بين شعبية الخطاب وقوته المعرفية، هو وحده القادر على بناء نهضة حقيقية، لا تقوم على استهلاك الآراجيز السريعة، بل على تأسيس فكر حر ناقد يصنع المستقبل بدلاً من أن يكتفي بالتفاعل مع أعراضه العابرة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي