مقالات ادبية واجتماعية وفنية
عمران علي (دوست)/كاتب سوري
قِيلَ إنّ في الأسطورة الكردية—حيث تتدلّى الحكاية من عروق الجبل كما تتدلّى السحب من أطراف الهواء—توجدُ لافتةٌ لا تراها العيون، ولا تُقرأ إلا حين يختلّ ميزانُ القلب. وتحت هذه اللافتة، يَرِدُ اسمُ كائنين اثنين لا يلتقيان في النهار عادةً، لأنّ النهار في منطقهم ليس زماناً، بل قانوناً؛ وإذا انكسر القانونُ، انفتحَ بابٌ على نوعٍ من السكون الرهيب: سكونٍ يبتلعُ الكلمات قبل أن تكتمل في أفواه الناس.
الأولُ هو العُقابُ المُعَقِّدُ العُلوِّ "شرو"—لا يُوصف طائراً فحسب، بل يُوصف كأنّهُ حكمٌ مُدلّى من السماء. ريشُه ليس لوناً واحداً؛ بل طبقاتٌ متداخلةٌ من رمادٍ أزرق، وظِلٍّ مائلٍ إلى الأخضرار، ولمعةٍ تشبهُ الحديد حين يكتسبُ الحرارة ثم ينطفئ. حين يهبط العُقاب، لا يهبط على الأرض؛ إنما يُسقِطُ عليها مقداراً من صوته، فتتأخرُ خطواتُ الأشياء، وتتمايلُ حدودُ الظلّ كأنّها تستمع. وحين يفتحُ عينيه—وهما عينا مراقِبٍ لا يقتنص—تستيقظُ في داخل الإنسان ذاكرةٌ لم يتفقّدها من قبل، كأنّ العُقاب لا ينظر إلى المكان، بل ينظر إلى ما سيحاول المكانُ أن يفعله بالناس بعد لحظة.
والثاني هو ذِئبُ المَصايدِ المُلتفّة "كسنزان"—ذئبٌ لا يجري كالحيوان المعتاد، بل يتحرك كفكرةٍ تتبدّل دون أن تُرى وهي تتحرك. يسمّونه أحياناً "ذئبَ ما قبل الافتراس"، لأنّه لا يهاجم فقط؛ بل يمهّد للهجوم في الروح. يجيء من أزقّةٍ غير معروفة للطرق، ومن حوافٍّ لا تنتهي إلى معنى واضح، ويُعطيك في كل مرةٍ انطباعاً بأنّ الظلّ الذي يمشي إلى جانبه هو ظلُّك أنت، لا ظله. لجلدهِ خطوطٌ كأنّها نقوشٌ على ورقٍ قديم: خطوطٌ لا تُقرأ بالحروف بل بالانقباض، فإذا رأيتَهُ يلتفت، شعرتَ أنّك فقدتَ نقطةً في جسمك لا تعلم مكانها—كأنّ جسمك كان يتمتع بترتيبٍ لا يملكه الآن.
وتقول الحكاية إنّ وراء قِمّةٍ تُدعى "قنطرةُ الريحِ التي لا تَعود" تقعُ ساحةٌ محمولة على هيئة فكرة في "سيسَك": لا يمكنك تحديدها بخط جغرافي، لأنّها تُحدَّد فقط حين يتبادل العجزُ بين رجلين—رجلٍ يريد أن يفهم ورجلٍ لا يريد—ثم يلتقي العجزان في نقطةٍ واحدة فيسقطُ كلّ شيءٍ كان ثابتاً. في تلك الساحة، يوجدُ فاصلٌ بين الكلام والصدى. هناك تلتقي الكلماتُ بالمنفى الذي تسكنه الصدقية؛ فتُسأل: هل أنتِ حقيقةٌ أم قشرةٌ لنية؟ وهل أنتِ وعدٌ أم كذبةٌ مزوقة؟
وعندئذٍ، يبدأ الانحراف الذي تُحذِّر منه الأسطورة: انحرافٌ لا يُشبه سقوطَ حجرٍ من جبل، بل يُشبه انقلابَ تعريف الأشياء. فحين تنكسر القناعة، لا يعود العُقابُ عُقاباً، ولا يعود الذئبُ ذئباً؛ إنهما يتحولان إلى وظيفتين: العُقابُ "شرو" يصبحُ سُلَّماً للإنذار، والذئبُ "كسنزان" يصبحُ مِفتاحاً لقفل المعنى. وفي اللحظة التي تتقاطع فيها وظيفتهما، يظهر صوتٌ في الهواء ليس صوتاً؛ إنما علامة صوتية: تَكَّةٌ قصيرة، ثم امتدادٌ ثقيل، ثم فراغٌ يجعل القلوب تُفكِّر كما لو أنّها تُحصى.
يُروى أن القحط ذات مرة لم يكن قحطاً للماء فقط. كان قحطاً للقدرة على تصديق النفس. كانت البيوت قائمة، لكنّ سكانها بلا دفء. كان الناس يمرّون أمام بعضهم كما تمرّ الأتربة فوق بعضها: كلّ واحدٍ يكره أن يلمس الأثر حتى لا يتحول إلى اعتراف. عندها نشب جدالٌ في قريةٍ جبلية حول اسم شيءٍ مفقود. لم يكن الأمر اسماً لمادة، بل اسماً لطقسٍ قديم: طقسٍ يتضمن دعاءً لا يُقال في العلن، بل يُقال في ترتيبٍ داخلي حين تتبدّل المقادير داخل الإنسان. كلّما حاولوا استرجاع الاسم، تُصبح مخارج الحروف أعسر، وتغيبُ القدرة على إكماله.
لذلك بدأوا يظنون أن المشكلة ليست فقداناً، بل عقوبة لغوية: وكأنّ اللغة نفسها سُلبت حقَّها في أن تكون خادمةً للفهم.
وفي ليلةٍ بلا نجوم تقريباً—ليلةٍ يكون فيها الليل كأنه يُغطي وجهَ العالم كي لا يتذكر—ظهر العُقاب. لم يأتِ كما تأتي الطيور، بل كأنّ السماء فتحت غطاءها لحظةً واحدة ثم أغلقتْه فوراً. رأوه على صخرةٍ قريبة من الممرّ المؤدي إلى الوادي، لا يرفرف كثيراً، بل يثبت كأنه مسمارٌ في جسد الهواء. ومع ثباته، بدأ الغبارُ يتشكل على هيئة حروفٍ لا يراها أحدٌ إلا إذا أغلق عينيه وفتح داخله. حاول أحد الشيوخ أن يقترب، فإذا به يختبر معنى الخوف بطريقةٍ جديدة: لم يعد الخوف خوفاً من الموت، بل خوفاً من أن يصبح ما يقوله خاطئاً. عندها قال الشيخ:
- العُقاب لا يريد دمي… يريد يقيناً لا أملك.
ثم تراجع كأنّ صوته كان ثقيلاً على الأرض.
بعدها ظهر الذئب. لم يمشِ باتجاه البشر، بل باتجاه المعنى الذي كان يسكن في وسط الحكاية. خطواته كانت خفيفة لكنّها تترك أثراً محسوساً، لا على التراب بل على طبقة الشعور. كان يميل برأسه حين يتوقف أحدهم عن الكلام، كأنه يلتقط انقطاع النفس ويعيده إلى مصدره. وفي عينيه ترى شيئاً يتأرجح بين الرحمة والخصومة: رحمةٌ لأنه لا يقتل فوراً، خصومةٌ لأنه يترك لك وقتاً كافياً لتفهم لماذا ستُحاسَب إن أخطأت في الفهم. وفي كل مرة حاول الناس أن ينطقوا الاسم المفقود للطقس، يعيد الذئب ترتيبهم: يدفعهم إلى تذكرٍ مشوّه، ثم يصحّح لهم المشوّه بتشويهٍ آخر أكثر دقة، حتى يصير الكلام كله حقلاً للأخطاء المتعمدة.
عند التقاءهما—وهذا موضع الصدمة التي تبتغيها الحكاية—لم يحدث القتال كما نتخيل. لم يحدث صراعٌ على الفريسة. بل حدث صراعٌ على التعريف. العُقاب رفع صوته في الهواء، لكن الصوت لم يكن موجّهاً إلى الذئب. كان موجّهاً إلى معنى "المنطق" نفسه: ذلك المنطق الذي يظن أن العالم يُفهم بالمباشرة. أمّا الذئب فرفع من جهته صمته؛ صمتٌ يتحول إلى حجّة. في التقاء الصوت بالصمت، انفرطت حدود الساحة المحمولة على الفكرة، وظهرت بوابة ليست باباً. كانت فجوةً في قاموس البشر؛ فجوة تقول: إنّ الكلمات التي تتقنها لا تكفي، لأن اللغة ليست آلة فحسب—بل كيان يطالب بالأدقّ لا بالأكثر.
عندئذٍ، خرجت فقراتٌ من الأسطورة إلى سطح الواقع: فقراتٌ ليست جُملاً بل وقائع. رأوا أن ظل العُقاب يتكوّن فوق الأرض ثم يتحول إلى ظلّ حبلٍ غير مرئي، وأن ظل الذئب يتكوّن ثم يتحول إلى عقدةٍ في منتصفه. وعندما حاول أحدهم فك العقدة، انحلّ جزء من الحقيقة في رأسه كما تنحل ربطة خيط. صرخ ثم سكت، ثم بدأ يتكلم بكلماتٍ لم يعرف أنه يعرفها: كلماتٌ فخمة لكنها لا تخدمه؛ كلماتٌ تصنع زينةً للمعنى دون أن تقوده إلى الطريق. عندها فهموا أن الذئب لا يسرق الاسم المفقود، بل يسرق القدرة على توظيفه.
لكن لماذا يفعلان ذلك؟
هنا تزداد الحكاية انحرافاً.
تقول: العُقاب والذئب ليسا خصمين للناس، بل هما مِعياران. العُقاب معيار لقياس ما إذا كانت السماء ستُؤخذ كزينة أم كمسؤولية. والذئب معيار لقياس ما إذا كانت الأرض ستُؤخذ كملاذ أم كقيد.
فحين يجهل الإنسان المعنى، يأتي العُقاب يوقظ الحساب، وحين يهرب الإنسان من الحساب، يأتي الذئب يوقظ الذنب—لا ليعاقب، بل ليُعيد ترتيب القدرة على قول الحقيقة.
وفي ليلةٍ ثالثة—أو ليلة "مؤجلة" حسب منطق الأسطورة—ظهر رجلٌ شابّ لم يكن من أهل القرية. كان غريباً، لكن غرابته لم تكن مجرد مكان، بل كانت عجزاً عن الكذب. لم يكن يعرف الاسم المفقود، ولم يدّعِ أنه يعرف. لذلك لم يكن في داخله يقينٌ هشّ. اقترب من الساحة الملتفة، وقال بصوتٍ مكسور لكنه صادق:
- لا أعلم. لكنّي أسمع.
وما إن قالها حتى شعر بأن الهواء صار أثقل، وأن الهواء نفسه يُجربه: هل ستختبئ وراء الجهل أم ستستخدمه كما يُستخدم السلم لا كما يُستخدم العذر؟
عندها هبط العُقاب هبوطاً جزئياً—ليس نزولاً كاملاً—مدّ مخالبه نحو صخرةٍ تحمل خدشاً قديماً.
ثم نقر الصخرة مرةً واحدة.
ومع النقرة انطلقت موجة في داخل الحجر: موجةٌ صارت اهتزازاً للحروف. ظهرت على الصخرة كتابةٌ لم تكن عربية ولا كردية ولا سريانية—كتابةٌ تُشبه هيئة الندم حين يكتشف المرء أنه أخطأ في تفسير نفسه. حاول الرجل قراءة الكتابة، فلم يستطع. لكنّه لم ينهَر. بدلاً من ذلك، أغلق عينيه وقال:
- إن كان الاسم يُريدني، فليأتِني حين أستحقه.
عندها اقترب الذئب. لم يعضّ الرجل. لم يمزق ثوبه. بل دَنا منه حتى صار أنفُه على مقربة من رائحة القلب، ثم أدار رأسه كما لو كان يشيّع شيئاً لا يَراها أحد: أدار رأسه نحو الفجوة في قاموسهم. في لحظة واحدة، أدرك الرجل—ليس بالمعرفة بل بإحساسٍ يطعن—أن الاسم ليس كلمةً تُقال، بل ترتيبٌ داخلي: نظامٌ لتقويم الصوت قبل الخروج، وتسوية القلب قبل الدعاء، وتقديم الاعتراف قبل الرجاء. لم تكن الصدقية عندهم لفظاً، بل ممارسة.
فقال الشيخ الذي تراجع أول مرة:
- إذن… القحط كان قحطاً للصدق لا للماء.
فارتجت الأرض قليلاً كأنها تصادق.
ثم، ولأول مرة، اكتمل الاسم في ذهنهم دون أن يخرج من أفواههم.
بقي الاسم داخلياً، لأن الأسطورة تؤكد: إن نطقت الاسم دون أن تفهم وظيفة ظهوره، صار الاسم وبالاً لا شفاء.
وإذا فهمت وظيفته دون أن تنطق، ظلّ الاسم مُعطى لا مُهدراً. لذلك لم يُعثروا على الاسم في لسانهم، بل في سلوكهم.
وحين بدأ الناس يغيّرون ترتيبهم الداخلي، تراجع القحط. انخفض العجز. عاد الماء، وعاد الدفء. لم يكن انتصاراً خارقاً، بل نتيجة لعودة تعريف الأشياء إلى أماكنها.
لكن الحكاية لا تنتهي عند الشفاء.
هناك ذيلٌ ينحرف أكثر، ذيلٌ يهدف إلى الصدمة.
فتقول الأسطورة: إن العُقاب والذئب لا يغادران الساحة حين تنتهي القصة؛ بل يبقيانها كاختبارٍ دائم. فإذا مرّ زمنٌ طويل وعدّ الناس أن الأسطورة مجرد تزيين، يعودان في صورةٍ رمزية. يعودان حين تُستخدم الكلمات كحيلٍ لا كأدوات. يعودان حين يتحول الشرح إلى خداع. يعودان حين يتظاهر المرء بأنه يعلم وهو يجهل معنى ما يقول. عندها، يصبح العُقاب "وميض إنذار" في السماء، ويصبح الذئب "انقباض ضمير" في القلب.
ومن يلاحظ الوميض والانقباض معاً، ينجو.
ومن لا يلاحظ، يسقط في فخّ أعقد من فخاخ الصيد: فخّ "المعنى المعطوب"، أي المعنى الذي يظن نفسه صحيحاً بينما هو مقلوب.
لهذا تكره أساطير كردستان التبسيط. لأن التبسيط يقتل المفارقة، والمفارقة هي قلب العدالة عندهم. ليست زينة بل سياطٌ رقيقة على رقبة الوهم. كما يقرأ السجين لوحته الأخيرة: ببطء شديد، وتحديقٍ حادّ، وشعور بأن الجملة قد تكون حكماً عليك، فستفهم لماذا يُذكر الكائنان اثنين بدل واحد. لأن الإنسان غالباً لا يُهزَم بالمواجهة المفردة؛ يُهزم حين يجهل الفرق بين الخوف والإنذار، وبين الرغبة والاعتراف. والعُقاب والذئب—حين يلتقيان—يفصلان بين هذه الأزواج فصلاً لا رجعة بعده: فصلٌ يُسقط اليقين الزائف، ويعيد اليقين الحقيقي إلى موضعه: موضع العمل الداخلي الذي لا يراه أحد.
وفي آخر سطرٍ من الأسطورة، تُقال جملة تُروى بصوتٍ منخفض كي لا يضحك القدر:
أنّ العُقاب لا يحكم من أجل التدمير، وأنّ الذئب لا يأكل من أجل الشره.
كلاهما يأخذ ما يظنه الناس بديهياً… ثم يترك لهم شيئاً واحداً لا يقدرون على مصادرته: القدرة على الاعتراف بأن اللغة—حين تكون أكبر من أن تُحتمل—تصير سكيناً، وحين تُضبط في قلبها—تصير نجاة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي