مقالات ادبية واجتماعية وفنية
شوقي كريم حسن
كاتب | عراقي
ثمة أشياء لا يجوز أن تُقاس بالمال وحده.المسرح واحد منها.فحين يُقال إن مهرجان المسرح العراقي مهم، وإنه يمثل العراق عربياً، وإنه جزء من صورته الثقافية وتاريخه الإبداعي، ثم تتعطل أمواله في دهاليز الإجراءات المالية، فإننا لا نكون أمام مشكلة تخص مهرجاناً وفنانين فحسب؛ نكون أمام خلل في الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى الثقافة نفسها.لا تستطيع الدولة أن تتباهى بثقافتها في الخارج، ثم تتعامل معها في الداخل كعبء زائد على الموازنة.هذه ليست قسوة في العبارة، بل هي أبسط قواعد الاتساق.العراق ليس بلداً طارئاً على المسرح. هذا البلد أنجب تجارب مسرحية تركت أثرها في المشهد العربي، واحتضنت خشباته أجيالاً من الفنانين الذين لم يكونوا يبحثون عن الثراء، وإنما عن مساحة يقولون فيها شيئاً عن الإنسان العراقي، عن خوفه، وعن أحلامه، وعن خراباته الصغيرة والكبيرة.واليوم، وبعد كل هذا التاريخ، يصبح إقامة مهرجان مسرحي معركةً مع التمويل؟
أي مفارقة هذه؟
أن يُطلب من الفنان أن يحمل اسم العراق إلى الخارج، بينما لا يجد في الداخل من يحمل عنه كلفة السفر والإنتاج والتنظيم؟
أن نريد من المسرح أن يستعيد حضوره، ثم نترك المؤسسات المسرحية تنتظر كتاباً مالياً أو توقيعاً إدارياً قد يصل بعد أن ينتهي موعد المهرجان؟
الثقافة لا تُقتل دائماً بالمنع. أحياناً يكفي أن تتركها تنتظر.انتظروا التمويل.انتظروا الموافقة.انتظروا إطلاق التخصيص.انتظروا الكتاب.
انتظروا الاستثناء.ثم انتظروا موت المناسبة.وهكذا يصبح قتل الثقافة عملاً بلا قاتل واضح.وهنا لا بد من قول ما قد لا يعجب البعض:—المسؤولية ليست على وزارة المالية وحدها.
وزارة الثقافة مطالبة بأن تكون أكثر قوة ووضوحاً في الدفاع عن مشاريعها، وأكثر شفافية في إدارتها، وأكثر قدرة على تقديم برنامج ثقافي يمكن الدفاع عنه بالأرقام والنتائج، لا بالشعارات.والمؤسسات المسرحية أيضاً مطالبة بأن تراجع نفسها. فالدعم العام لا يعني حصانة من السؤال. من حق الدولة والمجتمع أن يعرفا أين تذهب الأموال، ومن حق الفنان في المقابل أن يعرف لماذا تتعطل، ولماذا تُعطى بعض المشاريع الأولوية على غيرها، وعلى أي أساس تُدار الثقافة.
المطلوب ليس شيكاً مفتوحاً للثقافة، بل ثقافة تستحق أن يُفتح لها التمويل.
وهذا فرق جوهري.لكن أن تتحول المحاسبة إلى ذريعة لتعطيل النشاط الثقافي كله، فذلك شيء آخر.لقد خصص مجلس الوزراء، في قرار معلن، 500 مليون دينار لوزارة الثقافة لسد نفقات فعاليات مهرجان الهيئة العامة للمسرح لعام 2024.
وهذا يجعل السؤال أكثر إلحاحاً:—إذا كانت الدولة قد أقرت سابقاً أهمية دعم المهرجان، فلماذا يبقى التمويل الثقافي رهناً بالتأخير والتعقيد كلما حان موعد الفعل؟
نحن لا نتحدث عن مهرجان للترف.
نتحدث عن صورة العراق.عن ذاكرته.
عن فنانين يعملون في ظروف يعرفها الجميع.عن خشبة تستطيع، في ساعة ونصف، أن تقول عن العراق ما لا تستطيع عشرات الخطب الرسمية قوله.المسرح لا يطلب أن يحل محل الاقتصاد.ولا يطلب أن تُهدر أموال الناس عليه.إنه يطلب فقط أن يُعامل باعتباره جزءاً من الدولة الحديثة، لا هامشاً يمكن الاستغناء عنه كلما ظهرت أزمة مالية أو إدارية.وهنا أصل المشكلة.الدولة التي لا ترى الثقافة استثماراً في الإنسان، ستدفع لاحقاً ثمناً أكبر في الفراغ الذي تتركه الثقافة وراءها.فالفراغ الثقافي ليس فراغاً.
إنه مساحة يتقدم إليها اليأس، والسطحية، واللامبالاة، وفقدان الذاكرة.والمسرح، في جوهره، مقاومة لهذا الفراغ.إنه المكان الذي يجلس فيه العراقي أمام مرآته.قد تعجبه صورته.وقد يخجل منها.وقد يضحك.
وقد يغادر القاعة غاضباً.لكن المهم أنه رأى نفسه.وهذه إحدى وظائف الثقافة التي لا تظهر في جداول الحسابات.لذلك فإن قضية تمويل مهرجان المسرح العراقي تستحق أن تتحول من ملف إداري إلى سؤال وطني عن موقع الثقافة في الدولة العراقية.نريد إجابة صريحة:—هل نريد ثقافة حقيقية، أم نريد صورة ثقافية؟
هل نريد مهرجانات قادرة على المنافسة عربياً، أم مهرجانات تنجو كل عام بأعجوبة من نقص التمويل؟
هل نريد للمسرحي العراقي أن يقف أمام العرب بوصفه صاحب تجربة، أم نريده أن يقف معتذراً عن تأخر مؤسسته وعجزها؟
لا أحد يريد من وزارة المالية أن تنفق بلا حساب.لكن المطلوب ألا يصبح الحساب المالي أداةً لقتل ما لا يستطيع المال وحده أن يعوضه.
إذا مات المهرجان، يمكن إقامة مهرجان آخر ،أما إذا ماتت الثقة بين الفنان وبلده، فاستعادتها أصعب بكثير.ولهذا يجب أن يكون الكلام واضحاً:—أوقفوا التعامل مع الثقافة باعتبارها بنداً يمكن تأجيله.
ضعوا للمسرح سياسة تمويل واضحة.
حددوا المسؤوليات.
اعتمدوا الشفافية.
حاسبوا المقصرين.
وأعطوا الفنان حقه في العمل.
لا نريد من الدولة أن تجامل المسرح.
نريدها أن تحترمه.
ولا نريد من المسرحيين أن يطلبوا امتيازاً.نريدهم أن يقدموا ما يجعل دعمهم مستحقاً.
ولا نريد مهرجاناً يمر ثم يُنسى.نريد مشروعاً ثقافياً يعيد للعراق شيئاً من صوته الذي فقده وسط ضجيج السياسة والاقتصاد والأزمات.العراق الذي يتحدث كثيراً عن حضارته، عليه أن يفهم أن الحضارة ليست ما نعلقه على الجدران من صور الماضي. الحضارة هي ما نفعله اليوم.وإذا كنا عاجزين عن حماية خشبة المسرح، فلا يحق لنا أن نكثر من الحديث عن مجد الثقافة.المجد لا يُستعاد بالكلام.
المجد يحتاج إلى من يموله، ومن يحميه، ومن يغامر من أجله.
أما المسرح، فسيبقى واقفاً.حتى لو تأخر الضوء.لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع المسرح أن يعيش؟
السؤال:—كم مرة نريد للعراق أن يطفئ الضوء قبل أن يكتشف أنه أطفأ جزءاً من نفسه؟!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي