مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
مطاعم، مطاعم، مطاعم...
في كلِّ زاويةٍ من زوايا بلدنا مطعم، وفي كلِّ هاتفٍ إعلان،
وفي كلِّ إعلان وجبة،
وحولَ كلِّ وجبةٍ ألفُ سؤالٍ وسؤال...
هل المطاعمُ سِمةٌ من سِماتِ التَّحضُّر؟!
أم أنَّها حقيقة لا تقبل النّقاش، أو هكذا تبدو لنا على الأقل!
هل حقاً كلَّما ازداد عددُ المطاعمِ، ازداد إحساسُنا بأنَّ البلدَ يمضي قُدماً، وأنَّنا نقتربُ أكثرَ فأكثرَ من مصافِ الشُّعوب المتحضِّرة؟
ثمَّة سؤالٌ صغيرٌ ربما يفسدُ علينا هذا الاحتفال:
هل يُعقل أنَّ عددَ المطاعمِ في بلدِنا أصبح ينافسُ عددَ السُّكان؟
أهو شغفٌ أم هَوَس؟
هل وصل بنا الشَّغفُ بتناولِ الطّعامِ إلى أن نأكلَ وجبةً دسمةً بعد أن ننتهي مِن وجبةٍ دسمة؟
وهل أصبح حُلُمُنا أن نستيقظَ صباحاً لنفطرَ، ثمَّ نتناول الغداءَ ونفكِّرُ في وجبةِ العشاء، ثمَّ نقضي المساء في البحثِ عن مطعمٍ جديد، قبل أن نخلُدَ إلى النَّوم ونحلُمُ بالفطور ثانيةً؟
هواتفنا ملاى بإعلاناتِ المطاعم... اعلانٌ يطاردُ آخر. صورُ المشاوي تلمعُ تحت الإضاءةِ، والصوصات صافّاتٌ على المائدة، والصحونُ مكدَّسةٌ فوق بعضِها كما لو أنَّ شعبنا اكتشف أخيراً سرَّ السَّعادة!
حتى اللُّغة لم تسلم من هذه الانتفاضة المفاجئة.
مصطلحاتٌ أجنبية دخلت علينا دون استئذان، نستخدمها دون تردّد ونجمعُها جمعَ المؤنَّث السّالم لنمنحَها مسحةً ثقافية توحي بأنَّنا نعيش في قلبِ الحداثة:
آيتمات جمع «آيتم».
وصوصات جمع «صوص».
كلُّ هذه المفردات تجدها في «المنيو» أو تسمع عنها في الإعلان!
ولا أدري ما الذي تفتقر إليه لغتا العربية حتى نُقحم فيها كلَّ هذه الآيتمات والصوصات لنثبت للآخرين أنَّنا متحضِّرون؟!
وفي المقابل، تُبعثُ مفردات أخرى من قبورها، لتعود إلينا بحماسٍ وكأنَّها كانت تنتظر هذه القيامة منذ عقود:
حميسة، قاورما، طرشانة (قيسي)، بيض غنم...
ثمَّ تظهر كلمات لا يعرف المرء من أين جاءت، ولا إلى أين تذهب:
حبشكلات، حبشات...
المهم أنَّ الكلماتِ تُلفظُ بثقةٍ، وتُكتبُ في قائمةِ الطَّعام بخطٍّ عريض، ويأتي بعدها طبق يكفي لإطعامِ عائلةٍ صغيرة.
أما المطاعم، فهي منتشرةٌ في كلِّ مكان.
مطعم على الرَّصيف.
مطعم مكشوف في سوق شعبي.
مطعم خلف شبّاك يقدم اليابسة والتمّن فقط.
مطعم باگلّه ودهن بالقُربِ من إحدى الساحات المهمة.
مطعمٌ في وسطِ الحي، وآخر في شارعٍ بعيد، لكنَّه أكثرُ شُهرةٍ لأنَّ أحدهم صوَّره مرَّةً ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي.
نساء يطبخنَ في بيوتِهنَ، يعرضنَ بضاعتهن على يوتيوب وكأنَّ المطبخ المنزلي قد تحوّل إلى قناة فضائية متخصصة في جدورة الدولمه على مدار السّاعة.
جدر دولمه صغير بسبعة.
جدر دولمه وسط بعشرة.
وجدر كبير بين اثني عشر وأربعة عشر ألف دينار!
والدولمه، طبعاً، تأتي مع البصلِ الأخضر والفجل الأبيض، لأنَّنا حريصون على التوازن الغذائي!
ولا يتوقَّف الأمر عند الدولمه.
فالمندي يتصدَّر الإعلانات، والمسگوف ينافسه، والمشويات لا تقلُّ حضوراً، أما المقليات فحدّث ولا حرج، وأمّا الشاورما، والفلافل، وكلُّ ما يمكن أن يوضع في صمونه أو في علبةٍ كرتونية فقد أصبحت جزءًا حيوياً من حياتنا اليومية.
وإذا انتهى المواطن من الطعام، فهو يبدأ في البحث عن الحلويات.
فالدهينة، بالنسبة له، تنافس البقلاوة، والكنافة تتفوَّق على زنود الست، وكلُّ طبقِ حلوى يبدو كأنَّه يخوض انتخابات للفوز بمكانٍ دائم على مائدتنا.
المشكلة ليست في أن نأكل...
فالطعام متعةٌ وجزء من ثقافةِ الشعوب، والمطاعم بحدِّ ذاتها ليست شرًّا، بل إنَّ تنوّعها دليل على النشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعية.
المشكلة تبدأ عندما يتحوَّل الطعام من جزءٍ من الحياة إلى محورِ الحياة.
عندما يصبح الإعلان عن مطعم أهم من الحديث عن كتاب.
وعندما نعرف أسماءَ المطاعمِ الجديدة أكثر مما نعرف أسماء الكتب الصادرة حديثاً.
وعندما نستطيع أن نقارن بين أنواع الصوصات، ولا نستطيع أن نميّز بين الدهون المشبَّعة وغير المشبَّعة.
وعندما نسأل عن سعر الوجبة، ولا نسأل عن نوع الزيت المستخدم.
وعندما يصبح حجم الطبق معيار الكرم، وكثرة الطعام معيار الرفاه.
هنا ينبغي أن نتوقَّف قليلًا.
ليس كلُّ ما يبدو شهياً صحّياً، وليس كلُّ ما يشعشعُ في الصورةِ يصلح أنْ يكونَ جزءًا من غذائنا اليومي.
الإفراط في السُّكريات والملح والزيوت النباتية، والإكثار من المقليات، كلُّها عادات ترتبط بمخاطرٍ صحية معروفة عندما تصبح جزءًا دائماً من نمط الحياة، لكنَّ الإعلان لا يخبرك بذلك!
الإعلان لا يقول لك: «تناول باعتدال».
الإعلان يقول لك: «اطلب الآن»!
ولا يقول لك: «انتبه إلى كمية السُّكر والملح».
بل يقول: أخذ سفري إذا تريد!
وهكذا يتحوَّل الإنسان من مستهلك للطعام إلى مستهلك للإعلان عن الطعام.
نحن لا نأكل لأنَّنا جائعون دائماً.
نحن نأكل لأنَّنا رأينا مطعماً جديداً، فشعرنا أنَّ علينا واجباً وطنياً تجاهه!
نحن نأكلُ لأنَّنا أصبحنا شرهين.
يا ليت المطاعم تتنافس أيضاً في شيء آخر.
يا ليتها تتنافس في النظافة،
في جودة المكونات،
في تقليل الملح والسُّكر،
في استخدام زيوت صحية وعدم إعادة استخدامها مرّات ومرّات.
يا ليت الإعلان عن الوجبة يصاحبه إعلان صغير يقول:
«كُلْ باعتدال».
ويا ليته يقول:
المشي بعد الأكل أفضل من طلب وجبة ثانية.
ويا ليت الإعلان يقترح علينا، أن نقرأ كتابًا بعد تناولِ قطعةٍ واحدة من الحلويات.
كم أتمنى أنْ تكونَ لدينا حماسة للقراءة والمعرفة توازي حماستنا للبحث عن مطعمٍ جديد.
وأنْ نهتمَّ بصحتنا كما نهتمَّ بسياراتنا وهواتفنا، ونعرف ما الذي يدخل في بطوننا. فالمعدة بيتُ الدّاء، كما يُقال، وليست غرفة انتظار.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي