مقالات ادبية واجتماعية وفنية
عبد الكريم حمزة عباس
كاتب وقاص | عراقي
في ستينيات القرن الماضي، كان في منطقتنا الشعبية رجلٌ لا يُعرف باسمه المجرد، بل كان اسمه يجرّ وراءه ذيلًا ثقيلًا: (فلان الحرامي)، حتى الأطفال الذين لم يشهدوا شبابه، ولم يروا منه إلا الوقار والعقال والكوفية، كانوا ينادونه بذلك اللقب وكأنه جزء من شهادة ميلاده.
سألت والدي، رحمه الله، عن سر هذه التسمية، فقال: "كان في شبابه يسرق، ثم تاب، وأصبح رجلًا مستقيمًا."، يومها فهمت أن المجتمع قد يغفر الذنب، لكنه لا ينسى اللقب، وأن التوبة قد تمحو الخطيئة عند الله، لكنها لا تمحوها دائمًا من ذاكرة الناس.
ولم يكن الرجل وحده ضحية هذا اللقب، ففي العراق اشتهرت رافعة صغيرة تُعرف بـ"الحرامي"، لأنها في سنوات الحصار كانت تُستخدم لرفع بعض المواد وسرقتها بخفة وسرعة، فالتصقت بها التسمية، وكأن الحديد أيضًا يحمل سجلًا جنائيًا!
في تلك الأيام، كانت كلمة "حرامي" إهانةً ثقيلة، يتجنبها الناس كما يتجنبون المرض المعدي، فإذا وُصِف بها أحد، انحنى رأسه خجلًا، وسعى سنواتٍ طويلة ليغسلها من سيرته.
أما اليوم، فقد تغيرت الأحوال حتى كادت الكلمة تطلب إعادة تعريف في القواميس!
صار بعض الحرامية لا ينكرون التهمة، بل يتعاملون معها كأنها لقب شرف، يسرق أحدهم المال العام، فإذا واجهته الأدلة، ابتسم بثقة، وربما خرج على شاشة التلفاز يحدثنا عن النزاهة، وكأن اللص أصبح واعظًا، والسارق خبيرًا في الأخلاق!
بل إن بعضهم لو قيل له: "يا حرامي"، لظنها إشارة إلى نجاحه في "الاستثمار" أو "الذكاء المالي". لقد انتقلنا من زمن كان فيه الحرامي يخشى أن يراه الناس، إلى زمن يخشى فيه الناس أن يروا الحرامي فلا يستطيعوا محاسبته.
ذلك الرجل البسيط الذي ظل لقب "الحرامي" يطارده رغم توبته، لو عاد اليوم ورأى ما يجري، لربما طالب برد اعتباره، وقال: "أنا سرقت دجاجةً في زمن الحاجة، وأنتم سرقتم أوطانًا في زمن الوفرة، ثم تشاركون في الاحتفالات وتقصون شرائط المشاريع!"
يا للمفارقة! كان المجتمع قديمًا قاسيًا على التائب، واليوم صار متسامحًا إلى حد التواطؤ مع من لم يتب أصلًا.
وهكذا بقيت كلمة "حرامي" كما هي في المعجم، لكن معناها الاجتماعي تغيّر، كانت قديمًا وصمةً يخجل منها صاحبها، فأصبحت الآن عند بعضهم لقبًا لا يورث إلا مزيدًا من الجرأة، حتى كأن العيب لم يعد في السرقة، بل في أن تُمسك متلبسًا بها.
رحم الله زمنًا كان الحرامي يختبئ فيه من الناس، وأعاننا على زمنٍ صار فيه بعض الحرامية يتصدرون المشهد، ويطالبون بالتصفيق أيضًا!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي