مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
الهامور يعيش في أعماق البحار، وهو نوع من الأسماكِ معروفٌ بشهيته المفتوحة، قوّة فكَّيه، وقدرته على ابتلاع كلِّ ما يقع في طريقه. ثمَّة نوع آخر أكثر خطورة، لا يسبح بين الشّعاب المرجانية بل بين المكاتب الفخمة، وخلف الأبواب المغلقة، وفي دهاليز السُّلطة والمال. إنَّه «الهامور البشري».
هذا الهامور لا يكتفي بما يحصُلُ عليه من امتيازاتٍ أو رواتب أو نفوذ، بل يظلُّ يفتح فمه أكثر فأكثر، يبتلع العقود، والمشاريع، والفرص، وأحلام الناس أيضاً. ولعلَّ السُّخرية تكمنُ في أنَّ بعضَ هؤلاء لا يرونَ في أفعالهم فسادًا، بل يعتبرونها نوعًا من «الذَّكاء» أو «استثمار العلاقات»، بينما يدفع المجتمع بأكمله ثمن هذا الجشع المنظَّم.
الفساد ليس حالةً فردية معزولة، ولا مجرَّدَ موظَّفٍ مرتشٍ أو مسؤولٍ متجاوزٍ للقانون. إنَّه نمطٌ من السُّلوك المؤسسي غير المشروع يقوم على استغلال السُّلطة أو النُّفوذ لتحقيق مكاسبٍ خاصَّةٍ على حساب المال العام والمصلحة العامَّة.
قد يبدأُ الأمرُ برشوةٍ صغيرةٍ أو معاملةٍ استثنائية، لكنَّه يتضخَّم تدريجيًا حتى يصبح شبكةَ مصالحٍ مترابطةٍ تضمُّ مسؤولينَ وشركاتٍ ووسطاء، وأحيانًا جهات رقابية اختارت الصَّمت أو التَّواطؤ. عند هذه المرحلة لا يعدُّ الفساد انحرافًا عن النّظام، بل يصبح جزءًا منه.
هنا يقترب الفاسد من صورة «الهامور» فعلًا؛ فهو لا يكتفي بما هو متاح، بل يسعى باستمرارٍ إلى توسيعِ دائرةِ الابتلاع، لأنَّ البيئةَ المحيطةَ به لا تفرض حدودًا حقيقية لطموحه المفتوح.
الأمر الذي لا يدركه الكثيرونَ هو أنَّ الفسادَ لا يسرق المال فقط، بل يعيد توجيه الاقتصاد بأكمله نحو مسارات غير منتجة.
حين تصبح الرشوة والصفقات الغامضة لغةَ التَّعاملِ السّائدة، يتردَّد المستثمرُ الجاد في الدُّخول إلى السُّوق، بينما تتدفَّق الأموال الباحثة عن النفوذ السريع لا عن الإنتاج الحقيقي.
وهنا لا بُدَّ أن ندرك أنَّ للفسادِ أثر على التَّنمية... التَّنمية ليست طرقًا وجسورًا وأبراجًا فحسب، بل هي إدارة عادلة وفعالة للموارد العامَّة.
لكن في البيئة الفاسدة تتحوَّل المشاريع التنموية إلى واجهات برَّاقة تخفي خلفها ضعفًا هيكليًا عميقًا. تتراجع جودة التَّعليم والصحة والخدمات الأساسية، وتتسع الفجوة بين الطَّبقات الاجتماعية، وتفقد الدَّولة قدرتها على التَّخطيط طويل المدى.
والنتيجة هي ما يمكن وصفه بـ «التنمية المشوَّهة»: أرقام جميلة في التقارير الرسمية، وحياة أكثر صعوبة في الواقع اليومي للمواطنين.
السؤال الذي لا بُدَّ أنَّ يُطرح: لماذا يستمرُّ الفساد؟
الفساد لا يستمرُّ لأنَّه قوي فحسب، بل لأنَّه يجد مناخًا مناسبًا للنمو والتكاثر. فحين تضعف الرقابة أو تُسيَّس، وحين تغيب الشفَّافية عن العقود والمناقصات، وحين تتداخل المصالح بين السُّلطة والثروة، يصبح الفساد جزءًا من المشهد المعتاد.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يتباطأ القضاء أو يفقد استقلاليته، أو عندما تتسامح الثقافة المجتمعية مع الواسطة والرشوة الصغيرة باعتبارها وسائل طبيعية لإنجاز الأمور.
وهنا ندرك أنَّ الهامور لا يعيش في الصحراء، بل في المياه التي تسمح له بالنّمو.
السُّؤال الآخر هو كيف يمكن مواجهة الفساد؟
إنَّ مكافحة الفساد لا تتمُّ عبر حملة إعلامية عابرة، ولا من خلال شعاراتٍ انتخابية مؤقَّتة، بل من خلال مشروع مؤسسي طويل الأمد يرى أنَّ الشفافية الكاملة، في إتاحة العقود الحكومية والموازنات وآليات التعاقد، تقلّل فرص التلاعب وتزيد من مستوى المساءلة.
كذلك، وجود قضاء مستقل وفعّال، إذ لا قيمة للقوانين إذا كانت عاجزة عن الوصول إلى أصحاب النفوذ. العدالة الحقيقية تبدأ عندما يخضع الجميع للمحاسبة دون استثناء.
ولا بُدَّ من وجود رقابة قوية، محمية ومستقلة تتمتَّع بالصلاحيات الكافية لحماية المال العام وحماية المبلغين عن الفساد.
وثمَّة نقطة مهمة وهي رقمنة المعاملات الحكومية، إذ كلَّما قلَّ الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، تقلَّصت فرص الرشوة والوساطة والمحسوبية.
وأيضاً، مساءلة سياسية حقيقية، وذلك باستحداث مؤسسات رقابية وتشريعية قادرة على محاسبة السُّلطة التنفيذية، وهذا يشكِّلُ أحد أهم خطوط الدفاع ضد الفساد.
والأهم مما ذكرته آنفاً هو «تغيير الثقافة العامة» وهذا هو التحدي الكبير والأصعب. فالقوانين وحدها لا تكفي إذا ظلَّ المجتمع يتسامح مع الفساد في صوره الصغيرة ويبرره باعتباره جزءًا من الحياة اليومية.
وختاماً، أرى أنَّ الهامور، في البحر، كائن طبيعي يؤدي دوره البيئي، لكنَّ «الهامور البشري» حين يتحوَّل إلى فاعل اقتصادي وسياسي بلا ضوابط يصبح خطرًا على المجتمع بأكمله.
الفساد ليس مجرَّد سرقة مال، بل سرقة مستقبل. ومكافحته لا تعني مطاردة أفراد فقط، بل إعادة بناء النظام بحيث لا يجد «الهامور» بيئة تسمح له بأن يفتح فمه بلا نهاية.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي