مقالات ادبية واجتماعية وفنية
داود سلمان الشويلي
ناقد | عراقي
في مسيرتنا الأدبية، والنقدية خاصة، وبعد ظهور المناهج النقدية السياقية (تاريخية، واجتماعية، ونفسية)، ومن بعدها النصية، (البنيوية، السيميائية، التفكيكية، السرديات...الخ) ظهر هذا المنهج النقدي الذرائعي "المنهج البراغماتي" الذي هو رؤية نقدية تجمع بين أكثر من منهج نقدي تقليدي، وحديث، لدراسة النص الأدبي الواحد، أو لدراسة أي كتاب في شتى العلوم، كما فعلت الدكتورة عبير خالد في دراستها (نقد العلوم بمنظور ذرائعي - أهمية التواصل بين الثقافات والحضارات ودور البلاغة - دراسة ذرائعية مستقطعة في كتاب "البلاغة والتواصل عبر الثقافات" للدكتور عماد عبد اللطيف)، للوصول إلى فهم أشمل، وأعمق، للنتاج الأدبي، كي نخرج المنهج الذي نستعمله من الاعتماد على منهج واحد، وكذلك على هذا المنهج أن يستعير ما يوافق النص من مناهج أخرى يستعيرها من المناهج السياقية، أو النصية، لتجاوز بعض النقص في المنهج الواحد، فيسعى الى دمج رؤى مختلفة لتقديم تحليل أعمق، وأشمل، الذي تتطلبها الأعمال الأدبية، والأعمال الأخرى المنقدة، أو المدروسة.
إذن جاء هذا المنهج ليسد النقص الحاصل في بعض المناهج النقدية، وأيضا للتحرر من المنهجية الصارمة التي يحملها هذا أو ذاك من المناهج فيأخذ الناقد حريته الكاملة في دراسته النقدية لأي عمل أدبي.
في دراستنا هذا لا نريد ان نغمط حق الاستاذ عبد الرزاق عودة الغالبي في اجتراح منهج نقدي للنصوص الأدبية، والنصوص الأخرى، إذ أسس لمنهجه هذا عبر اصدار سبع كتب عنه، وأسماه المنهج الذرائعي، أو النفعي، معتمدا على مفهوم "الشاعر" في القرآن في سورة الشعراء الآيات (224و225و 226و227) التي تذكر ((وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ * أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ))، وهذه أوّل ملاحظة لي سجلت على هذا المنهج في دراستي المنشورة في جريدة الحقيقة ع/3017 بتاريخ 25 /11/ 2025م، إذ قلت: ((من هذه الآيات ترجم الغالبي البراغماتية الى "النفعية" كي يتفق مع مفهوم القرآن لها، ولهذا كان لزاما على من يريد أن يقدم نقدا لأي عمل أدبي أن يفرق بين الشاعر المؤمن، والشاعر غير المؤمن، علما ان الهدف، والقدرة على قول الشعر، هما اللذان يحكمان المنفعة، وليس الايمان أو عدمه، ولهذا يأتي اجتراح هذا المنهج تحت سلطة، وهيمنة، المفهوم الاسلامي له غير صائبة))، وبينت ذلك للسادة النقاد عند قيامهم بنقد نص ما في أن يختار ايمانه، أو عدم ايمانه، لكي يطبق هذا المنهج على نصه. النتيجة التي أريد أن أؤكدها من دراساتي هي تطبيق القاعدة الذهبية في نسبة الحقوق لأصحابها في ان الناقد الغالبي اجتهد في اجتراح هذا المنهج فإن أصاب فله درجتين من التقيم الحسن، وان أخطأ فله درجة واحدة من التقييم على محاولاته، وبذل الجهد.
وقبل أن نتحدث عن التطبيقات ضمن هذا المنهج علينا أن نقدم تعريفا شاملا له. فحسب قول منظره الاستاذ الغالبي: ((هو منهج عربي، وهو كيان نقدي فلسفي، يرتكز على العلوم اللسانية، ويضم جميع العلوم المحيطة بالأدب، لكونه يختص بدراسة النص الأدبي العربي بالتحديد)) ص13/ج4.
ومن هذا التعريف يقفل الاستاذ الغالبي منهجه على النص الأدبي العربي فقط، ولا يتجاوزه الى النصوص العالمية، وأرى ان ذلك التعريف قد جاء بتأثير تعريف الآية القرآنية للشعراء، ولا يريد أن يخرج من مضمونها، عن الشاعر المؤمن، والشاعر غير المؤمن.
أرى ان تأكيدات النقاد، والدارسين، على البحث عن منهج نقدي عربي ليس معناه أن يكون هذا المنهج خاص بالأدب العربي، وانما أن يكون هذا المنهج من وضع عربي، حسب ضروريات البيئة العربية، دون الاعتماد على المناهج المستوردة من قبل الغرب، وان المسألة الانسانية يجب أن نضعها دائما نصب أعيننا، فالانسانية تدعونا الى نبذ التمركز ضمن حدود لغتنا العربية، وليس مثل الأوربيين الذين تمركز بعضهم على أوربيته في الحقبة الاستعمارية، ودون أن نصهر عربيتنا بالصبغة العالمية، الأوربية.
فالشكلانية ظهرت في موسكو، ولم يقل الروس انها روسية تهتم بالأدب الروسي تحديدا، وكذلك القول عن مدرسة براغ اللسانية التي هي "حلقة براغ اللغوية" التي قامت بتطوير المنهج البنيوي الوظيفي الذي أثر عالمياً، عبر أعمال رومان جاكوبسون، انها جيكسلوفاكية، وأيضا عن المدرسة السريالية، فلم يقل احد انها فرنسية لأن جميع كتابها هم فرنسيون مثل: أندريه بريتون، غيوم أبولينير، وأندريه جيد، وجان كوكتو، ولويس أراغون. مثلا.
إذن، وحسب رأيي المتواضع، أرى ان شرط هذا المنهج هو التفرقة بين الشاعر المؤمن، والشاعر غير المؤمن، وكذلك وصف هذا المنهج بالعربي، هما شرطان غير موفقين، وغير صائبين.
أصدر الناقد الغالبي الجزء الرابع من كتابه الذي وضعه عن هذا المنهج، وهذا الجزء يضم بعض التطبيقات عليه، وهي تطبيقات الدكتورة عبير خالد، إذ تقول في تعريفها للذرائعية التي تسميها الذرائعية العربية، كما يطلق عليها الاستاذ الغالبي هذه الصفة، والتي تقصد بها المنهج الذرائعي الذي نتحدث عنه: ((المنهج الذي يقوم بتحليل النصوص، ومخبوءاتها، باعطاء ذريعة علمية لكل جانب أو زاوية تقال في النص الخاضع للتحليل، وتتأتى تلك الذرائع من الانطلاق من جنس النص وتكويناتع الفنية والجمالية المسنودة بالأخلاق(1) أي بالرسالة، والمجتمعية)) ص 259 ج4، وهذا المنهج يأخذ علميته، كما تؤكد الدكتورة، من أكثر من عشرين علما، والتي أدرجتها في دراستها على ص260 ج4.
هذا العدد من العلوم لا يستطيع أي كاتب أن يرجع لها لتطبيق المنهج الذرائعي الذي نتحدث عنه، إلا في حالة تذكره لأي واحد منها يتوافق مع النص الذي يدرسه أو جزء منه.
فعندما تتحدث الدكتورة في مقالها التطبيقي عن (نقد العلوم بمنظور ذرائعي - أهمية التواصل بين الثقافات والحضارات ودور البلاغة - دراسة ذرائعية مستقطعة في كتاب "البلاغة والتواصل عبر الثقافات" للدكتور عماد عبد اللطيف)، تقدم سيرة الكاتب الذاتية ص263، وهذا من المنهج السياقي. وكذلك اعتمدت على المنهج التاريخي، ومنهج التلقي، والمنهج الوصفي.
وفي دراستها الثانية المعنونة (الغرض الشعري الوطني والسياسي في ديوان "المنازلة" للشاعر المصري عمارة ابراهيم) ص299 ج4، تتحدث عن السيرة الذاتية للشاعر، وهو منهج سياقي، وتأخذ من المنهج البنيوي موضوعة التبئير، وهو منهج نصي غير سياقي، وكذلك تستخدم المنهج الذي يدرس رموز القصائد، والثيمات، وتشرح، وتفسر، كل ما موجود في القصائد، وهذا المنهج يأخذ من الكثير من المناهج السياقية، وأهمها المنهج الانطباعي، ثم تأخذ من المنهج اللساني، والمنهج السيميائي، والنقد النفسي، والنقد التفكيكي، وآليه التناص، وكذلك تدرس البديع، والجناس، والترادف، والتشبيه، والاستعارة، والكناية...الخ.
أن تشعب أي دراسة الى مثل هذه الموضوعات هو تشتت لذهنية القاريء، ولفكره، وكان عليها أن تدرس موضوعا من هذه الموضوعات، وتترك الباقي لغيرها، لكي تشبعه نقدا، ودراسة، بعمق غير الذي قدمته من ملاحظات لا تتعدى السطر الواحد عن ثيمة معينة في شعر هذا الشاعر المدروس.
إذن نستنتج من هذا الجزء الذي وضع عن تطبيقات المنهج الذرائعي، الذي يطلق عليه اسم التداولية في بعض المواضع، هو منهج تكاملي يجمع بين مختلف المناهج، وآليات النقد، لاستيعاب النص من جوانبه كافة (المؤلف، النص، القارئ، والسياق التاريخي) للوصول إلى فهم أعمق، وأشمل، بدلاً من الاقتصار على منهج واحد.
قدم على هذا المنهج دراسات كثيرة من نقاد كبار ابتداء من خمسينيات القرن المنصرم، والى الأن، ومنهم: شكري فيصل، وشوقي ضيف، وعبد المنعم خفاجي، وأحمد كمال زكي، وعبد العزيز عتيق، وجورج طرابيشي، ويوسف الشاروني، وشكري عياد، وسعيد يقطين، وغيرهم من النقاد العرب.
أعود مرة ثانية الى مقالي السابق، ونذكر مثالا واحدا عند تطبيق هذا المنهج، وهو دراسة شعر الشاعر حسين مردان، وهو شاعر عربي، عراقي، مسلم، ظهر في النصف الثاني من القرن المنصرم، وأوّل سؤال يطرحه هذا المنهج هو: هل هذا الشاعر مؤمن أو غير مؤمن؟ لكي تكون الآية القرآنية التي تأسس على شرطها، وشروطها، هذا المنهج، قد شمل هذا الشاعر؟.
الجواب: كلا. لأن أغلب قصائد الشاعر حسين مردان تخرجه من هذا الوصف خاصة في مجموعته الشعرية "قصائد عارية" التي حوكم على أثر صدورها عام 1950. هذه المحاكمة تعني إما أن يدرس هذا المنهج مثل هذا الشاعر فيكون سببا لمحاكمته، وإما أن يتركه؟ فيكون تاركا للكثير من النصوص الأدبيه، وغير الأدبية، التي لا يقترب منها. مثل أشعار المعري، وكتب أخوان الصفا، من السابقين، وكتب الدكتور نصر حامد أبو زيد التي تطرح آرائه التي يعدها البعض آراء تنتقد الموروث الاسلامي الصحيح فحوكم، ورفعت دعوى قصائية ضده للتفريق بينه، وبين زوجته، وبهذا يكون هذا المنهج مساعدا في مطاردة الأدباء، والكتاب، والمفكرين، فتنشأ في الدول العربية محاكما للتفتيش.
غير الدكتور آنف الذكر ممن حوكم، الأديب النوبلي نجيب محفوظ فقد حاول أحد الأميين من اغتياله لأنه كتب رواية "أولاد حارتنا"، وكذلك اغتيال المفكر فرج فوده. ولا ننسى الدكتور طه حسين، وعلي عبد الرازق. وغيرهم.
نصل الى نتيجة هي ان هذا المنهج هو منهج تكاملي في النقد، كتب فيه الكثير من النقاد سوى انه يختص بالأدب العربي، والكتابات العربية، وكان على المنظر له الاستاذ الغالبي ان يضع صفة ثانية له هي المنهج الاسلامي، فيكون المنهج العربي الاسلامي في النقد.
الهوامش:
–هذا ما أكدته في دراستي السابقة عن المؤمن، وغير المؤمن، واخلاقية كل كاتب حسب مفهوم القرآن للشعراء مما يسد الباب أمام تسعين بالمئة من النقاد في استخدام هذا المنهج.
.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي