مقالات ادبية واجتماعية وفنية
عمران علي (دوست)/كاتب سوري
لم تكن شميران ابنةَ رحمٍ بشريّ، ولا وليدةَ مصادفةٍ عابرة في تقاويم الخلق. كانت انبثاقاً من شقوق الأزل، حين لفظت الأرضُ حلماً مسموماً، فاستحال الحلمُ امرأةً، واستحالت المرأةُ أفعى، واستحال الاثنان معاً إلى سرٍّ لا تطيقه مرايا العالم.
كانت تسكن حيث تتقاطع أضلاع الظلمة، في مملكةٍ لا تستدلّ على الجهات ببوصلة، بل بندوب الكائنات التي ضلّت طريقها إلى الخلود.
هناك، كانت الصخور تُرضع جذورها من حليب العتمة، وكانت الأشجار تُعلّق ظلالها في سقوف المغارات كجثثٍ خضراء تنتظر بعثاً مؤجلاً، وكانت المياه تجري إلى الوراء، كأنها تحاول استرداد أفواهٍ ابتلعتها القرون.
شميران!
يا ابنةَ الالتواء المقدّس، يا التي جعلتِ من جلد الأفعى جغرافيا، ومن الحكمة منفى، ومن الخلود تابوتاً لا يتّسع إلا لروحٍ واحدة.
لم تكن تمنح المعرفة؛ كانت تنتزع عن الأشياء أقنعتها، وتتركها عاريةً أمام حقيقتها الأولى. كانت تعرف أن للريح آباءً مقتولين، وأن للنجوم مقابرَ لا يزورها الضوء، وأن كل حجرٍ في جبال كردستان يحتفظ في جوفه بصرخةٍ لم تجد حنجرةً تتبنّاها.
وكانت إذا مرّرت أصابعها على جبين الأرض، أزهرت المقابر، وإذا تنفّست في وجه الموت، تراجع الموتُ خطوةً، كأنّه تذكّر فجأةً أنّه ليس السيّد الوحيد على الغياب.
لكنّ المأساة لم تكن في أسرارها، بل في ذلك الكائن الذي جاءها من جهة الشمس، محمولاً على أكتاف الجوع، ومبلّلاً بوحل الرغبات البشرية.
استقبلته كما تستقبل الأرضُ بذرةً تائهةً في موسم القحط. ألبسته من دفء مملكتها، وسقته من ينابيعها المحرّمة، وأطلعتْه على أبجدياتٍ كانت الملائكة قد نسيت هجاءها. جعلته يرى ما وراء قشرة الأشياء؛ رأى الموتَ جنيناً في رحم الحياة، ورأى الحياةَ أرملةً تتسوّل ظلاً من شجرةٍ ميتة.
غير أنّ الإنسان، حين يقترب من المعرفة، لا يقترب دائماً من الحكمة؛ أحياناً يقترب من هاويةٍ أكثر اتساعاً، ويظنّ أنّ اتساعها أفق.
خرج من مملكتها وفي عروقه خرائطُ أسرارها، وفي فمه لعابُ القسم، وفي قلبه سوقٌ سرّيةٌ تتفاوض فيها الخيانة مع الطمع على ثمن الروح.
ثم باعها.
يا لفداحة أن يُباع السرّ الذي كان يحرس صاحبه من الموت!
في تلك اللحظة، انشقّت أحشاء الجبل عن رعدةٍ لم تعرفها الزلازل، وانحنت الأفاعي على بطونها كأنها تصلّي لجثمان أمّها قبل أن يُولد. انطفأت المصابيح الحجرية، وارتدّت الأنهار إلى منابعها، وبكت الجذورُ تحت التراب بدموعٍ لم تعرف الشمس كيف تُبخّرها.
أما شميران، فلم تصرخ.
كان الصراخ أصغر من خيبتها، وكانت الكلماتُ أوعيةً ضيّقةً لا تتّسع لذلك الخراب الذي تفتّح في صدرها. نظرت إلى الخائن، فرأت في عينيه مقبرةً لكلّ ما علّمته إيّاه، ثم قالت:
- أيّها الذي خرجتَ من العتمة حاملاً مصباحي، كيف استطعتَ أن تبيع الليلَ لمن لا يعرف قيمة النجوم؟
- لقد منحتُكَ مفاتيح الأبواب، فحوّلتَ الأبواب إلى أقفاص.
- وعلّمتُكَ أن تُصغي إلى الحجر، فإذا بك تستعير أذنيكَ من السكين.
اقتادوها نحو العالم العلوي.
وكانت السماء يومئذٍ شاحبةً كوجه إلهٍ نسي اسمه، والجبال واقفةً في حدادها الأزلي، والريح تجرّ خلفها أكفان الطيور التي لم تجد شجرةً تحتمي بها.
رفعت شميران رأسها نحو الجهات الكردية، حيث تنام الجبال على وسائد من عظام الأساطير، وقالت:
- لن تأخذوا منّي سوى هيئةٍ قابلةٍ للدفن.
- أما أنا، فسأبقى في المسافة التي تفصل الجرح عن ذاكرته، وفي الماء الذي لا ينسى شكل اليد التي لوّثته، وفي كلّ امرأةٍ تخبّئ في صمتها مملكةً لا يستطيع الغزاة بلوغها.
ثم مضت.
ولم يكن موتها خاتمةً للحكاية، بل انفتاحاً لجرحٍ جديد في جسد الزمن.
منذ ذلك الحين، صارت شميران تتناسخ في الأشياء التي لا يلتفت إليها العابرون: في نبتةٍ تشقّ ضلوع الصخر، في عين امرأةٍ تعرف أن الجمال ليس نقيض المأساة، في أفعى تعبر عتبة بيتٍ دون أن تلدغ، وفي نبعٍ يخرج من جوف الأرض كأنّه رسالةٌ تأخرت آلاف الأعوام عن موعد وصولها.
ويقال إن مملكتها لا تزال هناك، تحت طبقات الطين والملح والعظام، وإن أبوابها لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالذاكرة التي لم تتصالح مع الخيانة.
فشميران لم تكن أفعى تبحث عن الخلود، ولا امرأةً تبحث عن حبيب؛ كانت الأرض حين قرّرت أن تُخفي حكمتها في هيئةٍ يخشاها البشر، لأنّ البشر، منذ أول خيانة، لم يعودوا يميّزون بين ما ينبغي أن يعبدوه وما ينبغي أن يحطّموه.
ولعلّ أكثر ما يؤلم في أسطورتها ليس أنّ الإنسان خانها؛ بل أنّه، بعد أن خانها، عاد يبحث في خرائبها عن سرّ الحياة، كأنّ الخيانة لا تقتل أصحاب الأسرار وحدهم، بل تجعل الخائنين أنفسهم يتسوّلون ما أضاعوه.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي