loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

حين يتكلم الطين: مرايا الألم في صانع الأكواز

breakLine
2026-08-24

د. آمال بوحرب 
ناقدة وباحثة | تونسية

 

تُقرأ القصة في أغلب الأحيان بوصفها طريقةً لفهم الإنسان وهو يعيش علاقته المعقدة بالعالم والعمل والآخرين فهي تعيد تشكيل الواقع عبر الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة، لتكشف ما يستتر خلف التجربة اليومية من قلقٍ ورغباتٍ وتناقضات ومن هنا يمكن فهم قول جورج لوكاتش إن الرواية "ملحمة عالمٍ هجره الله" لأنه يشير إلى ذلك العالم الحديث الذي فقد انسجامه، وأصبح فيه الإنسان يبحث عن معنى لوجوده وسط التمزق والعزلة وتضيء الفكرة كذلك القصة أيضا لأنها تجعل من الحدث البسيط نافذةً على أسئلة أكبر تتعلق بالذات والكرامة والسلطة والاغتراب ومعنى الحياة، ولكن تنفصل القصة عن الفلسفة أحيانا  حين تتجاوز الحكايةُ مجردَ سردِ الأحداث، لتطرح  بدورها سؤالًا عن الإنسان وموقعه في العالم. فالقصة، بما تنطوي عليه من شخصيات وأفعال وصراعات، تمنح الأفكار الفلسفية وجودًا حيًّا وتجعلها قابلةً للاختبار داخل  تجربة إنسانية تتجسد في مصير الشخصية وفي علاقتها بالعمل والآخرين والواقع المحيط بها. وانطلاقًا من هذا الأفق، تستدعي قصة "صانع الأكواز" قراءةً نقديةً متأنيةً تستجلي البنى الدلالية التي تؤطّر تجربة الشخصية، ولا سيما ما يتصل بالقلق والاغتراب والسعي إلى إثبات الذات داخل شروطها الاجتماعية والوجودية.

ملخص الرواية:
تندرج رواية "صانع الأكواز" للدكتور ميثم هاشم طاهر الصادرة سنة 2020، ضمن سرديات الألم الإنساني في المجتمع العراقي المعاصر إذ ترصد آثار الحرب والعنف والاقتلاع النفسي في الفرد، وتكشف كيف تتحول التجربة القاسية إلى جرحٍ يواصل حضوره في الذاكرة والوعي. تتمحور الرواية حول شخصية "أشرق الذي يخرج من تجربة مرعبة قلبت إدراكه لذاته وللعالم: فقد استيقظ في ظلمة قبر جماعي بعدما اعتقد الذين اعتقلوه أنه فارق الحياة، تترك تلك التجربة أثرًا نفسيًا عميقًا في البطل، فيعاني توهّمين نادرين هما توهّم الألوهية وتوهّم الجثمانية، ويتجسدان في ذهنه بوصفهما صوتين أو شخصيتين متنازعتين. وللنجاة من وطأة هذا الصراع، يلجأ أشرق إلى العزلة وإلى ممارسة فعلٍ يدوي متكرر؛ إذ يمكث في حجرة ضيقة مدة ستة أشهر وثمانية عشر يومًا، منشغلًا بصناعة الأكواز غير أن هذا الفعل اليومي يتجاوز حدوده الواقعية حين تنطق الأكواز ذات ليلة، وتدعوه إلى الحكي بدعوى تبديد خوفها.
من هنا تنفتح الرواية على لعبة تخييلية هي "لعبة الأكواز التسعة" التي تجعل الحكاية وسيلة للاستشفاء ومواجهة الذاكرة يستعيد أشرق، عبر مخاطبة أكوازه الناطقة، مسار حياته منذ مولده في كوم الطين حتى موته، في رحلة تتداخل فيها الوقائع بالهذيان، والذاكرة بالمتخيل، والذات المجروحة بعالمها المأزوم. وهكذا تطرح الرواية أسئلة كبرى عن الموت والحياة، والحرب والحصار، والحرية والجنون، والحب والجمال، في محاولة لفهم مصير إنسان أنهكته التحولات العنيفة في واقعه.
إنها رواية  تستمد دلالتها الفلسفية من تحويل التجربة اليومية البسيطة إلى مجال للتأمل في معنى الوجود الإنساني، وفي قدرة الفرد على أن يصنع لنفسه قيمةً ومكانةً داخل عالمٍ قد لا يمنحه الاعتراف بسهولة. لانها تتصل بالفلسفة من خلال ما تثيره من أسئلة تتجاوز حدود الحكاية المباشرة، لتلامس معنى الإنسان في علاقته بالعمل والعالم والآخر فالحرفة هنا تجربة وجودية يختبر فيها الصانع قدرته على إثبات ذاته وانتزاع الاعتراف بإنسانيته إذ يتحول العمل إلى مجال للصراع بين الذات وواقعٍ قد يحاصر الفرد بالفقر أو التهميش أو الاحتقار ومن هذا المنظور، تقترب القصة من التصور الوجودي الذي يرى أن الانسان  يصنعه  وجوده من خلال أفعاله ومقاومته للعبث والاغتراب.
كما تتوقف عند آليات السرد التي تجعل من اليومي والهامشي مادةً لكشف أسئلة أكبر: كيف يحافظ الإنسان على صوته في واقعٍ يختزل وجوده في وظيفته؟، وكيف يمكن لفعل الصنع أن يتحول إلى مقاومة صامتة ضد الاغتراب والفقد؟

الذات المجروحة ووهم القدرة:
تبدو شخصية أشرق في رواية صانع الأكواز أبعد من أن تكون حالة فردية معزولة أو نموذجًا غرائبيًا قائمًا بذاته؛ فهي تختزن في تكوينها النفسي جراح مرحلة تاريخية كاملة. فهذيانه وخوفه وعزلته وادعاؤه الألوهية تُفهم بوصفها استجابات لواقع بالغ القسوة، دفع العقل إلى ابتكار مخارج تخييلية لمواجهة ما يعجز عن احتماله ومن ثمّ، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها سيرة جرح جماعي يتجسد في ذات فردية فعندما يتحدث أشرق عن نفسه، يتجاوز صوته حدوده الشخصية ليحمل أصداء عائلة محاصرة، ومدينة مثقلة بالخوف، ووطن فقد فيه أفراده أبسط مقومات الأمان والكرامة.

أشرق ووهم القدرة:
تعاني شخصية أشرق توهّم الألوهية والقدرة على الخلق والشفاء، لكن اختزال هذه الحالة في تفسير طبي وحده يحجب بعدها الرمزي. فأشرق ذاتٌ هشّمتها الحروب والجوع والتعذيب والموت، حتى غدا العجز عن احتمال هشاشتها دافعًا إلى اختراع صورة مضادة صورة كائن متعالٍ يمتلك القدرة والسيادة والتطهير ولكنه تعال بناء يقول أشرق: "إنه إله، لا أشعر بالألم، وما دمائي إلا تطهير قدسي لهذا العالم. أنا خلقتكما يا حسن"
فكرة تنطوي في عمقها على اعتراف مرير بالعجز. فاللجوء إلى تخيّل القدرة المطلقة لا يصدر إلا عن ذات سُلبت، في واقعها، أشكال القدرة والأمان كافة. لذلك يعوّض أشرق عجزه الواقعي بعالم داخلي يتوهم فيه القوة والخلق والسيطرة، بعد أن عجز العالم الخارجي عن أن يمنحه أيّ معنى للنجاة أو التوازن.

الأكواز وسؤال الإنسان:
تقدم الرواية  الأكواز بوصفها تجليات رمزية لوجوه الذات المنقسمة داخل فضاء حكائي مغلق. فكل كوز يبدو كأنه قناع لوعي مأزوم: الكوز الملحد، الكوز الصوفي، الكوز العبقري الكوز المهرج، الكوز الحكيم، ثم كوز شهرزاد جميعها تنبثق من حجرة معزولة تبدو أقرب إلى داخل النفس منها إلى المكان الخارجي. وهكذا تتحول الحجرة إلى مسرح للوعي المحاصر، وتغدو الكوّة نافذة ضيقة بين عالم ينهار في الخارج وعقل يتشظى في الداخل.
ومن منظور نيتشوي، يمكن قراءة الكوز الملحد بوصفه لحظة تمرّد على المعنى الموروث، وإعلانًا عن اهتزاز المرجع الأعلى الذي كان يمنح العالم تماسكه الرمزي. ويصلح هنا استدعاء قول نيتشه: «الله قد مات»،  باعتباره علامة على أزمة المعنى وانهيار الميتافيزيقا التي كانت تسند اليقين. غير أن هذا التمرّد  يُفهم بوصفه عرضًا من أعراض الانكسار التاريخي، حيث لا يعود الإنسان قادرًا على الوثوق بأي نسق نهائي. أما الكوز المتصوف، فيمثل محاولة معاكسة لاستعادة الوحدة عبر الحلول والاتحاد، كأن الذات تبحث عن مخرج ميتافيزيقي يرمم به صدع الواقع. وبين نفي الإله وطلب الاتحاد، تتأرجح الذات بين هدم المعنى واستعادته.
أما من زاوية الفارابي، فإن الرواية تكشف ضمور المدينة الممكنة وانهيار شروط الكمال الإنساني. فالفارابي يجعل الإنسان كائنًا مدنيًا لا يكتمل إلا في نظام يحقق التعاون والفضيلة، ويمكن توظيف فكرته هنا عبر معناه الشهير: "الإنسان لا يكمل إلا بالاجتماع المدني "وبذلك تظهر في الرواية ذاتٌ مطرودة من السكينة، محكومة بالخوف، ومهددة بالعزلة والموت. لذلك فإن الأكواز  هي  علامات على اختلال العلاقة بين الفرد والمدينة، وبين النفس والعالم، وبين القوة والمعنى. وإذا كانت المدينة الفاضلة عند الفارابي تقوم على انتظام القوى وتوجيهها نحو الخير، فإن حجرة أشرق تمثل نقيض ذلك: انغلاقًا نفسيًا وسياسيًا يشتغل فيه الجدل الداخلي بدل التوازن، والهلع بدل الطمأنينة.
تبدو الرواية إدانة أعمق لبنية الخضوع نفسها حين تتسلل إلى النفوس بعد أن تُنهكها الحرب والقهر. فالذات هنا لا تُهزم لأنها أُرغمت على أن تعيش زمنًا طويلًا داخل شروط تحوّل الإنسان إلى كائن يتواطأ مع نجاة مشروطة بالخوف. لذلك يصبح سؤال الرواية: هل كان الانهيار سياسيًا فقط أم إنه كان أيضًا انهيارًا في القدرة على الاحتفاظ بصورة شجاعة عن الذات؟ 
إن عبارة الكاتب عن سقوط النظام تكشف هذا التوتر بين الفرح والخزي، بين النجاة والشعور المتأخر بالجبن، وهو توتر يجعل الرواية أقرب إلى محاكمة للذات الجماعية بقدر ما هي إدانة للسلطة.
حمل أشرق التراجيديا الذاتية، فحين يكون الصانع هو الراوي، لكنه يفاجأ بأن كائناته تشكّك في وجوده. ثم يحدث الانقلاب الأخطر حين تقول الأكواز له: "نحن في عقلك" هنا يتهاوى وهم المركز السردي. من يخلق من؟ ومن يتخيّل من؟.
وهكذا لا يكون السؤال في نهاية الرواية هل يوجد صانع؟  ولكن كيف يتشكل المعنى حين يفقد مركزه؟

تحولات العدد تسعة في   الرواية:
العدد تسعة في "صانع الأكواز" يعمل بوصفه رقمًا وظيفيًا أو تفصيلًا في نظام العد، وكذلك علامةً تدخل في اقتصاد المعنى داخل السرد. وهذا قريب من تصور أمبرتو إيكو للنص بوصفه "آلة كسولة" تستدعي من قارئها أن يفعّل ما تخفيه من إمكانات دلالية فالعدد يصرّح بمعناه، يفتح حقلًا من التأويلات الممكنة. ومن ثمّ، يصبح التسعة عنصرًا يوقظ في الذاكرة الثقافية فكرة الامتلاء والبلوغ، ويجعل من الأكواز بنيةً تتجاوز حضورها المادي إلى وظيفتها الرمزية.
في الأفق اللاهوتي، يمكن استدعاء بول ريكور الذي يرى أن الرمز "يعطي الفكر" أي إنه يمنح المعنى الأوليّ قدرة على توليد معنى ثانٍ أعمق. فالعدد تسعة، حين يُقرن بفكرة الحمل واكتمال مدته، ويتحول من دلالة النضج الجسدي،  ليستدعي بنيةً رمزية قوامها الانتظار والاستعداد للظهور. وبهذا المعنى، يدلّ اكتمال العدد على أن الحقيقة لم تعد بعيدة أو غائبة، لكنها لم تصر بعدُ حضورًا متحققًا إنها في طور الاستعلان الذي يسبق التحول.
وتتيح فلسفة هيغل قراءةً جدلية لهذا المعنى إذ يكون الاكتمال عنده لحظةً داخل حركة الروح وتطورها. فما يبلغ تمامه لا ينغلق في ذاته، وإنما يحمل تناقضه الذي يدفعه إلى تجاوز نفسه  لذلك يمكن فهم التسعة بوصفه علامة على اكتمالٍ جدلي: إنه اكتمال بلغ حدّه ومن ثمّ صار قابلًا للانتقال إلى صورة أخرى. فالأكواز، في انتظامها العددي، لا ترمز إلى  لحظة توتر بين هيئة استنفدت إمكانها وهيئة جديدة لم تولد بعد.يقول الراوي "فالصانع الذي اوجدنا وفخرنا من الطين قادر على ان يعيدنا ويصنعنا من جديد" بسبب تمسكه بمعتقدات دينية زائفة اضاعت عقله نتيجة لتأثره بالشيخ وقراءته لكتاب الطلاسم والرموز
وفي المقاربة الصوفية الفلسفية، يمكن الإفادة من تصور ابن عربي للوحدة في الكثرة؛ فالوجود عنده يتجلى في صور متعددة كما أنها لا تنفصل في حقيقتها عن وحدة الوجود الجامعة. ومن هذا المنظور، تصير الأكواز التسعة صورًا متعددة لمعنى واحد، أو تجلياتٍ متفرقة لذات تطلب أصلها ووحدتها. والعدد هنا يعبّر عن كثرةٍ منتظمة لا تزال تشير إلى الواحد من دون أن تستنفده؛ أي إلى ذاتٍ تقف بين تفرق المظاهر ووحدة الحقيقة.
أما نقديًا، فيمكن وصل الدلالة بفكرة رولان بارت عن العلامة الأدبية التي تتجاوز معناها المباشر لتؤسس "نظامًا دلاليًا ثانيًا" لإنتاج أسطورة صغيرة عن التعدد والاكتمال والانتظار. كما يتيح مفهوم غاستون باشلار عن الصورة الشعرية النظر إلى الكوز بوصفه صورةً كثيفة، تتجمع فيها الذاكرة والخيال والحلم؛ وعندما تتكرر هذه الصورة تسع مرات، يتعاظم أثرها الإيحائي، فتغدو البنية العددية نفسها وسيلةً لتصوير ذاتٍ موزعة في أشكالها، مشدودة إلى وعد الوحدة والتحول.

الحوار وتجلي الوعي المأزوم في الرواية:
يؤدي الحوار في رواية صانع الأكواز وظيفة تتجاوز تبادل الكلام بين الشخصيات إذ يتحول إلى فضاء فلسفي تتكشف فيه الرؤى العميقة للوجود، وتتحدد عبره علاقة الإنسان بالألم، وبالمعنى، وبالذاكرة، وبالرجاء. فالحوار هنا ليس عنصرًا زخرفيًا في البناء السردي، بل هو أداة كاشفة عن البنية الفكرية للشخصيات، وعن الكيفية التي تفهم بها العالم وتعيد تأويله من داخل معاناتها.
فعندما يقول كوز المتصوف لأشرق: “أنت غاوي بؤس لا تحكي إلا ألمك” كلمات تنطوي  تكشف عن إدراكٍ خارجي لشخصية أشرق بوصفه ذاتًا مأزومة تعيد إنتاج الألم في خطابها غير أن جواب أشرق: “لأن لحظات الألم تنضج الإنسان، فكل ألم وثبة في الوعي والفهم الحقيقي للعالم” يحوّل الألم من مجرد تجربة سلبية إلى مبدأ معرفي؛ فالألم، في هذا التصور مدخلا  إلى إدراك أعمق لذاته وللعالم. وهنا يكتسب الحوار بعدًا جدليًا يجعل  منها أداة للمعرفة، وكأن الوعي لا يكتمل إلا عبر الجرح.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحوار في الرواية مجالًا لصياغة موقف أنطولوجي من الحياة لأن العالم  يظهر وكانه  حقلًا مأسويًا تتنازعه الخسارة والقهر والانكسار. لذلك تتكرر في الأحاديث نبرة الحزن تعبير صادق  عن عالم فقد توازنه. وهكذا يغدو الحوار وسيلة لتكثيف الرؤية التراجيدية التي تسكن الشخصيات، وتكشف أن الإنسان في هذه الرواية يواجه الواقع  من موقع الانكسار وإعادة التأويل المستمرة.
أما الحوار الذي يدور بين المعلمة ميساء والطالبة أسيل، فإنه يفتح أفقًا آخر أكثر عمقًا، لأن المسألة هنا تتعلق  بالوعي  البشري و بالغياب والمستحيل. فقول ميساء: “من يصعد قطار الموت لن يعود أبدا” يرسّخ حقيقة الفقد بوصفها قانونًا صارمًا لا يخضع للرغبة. لكن المفارقة المؤثرة تنشأ من رسمة أسيل التي تُعيد الأب القتيل حيًا، لأن الطفلة لا تتعامل مع الواقع  بمنطق التمني والبراءة والرجاء. وهنا يتجلّى الحوار بوصفه مواجهة بين وعيين: وعي ناضج يعرف قسوة الحقيقة، ووعي طفولي ما يزال يقاوم تلك الحقيقة بالخيال.
وعليه فإن  قيمة الحوار في هذا النص تكمن في أنه يكشف عن تعدد مستويات الإدراك داخل الرواية  إدراك يائس يقرّ باستحالة العودة، وإدراك بريء يصرّ على استبقاء الغائب حيًا في المخيلة. وهذه المفارقة تمنح الحوار بعدًا فلسفيًا عميقًا، و أداةً لطرح سؤال كبير: هل الحقيقة ما تقوله التجربة القاسية، أم ما يحلم به القلب رغم استحالته؟

التشكّل الوجودي للذات الممزقة:
يكشف اعتراف أشرق عن أزمة وجودية عميقة، إذ يغدو الحزن لديه علامة على انقسام الكائن الإنساني بين نزعتين متعارضتين: نزعة أرضية تثقلها الحاجة والألم، ونزعة متعالية تتطلع إلى الصفاء والمعنى. ويقول أشرق في هذا السياق: “أنا إنسان تقهقرت بشريته منذ أن علق ببعدين متباينين، وانكفأت وتوارت خلف قطبين تصدرا ذهني وسيطرا عليه في حركاته وسكناته، ليكون البشري المتواري ضحية لشد الجثمان الأسيان إلى الأرض الجرداء، وجذب المتأله الجذل نحو الزرقة الصافية، الشرط الإنساني الممزق بين جذل السماء وأسى الأرض” (ص37)وهي مقولة تكثف رؤية مأساوية للوجود تقوم على تمزق الإنسان بين الجسد والروح، وبين ثقل الواقع وشهوة التطلع إلى المطلق. ومن ثمّ يغدو البحث عن النجاة محاولةً لإعادة التفكير في ماهية الحياة، لأن الحياة هنا تتحول إلى سؤال فلسفي عن كيفية العيش وسط هذا الانشطار.
وفي هذا الأفق، تقترب رؤية أشرق من الرؤية الدوستويفسكية التي ترى الإنسان كائنًا ممزقًا يكتمل عبر الألم. فشخصيات دوستويفسكي تبلغ خلاصها عبر المواجهة العنيفة مع الذات والوجود، حيث يتحول الألم إلى طريق للوعي وكشف الحقيقة وهكذا يصبح ما يقوله أشرق تعبيرًا عن إنسان يسعى إلى إعادة تعريف الحياة بوصفها معاناة واعية تبحث عن معنى داخل المأساة.

المكان والزمان: هندسة الذاكرة والخراب:
يؤدي المكان في الرواية دوراً أساسياً في تشكيل المأساة وكشف أبعادها النفسية والاجتماعية. فالسجن والبيت والحديقة والغرفة والشارع أمكنة مشبعة بالخوف والذاكرة والعنف، وتحمل كل واحدة منها وجهاً من وجوه السلطة؛ سلطة الدولة، وسلطة المجتمع، وسلطة الأسرة والعرف.
تكتسب حديقة البيت دلالة مأساوية خاصة. فالحديقة، التي تقترن في الوعي بالحياة والخصب والنمو، تتحول إلى قبر لمريم وموضع لدفن الحقيقة يُوارى جسدها تحت التراب، وتُوارى معه قصتها وحقها في الكلام والدفاع عن نفسها. وقد قاومت مريم اعتداءً وقع عليها، ثم انتهى مصيرها إلى الدفن في حديقة البيت. لذلك ينقلب البيت من فضاء للحماية إلى مكان يخفي الجريمة، وتتحول الحديقة إلى رمز للصمت والقهر.
ويتصل الدفن المادي بالدفن المعنوي الذي تتعرض له مريم عبر أحكام المحيطين بها. يقول بعض الجيران: "كنا نظنها أشرف النساء وإذا بها ساقطة" ويقول الأب: "علينا أن نبحث عنها، نغسل العار "وتقول الأم: "ابنتها تستحق القتل لأنها خانت زوجها ولطخت سمعة أهلها "تكشف هذه الأصوات مجتمعاً يصدر حكمه قبل معرفة الوقائع، ويحجب عن مريم حقها في رواية ما جرى. وتتحول مفردات «ساقطة» و«غسل العار» إلى أدوات تبرر الإدانة وتحمّل الضحية وزر الجريمة التي وقعت عليها.
ويأتي الكلب شاهداً على الحقيقة المطمورة في الحديقة. يقول الرواي "حسن لاحظ أن الكلب يريد أن يقول شيئاً، يتمرق ويحفر بقائمتيه الخلفيتين، يعوي وينبح نباحاً أليماً "يحمل هذا المشهد قسوةً بالغة، فالكلب يستشعر ما تخفيه الأرض ويحاول تنبيه البشر إلى الجسد المدفون، بينما تستغرق الجماعة في الشائعة والحكم المسبق. وهنا يكتسب عواء الحيوان صدقاً أخلاقياً يفوق كلام الناس، لأنه يصدر عن إحساس مباشر بالألم، بعيداً عن حسابات السمعة والعار.
وتقدم غرفة أشرق وجهاً آخر للمكان القمعي. فهي مخبأ يحميه من الخطر، وفي الوقت نفسه تحبسه داخل ذاكرته وخوفه يقول أشرق: "هذا مخبؤك وهذا الباب سأغلقه… منذ ذلك الدخول لم أخرج من هذا الباب أبداً، ستة أشهر وسبعة عشر يوماً قضيتها بين الكوابيس وبين الصلصال أصنع أكوازاً خزفية على شاكلتي». يضع الباب المغلق حداً بين عالمين: عالم خارجي تملؤه المطاردة والشبهة، وعالم داخلي تتكاثر فيه الكوابيس وصور السجن.
وأما الغرفة فإنها تحمل معنى مزدوجاً فهي ملاذ الخائف وسجن الذاكرة. ففيها يجد أشرق عزلة تقيه الخطر، وفيها يستمر أسيراً للتجارب التي عبرها. غير أن صناعة الأكواز الخزفية تمنح هذا المكان جانباً مقاوماً إذ يتحول الصلصال إلى وسيلة يعيد عبرها أشرق تشكيل ذاته وذاكرته. فمن مادة رخوة وهشة يصنع أشكالاً قابلة للبقاء، وكأنه يمنح جراحه هيئةً يمكن احتمالها.
ويستدعي هذا التصوير تصور "غاستون باشلار" للبيت بوصفه فضاءً للحميمية والذاكرة، غير أن الرواية تقدم بيتاً تختلط فيه الحماية بالخوف؛ ففيه تُدفن مريم، وفيه يختبئ أشرق. كما يكشف المكان عن تداخل الزمن والذاكرة وفق مفهوم الكرونوتوب عند ميخائيل باختين. فالحديقة تختزن زمن الجريمة، والغرفة تحمل زمن الاختباء والكوابيس، والسجن يستحضر زمن التعذيب، بينما يتحول الشارع إلى فضاء للشبهة والمراقبة،هذه الأمكنة، تشير إلى أن سقوط الطاغية وحده لا يكفي لمحو آثار القمع يتبدى ذلك بقول الكاتب "أن يسقط نظام اذاقنا الويل، بهذه السهولة، يجعلني أكثر تعاسة ويكشف كم كنّا جبناء ياميثم ... يا لفجيعتي!؟ (ص 79.. )فالعنف يستقر في الذاكرة واللغة والبيوت، وتبقى آثاره حاضرة في نفوس الشخصيات لذلك تبدو الحرية مساراً لاستعادة الإنسان والمكان من قبضة الخوف والكذب وأحكام العرف.
من أكثر الشواهد إيلاماً في الرواية وصف أشرق لجسده بعد التعذيب، إذ يقول: «كانت ندبة في جبيني، ما كان لي أبداً مثل تلك الندبة أتطلع إلى جسدي، أبصر خطوطاً من أثر السياط والأسلاك السميكة وندباً من أثر كويات السجائر، جسداً ممزقاً من خطوط نمرية غير متناسقة». يتحول الجسد هنا إلى وثيقة سياسية حية فالندوب علامات تحمل تاريخ العنف الذي مارسته السلطة على ضحيتها. فالتعذيب يستهدف الجسد والإرادة معاً، ويزرع الخوف في الإنسان، ويشعره بأن جسده صار تحت سيطرة قوة قادرة على انتهاكه متى شاءت.
وتلتقي الرواية هنا مع ميشيل فوكو في تحليله لعلاقة السلطة بالجسد. فالسلطة تتجاوز القوانين والمؤسسات، وتصل إلى الأجساد عبر العقاب والمراقبة والتأديب. وفي الرواية تحضر السلطة في السجن، ثم تمتد آثارها إلى الحي والجيران والشك واللغة والباب المغلق. وهكذا يعيش أشرق القمع خارج أسوار السجن أيضاً، لأن آثار التعذيب تستمر في ذاكرته وفي علاقته بالعالم.
ويبلغ هذا العنف ذروته في مشهد القبر الجماعي، حين يقول أشرق: "لا شيء أفزع من أن تستيقظ في قبر جماعي تحيطك الجثث "يحمل القبر الجماعي معنى يتجاوز الموت؛ فهو يسلب الإنسان اسمه ووجهه وخصوصيته وحق أهله في الحداد عليه. فالجسد في هذا المكان يتحول إلى رقم مجهول، وتغدو الجريمة محاولة لمحو الضحية من ذاكرة الجماعة.
غير أن الرواية تواجه هذا المحو من خلال السرد إذ تعيد إلى الضحية صوتها وحضورها، وتجعل الجسد المعذب شاهداً على ما جرى. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة رواية «صانع الأكواز» بوصفها لوناً من أدب الشهادة، لأنها تمنح المأساة وجهاً حسياً وإنسانياً، بعيداً عن لغة الأرقام المجردة. كما تتصل بمفهوم الذاكرة الجمعية عند موريس هالبفاكس، لأن ذاكرة أشرق تحمل تجربة فردية، وتلتقي في الوقت نفسه بذاكرة مجتمع عاش القمع والفقدان.
ويظهر الحصار في الرواية امتداداً آخر للعنف، عبر الجوع والمرض والعوز. يقول الراوي: «محق الحصار أرواحنا، تركنا أجساداً خاوية ينخرها الجوع والعوز والمرض». تكشف العبارة أن الحصار ينهك الروح بقدر ما ينهك الجسد؛ إذ ينتزع من الإنسان إحساسه بالأمان والكرامة وقدرته على حماية أسرته.
ويتضح أثر ه داخل البيت حين يقول أشرق: «باع أبي كل شيء في البيت حتى الثلاجة والكتب والأغطية لأجل أن يوفر لقمة العيش». تحمل هذه الأشياء دلالات تتجاوز قيمتها المادية؛ فالثلاجة تشير إلى الاستقرار اليومي، والأغطية تحيل إلى الدفء والحماية، والكتب تمثل الذاكرة والثقافة. ومع بيعها يتراجع البيت عن معناه الإنساني، ويتحول إلى فضاء تسيطر عليه الضرورة والحاجة  تعود آثار الحصار إلى الطفولة حين تقول رند: «علّمتني صديقتي كيف أخدع هذه العجوز، قلت لها: إنني قد أعطيتك ثمن البسكويت، وبسبب الزحام لن تنتبه لكذبتي». يكشف هذا الموقف طفلة دفعتها الحاجة إلى تعلّم الخداع من أجل طعام بسيط. فبدلاً من عالم اللعب والبراءة، تدخل الطفولة في عالم الحساب والتدبير اليومي للبقاء.
وتضيء فكرة الاغتراب عند كارل ماركس هذا الجانب من الرواية. فالإنسان في ظل الحصار يغترب عن بيته وطفولته وقيمه وصورته عن ذاته. فالأب العاجز عن تأمين لقمة العيش أو الدواء يعيش انكساراً داخلياً، والطفلة التي تكذب كي تأكل تخسر جزءاً من براءتها، والأسرة كلها تدخل في منطق النجاة عوضاً عن منطق الحياة الكريمة.
يساعد تصور حنة آرنت للإنسان  لانه في الحقيقة  كائناً للفعل والكلام والظهور في المجال العام على فهم أثر الحصار. فالجوع يحصر الإنسان في دائرة الضرورات البيولوجية: الطعام والدواء والبقاء. وحين تهيمن هذه الضرورات، تضيق مساحة الاختيار والمشاركة وصناعة المستقبل. لذلك يظهر الحصار في الرواية قوةً تسلب الإنسان شروط حياته الكريمة، وتحوّل وجوده اليومي إلى معركة طويلة من أجل البقاء.
وفي مواجهة هذا الجسد الجريح، وهذه الذاكرة المثقلة بالموت، وهذا الحصار الذي ينهش الروح والبيت والطفولة، فكان لا بدّ للكاتب من النجاة عبر هذه التجربة  المتشابكة

أكواز الشهادة والنجاة:
يجوز القول إذا أن رواية "صانع الأكواز "تنتمي إلى نوع سردي متفرد، يتداخل فيه البعد الروائي مع الشهادة والذاكرة والتوثيق الإنساني. فهي تنطلق من تجربة أشرق الفردية، ثم تتسع لتحتضن ذاكرة مجتمع عاش القمع والحصار والحرب والفقدان، ويتأرجح السرد بين راوٍ يشهد على ما عاشه وسارد ينقل وجع جماعة كاملة. ويضيء مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين هذا البناء إذ يرى أن الرواية تتشكل من تعدد الأصوات واللغات الاجتماعية إذ  تلتقي الرواية مع رؤية إدوارد سعيد للنص المرتبط بعالمه وتاريخه وصراعاته، إذ تستمد مادتها من واقع سياسي واجتماعي مثقل بالقهر والخسارة، وتحوّل هذا الواقع إلى تجربة فنية وإنسانية.
تستعيد الجسد المعذب، لانها  فعل مقاومة  ونجاة تحتاج إلى أدوات إبداعية وتحفظ الذاكرة من المحو، وتؤكد قدرة الإنسان على استعادة شيء من إنسانيته عبر الخلق ، حتى وسط أقسى التجارب ربما علينا أن نتقبل ما ذهب إليه هومي بابا، الناقد الهندي، من أن الهوية لا تُفهم بوصفها معطى ثابتاً وجاهزاً، وإنما بوصفها تشكلاً متحركاً ينشأ داخل التوتر والاختلاط والتحول ومن هذا المنظور، تبدو رواية "صانع الأكواز" نصاً عن ذاتٍ مجروحة تتشكل في قلب الألم، وتعيد عبر الذاكرة والسرد والخلق الفني بناء معنى للحياة..

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي