loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

زيتونة تقاوم الريح: قراءة في الديوان الشعري (زيتونة مجعدة) للشاعرة آية الوشيش

breakLine
2026-09-26

د. عمر عبد الدائم
ناقد وشاعر | ليبي

 


ثمة أشجار لا تُقاس بجمالها، بل بقدرتها على البقاء.
والزيتونة واحدة من تلك الأشجار التي لا تستسلم للزمن؛ كلما اشتدت عليها الريح، ازداد جذعها التواءً، وكلما عبرت عليها السنوات، ازدادت تجاعيدها عمقًا، كأنها تحفظ في جسدها سيرة المكان الذي أنبتها.
لذلك، لم تكن «زيتونة مجعدة» مجرد عنوان لديوان "آية الوشيش"، بقدر ما كانت استعارة كاملة لامرأة تشبه وطنها؛ تقاوم، تنتظر، تحلم، تتعب، ثم تعود لتزهر.
في هذا الديوان لا تأتي القصيدة من برج عاجي، ولا من عالم منفصل عن خراب الحياة اليومية. إنها تخرج من الشارع، من البيت، من ذاكرة الحرب، من مقاعد الانتظار، من نافذة تطل على غائب لا يُعرف إن كان سيعود، ومن قلب فتاة شرقية وجدت نفسها مطالبة بأن تحلم ضمن حدود لم تخترها.
تكتب "آية الوشيش" الحب، غير أن الحب عندها ليس أغنية مكتملة النغم؛ إنه انتظار. وتكتب الحرب، لكنها لا تنظر إليها من خلال خرائط الجغرافيا ولا بيانات المتحدثين، بل من جهة أخرى أكثر إنسانية؛ جهة المرأة التي بقيت وحدها، تراقب الباب، وتخشى أن يكون طرقه فاجعة.
فالحرب في هذه القصائد ليست فقط رصاصًا ودخانًا، إنها أيضًا ذلك الفراغ الذي تتركه الحرب في سرير امرأة، وفي فنجان قهوة، وفي موعد مؤجل، وفي رسالة لا تصل. ومن هنا يصبح الغياب شخصية حاضرة في الديوان.
أما الغربة، فهي ليست بالضرورة غربة المكان. فقد يكون الإنسان في مدينته، بين أهله، وتظل روحه واقفة على رصيف بعيد، تبحث عن مكان يشبهها. ولذلك تظهر باريس في مخيلة الشاعرة لا باعتبارها مجرد مدينة للسفر، وإنما باعتبارها حلمًا بالخروج من القفص؛ حلمًا بمكان تستطيع فيه الذات أن تكون نفسها دون أن تشرح كثيرًا لماذا تريد أن تكون نفسها.
غير أن "آية" لا تهرب تمامًا. إنها تأخذ "أشجار بومسافر" معها إلى باريس.
تحمل معها زيتونتها المجعدة، ولهجتها، وذاكرتها، وخيباتها، وأسئلتها، ووجه الحبيب الغائب، وربما كل الأشياء التي حاولت أن تهرب منها. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الديوان؛ أن تحلم بالسفر، دون أن تستطيع السفر من نفسك.
ولأن صاحبة هذه القصائد امرأة في مجتمع شرقي، فإن جسد المرأة وروحها وحريتها تظهر بوصفها أسئلة أكثر منها إجابات. إنها لا تكتب عن المرأة باعتبارها فكرة مجردة، وإنما عن فتاة تريد أن تحب دون أن تُحاكم، وأن تحلم دون أن تُتهم، وأن تختار دون أن تُسأل دائمًا عن شرعية اختيارها.
في قصائدها، تصبح التفاصيل الصغيرة احتجاجًا صامتًا على عالم كبير يريد للمرأة أن تكون نسخة مما يتوقعه الآخرون منها. ولذلك فإنها تستلهم من قصص النساء من وصفتهن بـ"السنابل"، كإشارة للتمرد الذي صنع منهن أيقونات ولو بعد حين. ولا يمكن فصل قضية المرأة عن قضية الرجل، إنها قضية الإنسان في عمومه، فـ«زيتونة مجعدة» ليس ديوان حب فقط، ولا ديوان حرب فقط، ولا ديوان اغتراب فقط. إنه ديوان الذات وهي تفاوض العالم على حقها في أن تكون ذاتها.
لا تقدم "آية الوشيش" هذه الأسئلة في قصائد موزونة تبحث عن القافية، وإنما اختارت قصيدة النثر، وكأنها اختارت الشكل الأكثر شبهًا بعالمها؛ عالم لا ينتظم بسهولة، ولا يمشي في خط مستقيم، ولا يمنح الأشياء نهاياتها في مواعيدها. ويظهر إيقاع قصيدة النثر عندها لا عبر الوزن الخليلي أو القافية المنتظمة، بل عبر تكرار الجمل، وتجاور الأفعال، وتقطيع العبارة إلى وحدات قصيرة تتنفس مثل اعترافات متتابعة. في عبارات من قبيل "تقاوم، تنتظر، تحلم، تتعب، ثم تعود لتزهر" فيتولد الإيقاع من التعداد والتدرج، بينما تمنح الوقفات المتكررة النص نبرة انتظار لا تنتهي سريعًا، فالموسيقى هنا داخلية، تصنعها العودة إلى كلمات مثل "الغياب" و"الانتظار" و"الرحيل"، لا انتظام المقاطع الصوتية. 
أما صورها الشعرية فتقوم غالبًا على تحويل المعنوي إلى شيء ملموس.
فالغياب لا يبقى فكرة، بل يصير فراغًا في السرير وفي فنجان القهوة وفي الرسالة التي لا تصل؛ والغربة لا تُشرح بوصفها حالة نفسية، بل تُرى في صورة روح واقفة على رصيف بعيد. حتى باريس تتحول من مدينة إلى صورة رمزية للخروج من القفص، في حين تختصر الزيتونة ذاكرة الجسد والوطن معًا، وتُصوّر قلبًا اعتصر وجف. هذه الصور لا تبحث عن الزخرفة، بل عن تكثيف التجربة في مشهد يومي يمكن للقارئ أن يلمسه.
ولغتها، في المقابل، تميل إلى الوضوح والاقتصاد، وتستمد قوتها من المفردة القريبة لا من الغرابة المعجمية. غير أن بساطتها ليست مباشرة ساذجة؛ فالكلمات اليومية، حين توضع في سياق الحرب والحب والانتظار، تكتسب ظلالًا أخرى، ظلالًا أوسع. "الباب"، و"النافذة"، و"الفنجان"، و"الرسالة" مفردات عادية، لكنها تتحول إلى علامات على الخوف والترقب وانقطاع التواصل. كما أن المزج بين لغة الاعتراف الشخصي ولغة الرمز يمنح القصيدة طبقتين؛ الأولى صوت امرأة تتحدث عن تجربتها، والثانية صوت وطن يتكلم من خلالها.
وتتخذ قصائد الديوان بنية شبيهة بحركة الذاكرة لا بحركة الحكاية الخطية.
تبدأ القصيدة أحيانًا من تفصيل صغير، ثم تنفتح على الماضي أو الحلم، قبل أن تعود إلى الحاضر محملة بما استعادته. لذلك تبدو المقاطع كأنها شظايا متجاورة، لا فصولًا مغلقة؛ كل مقطع يضيف إحساسًا أو صورة، وقد يترك نهايته معلقة بدل أن يقدم خلاصة. هذا الانفتاح البنائي ينسجم مع تجربة الشاعرة نفسها، حيث لا ينفصل الحب عن الحرب، ولا الرحيل عن الحنين، ولا الرغبة عن الخوف.
ويمكننا القول إن قصائد "آية الوشيش" تتقدم كما تتقدم الذاكرة؛ تذكر، ثم تراجع، ثم قفز إلى الحلم، ثم عودة إلى جرح قديم. وهكذا تتجاور في الديوان أشياء تبدو متناقضة؛ الحب والحرب، الوطن والمنفى، الرغبة والخوف، الانتظار والرحيل، الشرق وباريس، المرأة والحواجز التي تحيط بها، الحلم والواقع. 
لكن آية تعرف أن التناقض ليس عيبًا في تجربتها، بل هو التجربة نفسها.
ولذلك حين تقول: "إنها المتناقضة في بلد متناقض"، فهي لا تصف نفسها، بل إنها لا تعني امرأة فحسب، وإنما تصور حياة معظم من يعيش على هذه الأرض، وبالتالي فهي تلخص ربما فكرة هذا الديوان كله.
فكيف لا تكون متناقضة، وهي ابنة بلد يمكن أن يمنحها البحر ويمنعها من الإبحار، ويمنحها الصحراء ويضيّق عليها الطريق، ويمنحها الحب ثم يضع حوله ألف سؤال؟ كيف لا تكون متناقضة وهي تحب وطنًا يؤلمها، وتشتهي الرحيل عنه، ثم تخاف أن تصل إلى مكان لا يحمل رائحة ترابه؟
إن آية لا تحاول أن تحل هذه التناقضات. إنها تكتبها. وهذا تحديدًا ما يمنح «زيتونة مجعدة» صدقها. فالقصيدة هنا ليست إجابة عن الأسئلة، بل هي المساحة التي تستطيع فيها الأسئلة أن تتنفس.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذا الديوان أن آية لا تكتب من موقع من امتلك الحقيقة، وإنما من موقع من ما زال يبحث عنها. تكتب وهي تحب، وتكتب وهي تخاف، وتكتب وهي تنتظر، وتكتب وهي تحلم بالرحيل، ثم تكتشف في كل مرة أن بعض المدن لا تغادر، وأن بعض الأحبة لا يعودون، وأن بعض الحروب تنتهي على الخرائط ولا تنتهي في القلب.
«زيتونة مجعدة» ديوان امرأة تحاول أن تصنع من هشاشتها قوة، ومن وحدتها صوتًا، ومن انتظارها قصيدة. وزيتونتها، مهما تجعدت، ما زالت واقفة. لأن الأشجار التي عرفت الريح طويلًا لا تنكسر بسهولة.
وآية، في هذا الديوان، ليست تلك الفتاة التي تنتظر العالم كي يتغير. بل هي المرأة التي تكتب كي لا يبتلعها العالم.

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي