loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

جدليةُ الأمومةِ والإبداعِ الكتابيِّ في رواية (حليب أسود) للكاتبة أليف شفق: من الصراع إلى التوازن

breakLine
2026-06-21

إبراهيم رسول
ناقد | عراقي

 


تُقدمُ أليف شفق, الكاتبةُ التركية في هذه الرواية, جدلية نفسية معقدة, تُعاني منها النساء المبدعات, فالعلاقةُ بين الأمومة والإبداع من أكثر القضايا إشكاليّةً في الأدب النسوي المعاصر؛ إذ كثيرًا ما وجدت المبدعة نفسها أمام سؤالٍ وجوديٍّ يتعلّق بإمكانيّة التوفيق بين متطلبات الحياة العائلية وشروط الفعل الإبداعي, ومن هذه الجدلية تجيء رواية حليب أسود لتحكي لنا طبيعة الصراع المعقد بين الاثنين, فالإبداعُ الذي قدمته أليف في هذه الرواية, يتمثّل بأنَّ الرواية تجاوزت السيرة الذاتية الفردية لتلامسَ هواجس المرأة المبدعة في أيِّ مكانٍ وجدت, كاشفة عن صراعٍ نفسيٍ وفكريٍ بين الرغبة في الأمومة بما تنطوي عليه من تضحيات ومسؤوليات, وبين شغف الإبداع بوصفه حاجةً وجوديةً لا تقلّ إلحاحاً عن الحاجة إلى الأمومةِ نفسها.
تقول الكاتبة في روايتها: فإنَّ المرأةَ لا تصير أمًّا بمجرّد الإنجاب, بل عليها أن تتعلّم الأمومة, إنّها معرفةٌ (الرواية: 8), فالمتأمّل لهذه العبارة, يجد التداخل بين الشغف الإبداعي وحاجة الأمومة, فهي ترى في الأمومة معرفة وليس مجرّد إنجاب, وهي هنا تُعلي من شأن الأمومة حين تجعلها معرفة, ومعلوم أنّ مفردةَ معرفة تنفتحُ على أبوابٍ فلسفيةٍ تأويليةٍ لا تنتهي, فالروايةُ سيرةٌ ذاتيةٌ لمبدعةٍ عبّرت عن صراعها وصراع كل المبدعات في العالم, فالرغبةُ في الجمع بين الاثنين تكاد أنْ تكون أمنية كلّ النساء, لهذا, فقدرة هذه الرواية يكمنُ في  تحويل الصراع النفسي الواقعي إلى موضوعٍ سرديٍّ وفكريٍّ عميق, إذ تستعين الكاتبة بمجموعة من الأصوات والرموز الداخلية لتجسيد التمزّق الذي تعيشه المرأة بين هويّتين تبدوانِ متعارضتين؛ هويّة الأم وهويّة الكاتبة, ومن هنا تسعى هذه المقالة إلى فهمِ هذه الجدلية المعقدة لتكشف طبيعة الصراع الثنائي المتناقض وتجلياته.
في الرواية تبدو المرأة الكاتبة متمرّدة على سلطة الرجل, فهي ترفض الانتماء لأسماءَ رجالٍ تستبدلهم حسب الظرف الذي تكون فيه, فهي تحملُ لقب عائلتها حين تولد حتّى تتزوج, وحينما تتزوج يتغيّر اسمها إلى اسم عائلة زوجها, وحين تصبح مطلقة ترجع إلى اسم عائلة أبيها, فهي تنتمي لأسماء حسب الحالة التي تكون عليها, وحين وضعت اسم والدتها (شفق) ليكون إلى جنب اسمها, فهي قد استقرّت, لأنَّ الأمَ لا يُستبدل اسمها في أيّ حالةٍ, سواء كانت المرأة عزباء أو متزوجة أو مطلقة, هذه الفعل الذي قامت به الكاتبة, يمثّل رغبتها في الثبات والاستقرار الذي تنشده, وهو يرجّح رغبتها في التوازن, والتوازن قد يكون محالًا لكنّها تلمح إلى طبيعة أنْ تتنازلَ إحدى الكفتين لصالح الأخرى لتكون امرأة سويّة متصالحة مع الهويّتين معًا.
لا تُقدِّم أليف شفق الأمومة والإبداع بوصفهما طرفين متقابلين في معادلةٍ بسيطة، بل تصوِّرهما قوتين متداخلتين تتجاذبان الذات الأنثوية وتُسهمان في تشكيل هويتها. فمع اقتراب الكاتبة من تجربة الأمومة، يتسلّل إليها الخوف من أن يؤدّي الانشغال بالطفل إلى إخماد جذوة الكتابة، أو أن تُفضي الكتابة إلى شعورٍ بالتقصير تجاه الدور الأُمومي. ومن هنا يتولّد الصراع الذي يُشكّل المحور الرئيس للرواية، حيث تبدو الذات الساردة وكأنّها تعيش انقسامًا داخليًّا بين نداءين متعارضين، لكلٍّ منهما شرعيته ومطالبه.
ولعلَّ من أبرز التقنيات التي اعتمدتها شفق في تجسيد هذا الصراع استحضارها لشخصياتٍ رمزية تمثّل أصواتًا متعدّدة داخل النفس الواحدة، فتتحوّل الرواية إلى حوارٍ داخليٍّ مستمرٍّ بين رغباتٍ ومخاوفَ وأفكارٍ متناقضة, وبهذه التقنية لا يعود الصراع خارجيًّا بين المرأة والمجتمع فحسب، بل يصبح صراعًا نفسيًّا بين تصوّراتٍ مختلفة للذات ولتحقيقها.
غير أنّ الرواية لا تنتهي إلى انتصار الأمومة على الإبداع، ولا إلى هيمنة الإبداع على الأمومة، بل تكشف تدريجيًّا زيف هذا التقابل الحادّ بين الطرفين, فالأمومة لا تُصوَّر بوصفها عائقًا أمام الكتابة، كما أنّ الكتابة لا تُقدَّم باعتبارها نقيضًا للأمومة، وإنّما تنتهي الكاتبة إلى رؤيةٍ أكثر نضجًا ترى في التجربتين مصدرًا للإثراء المتبادل. فكما تمنح الكتابةُ المرأةَ القدرةَ على التعبير عن ذاتها، تمنحها الأمومةُ أفقًا جديدًا لفهم الحياة والإنسان، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على تجربتها الإبداعية.
وعليه، فإنَّ مسارَ الروايةِ ينتقلُ من منطقِ الصراع إلى منطقِ التوازن، ومن ثنائية الاختيار القسري إلى إمكانيّة التعايش بين الهويتين. وتتمثّل رسالة أليف شفق في أنّ المرأة ليست مضطرةً إلى التضحية بأحد وجهي وجودها لصالح الآخر، بل تستطيع أن تُعيد صياغة علاقتها بالأمومة والكتابة على نحوٍ يحقّق التكامل بينهما. ومن هنا يغدو التوازن، لا الانتصار، هو النتيجة النهائية التي تنتهي إليها الرواية، وهو ما يمنحها بعدها الإنساني والفكري العميق.
إنَّ أقربَ دليلٍ يؤكدُ رغبة الكاتبة في ترجيح كفّة التوازن, يتجلّى في العمل كلّه, فالقارئُ يلتمس رغبة المرأة في تحويل الصراع النفسيّ إلى حالة من التصالح, ولكن هنا تتجلّى صورة المرأة بأعظم ما يكون, حين تكون كاتبةً وأمًّا في الوقت عينه, لهذا من الرسائل التي تضمنتها هذه الرواية, هو الانتصار للمرأة بأنَّها قادرةٌ على الجمع بين الهويّتين والتوافق بينهما, بل الإبداع فيهما أيضًا.
من حسنات هذه الرواية, أنّها اعتمدت على التأمّل أكثر من السرد, وهذا جيّدٌ لهكذا نمط من الروايات, التي تمثّل صراعًا نفسيًا حقيقيًا, وتجربة ذاتية أكثر منها سردية, لهذا نجد أنّ إبداعها تجلّى في هذه التأمّلات الكثيرة التي تمثّل نفسها أجلى تمثيل, إلّا أنّ هنّة كبيرة في الرواية, أنّ الكاتبة تنظر إلى النموذج الغربي على أنّه النموذج الناجح في الحياة, وهي معجبة بالتجارب الغربية أيّما إعجاب, وتحاولُ تصدير تلك النساء على أنّهن المثال الأفضل والأرقى, وهذه الاستدعاء يفقد من فنية الرواية التي هي إبداعٌ ويحولها إلى تنظير عقلانيّ ثقافيّ, تقول أليف: مفتاح الوجود كله أن تكون حاضرًا , أي أن تكون في العالم.(الرواية:97), هنا تكسبُ النصّ صفة فلسفية.
ومن أهمَّ ما تكشفه روايةُ (حليب أسود) أنَّ الحياةَ لا تُدار بمنطق الانتصارات الحاسمة، بل بمنطق التوازنات الهشّة التي يسعى الإنسان إلى بنائها وسط تناقضاته, فالأمومة والإبداع ليسا خصمين يتواجهان في معركةٍ تنتهي بغلبة أحدهما، وإنّما وجهان لرغبةٍ واحدة في الامتداد؛ امتدادِ الحياة عبر الأمومة، وامتدادِ الذات عبر الإبداع. ومن هذه الرؤية تكتسب الروايةُ بعدها الفلسفي، إذ تجعل من الصراع وسيلةً لاكتشاف الذات لا غايةً في ذاته. وإذا كانت أليف شفق قد وقعت أحيانًا في أسر خطابٍ ثقافيٍّ يطغى على الفنّ الروائي، فإنّها نجحت في أن تُحوِّل سؤالها الشخصي إلى سؤالٍ إنسانيٍّ مفتوح؛ كيف يستطيع المرء أنْ يكون أكثر من شيءٍ واحدٍ دون أنْ يفقد وحدته الداخلية؟ وهو سؤالٌ لا تنتهي الإجابة عنه بانتهاء الرواية، بل يبقى معلّقًا في أفق الوجود الإنساني نفسه.
وما يمنح الروايةَ قيمتَها الحقيقية؛ فهي لا تدفع القارئ إلى تبنّي موقفٍ بعينه، بقدر ما تدعوه إلى إعادة النظر في المسلّمات التي تحكم فهمه للأدوار والهويّات الإنسانية, غير أنّ هذا الطموح الفكري جاء أحيانًا على حساب التماسك الفنّي، إذ مالت الكاتبة إلى الإفصاح المباشر عن أفكارها أكثر من تركها تتشكّل عبر الفعل السردي, ومع ذلك، فإنّ هذه الملاحظة لا تُفقد العمل أهميته، لأنّ قوة الرواية لا تكمن في بنائها الحكائي وحده، بل في قدرتها على تحويل تجربةٍ ذاتيةٍ خاصة إلى إشكاليةٍ إنسانيةٍ عامة. ومن هنا تبدو رواية (حليب أسود) نصًّا يراوح بين الأدب والفكر، وبين السيرة والتأمّل، وهو تداخلٌ قد يُضعف بعض جوانبه الفنية، لكنه يمنحه في الوقت نفسه خصوصيته التي تجعل منه عملًا جديرًا بالقراءة والتأويل.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي