loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

عبدُ الوهابِ البياتيُّ مثالًا للشُّهرةِ المبالَغِ بها

breakLine
2026-09-18

مهدي النهيري
شاعر وناقد | عراقي

 


لا أريدُ أن أصدِرَ حُكمًا نقديًّا على تجربةِ الشاعرِ الراحلِ عبدِ الوهابِ البياتيّ (1926_1999م)، ويمكنُ أنْ أستفيدَ ما يشبهُ الحكمَ النقديَّ -ولا أتبنَّى دقّتَهُ كذلكَ- من خلالِ إثارةِ السؤالِ الآتي: ما الأثرُ الذي تركَهُ شعرُ البياتيِّ في الواقعِ الشعريِّ أو الواقعِ الثقافيِّ أو الواقعِ الاجتماعيِّ؟
لستُ معاصرًا للشاعرِ البياتيِّ ولستُ معاصرًا للجيلِ اللاحقِ عليهِ، ولكنِّي الآنَ أعاصرُ الأجيالَ الثالثَ والرابعَ والخامسَ ربَّما، وهيَ الأجيالُ التي أعقبتْ جيلَ البياتيِّ، وأقولُ: الجيلُ الخامسُ، بعدَ أنْ عددتُ البياتيَّ من الجيلِ الخمسينيّ المسمَّى في الدراساتِ النقديةِ: جيلُ الرِّيادةِ وهوَ الجيلُ الأولُ الذي نهضَ بالحداثةِ الشعريةِ العراقيةِ منتصفَ القرنِ العشرينِ، بعدَ صعودِ الجواهريِّ بالخطِّ الكلاسيكيِّ إلى قمَّتِهِ. 
وأنا أتحدَّثُ عن معاصرةِ الشاعرِ وأهمّيتِها لا بوصفِهِ شخصًا ولكنْ بوصفِ شعرِهِ ظاهرةً ثقافيةً يمكنُ أنْ تُجذِّرَ وجودَها الاجتماعيَّ في الذاكرةِ الشعبيةِ أو الذاكرةِ الثقافيةِ التي تقتربُ من الهاجسِ الشعبيِّ، ويمكنُ حُسبانُ حقلَيِ الصحافةِ والأكاديميةِ من هذا النوعِ من الحواضنِ التي تتلقَّى رياحَ الشهرةِ الشعريةِ قبلَ غيرِها.
قلتُ إني أعاصرُ الجيلَ الخامسَ بعدَ جيلِ البياتيِّ، وأعيهِ وأحاولُ أنْ أشاركَ في صناعةِ مشهدِهِ وأقرأُ كلَّ ما يُتاحُ من منجزِهِ الشعريِّ، بيدَ أنِّي لم أصادفْ في كلِّ هذهِ الأجيالِ الشعريةِ مَن يدَّعي أو من يُدَّعى عليهِ أنَّهُ تأثَّرَ في تجربتِهِ الشعريةِ بما كتبَهُ البياتيُّ. 
ولو شئتُ أنْ آتيَ بالمتأثِّرينَ بالجيلِ الخمسينيِّ لجئتُ بالشاعرِ سعدي يوسف والشاعرِ عبدِ الرزاق عبد الواحد مثالينِ شعريَّينِ متأثِّرينِ بالجيلِ الخمسينيِّ، لكنَّ تأثُّرَهما لم يكنْ بالبياتيِّ وقد سبقَهما بسنواتٍ قليلةٍ، بل كانَ تأثُّرُهما بالانعطافةِ الشعريةِ الكبرى المسمَّاةِ: بدر شاكر السياب، (أقولُ هذا وفي بالي أنَّ بينَهما وبينَ السيابِ وجيلِهِ الخمسينيِّ قربى وشيكةً، وقد سمَّى عبدُ الرزاق جيلَهُ: الجيلُ الملاصقُ لجيلِ الروَّادِ)، وربَّما عُدَّ سعدي يوسف وعبد الرزاق خمسينيَّينِ، لكنَّ أثرَ السياب (الذي سبقَهما فعُدَّ مؤثِّرًا فيهما بوصفِهِ خمسينيًّا محضًا) واضحٌ في تجربتَيهما التفعيليةِ، وأنا هنا أتحدّثُ عن إصداراتِ سعدي يوسف الأولى، وعن كثيرٍ من تفعيلةِ عبدِ الرزاق عبد الواحد من الخمسيناتِ إلى التسعيناتِ، وإنِ اختلفَ في كثيرٍ من تفعيلتِهِ أيضًا عن تفعيلةِ السيابِ.
ولو طُولِبتُ بنماذجَ شعريةٍ تأثرتْ بسعدي يوسف لقلتُ إنَّ كثيرًا من الستينيينَ (أو من جيلِ ما بعدَ السيابِ كما يسمّيهِ خالد علي مصطفى كتعبيرٍ أدقَّ) داروا مدارَ سعدي يوسف، أو على الأقلِّ كوَّنَ هوَ معهم أو كوَّنوا هم معهُ ظاهرةً شعريةً تركتْ أثرَها في الثقافةِ العراقيةِ وهيَ الظاهرةُ الستينيةُ التي يمثِّلُها الآنَ الشاعرُ علي جعفر العلاق بوصفِهِ أحدَ القلائلِ الباقينَ من تلكَ الحقبةِ الشعريةِ، (ويمكنُ احتسابُهُ من الطبقةِ الستينيةِ الثانيةِ زمنيًّا بلحاظِ السنواتِ الأولى لإصدارِهِ الشعرَ وهي السبعيناتُ وتحديدًا سنةُ 1973م، وينبغي هنا أنْ أسجِّلَ أنَّ حقبةَ السبعيناتِ الشعريةَ العراقيةَ غيرُ واضحةٍ لديَّ وضوحًا تامًّا، من جهةِ تداخلِ الجيلينِ)، ويمكنُ لي أنْ أقولَ إنَّ لأسلوبِ علي جعفر العلاق أثرًا في كتابةِ شعرِ التفعيلةِ عندَ شعراءِ التسعيناتِ ومن جاؤوا بعدَهم، وأنا شخصيًّا من المتأثِّرين بالعلاقِ في شعر التفعيلةِ. 
أمَّا المتأثِّرونَ بعبدِ الرزاق عبد الواحد (والمتأثرُ هوَ بالجواهريِّ والشرقيِّ والشبيبيِّ والرصافيِّ في الجانبِ التقليديِّ من تجربتِهِ) فهم فوقَ أنْ يُحصَوا، وأكثرُهم من الشعراءِ الذينَ برزوا أواخرَ الثمانيناتِ وعقدِ التسعيناتِ، وهؤلاءِ تحديدًا هم شعراءُ القصيدةِ العموديةِ، وأسمحُ لنفسي الادّعاءَ أنَّ حركةَ (قصيدة شعر) التسعينيةَ أحدُ ظلالِ الجسدِ الشعريِّ الكبيرِ المشكَّلِ من: جزالةِ الجواهريِّ وقوةِ لغتِهِ، وانسيابيةِ عبد الرزاق عبد الواحد وشعبيةِ مفرداتِهِ، وتمرُّدِ السيابِ وعمقِ رؤيتِهِ، وثقافةِ الشعرِ الستينيِّ، ولم أقفْ على عموديٍّ أو تفعيليٍّ من هؤلاءِ التسعينيينَ تأثَّر بأسلوبِ البياتيِّ. 
ولو طُولبتُ بالمتأثِّرينَ بتجربةِ الشاعرِ مصطفى جمال الدين، لأتيتُ بمجموعةٍ من شعراءِ المنافي الثمانينيةِ والتسعينيةِ من المهاجرينَ العراقيينَ في سوريا وإيران وأوربا، ولعلَّ من أبرزِهم حسن السنيد (وهو جواد جميل)، وفرات الأسدي (وهو ضياء فرج الله)، ومدين الموسوي (وهو جابر الجابري)، وحسين بركة الشامي وعبد الهادي الحكيم، وكذلكَ كانَ لشعرِ مصطفى جمال الدين أثرٌ في شعراء القطيفِ والاحساءِ والأهوازِ والناصريةِ والنجفِ، ولم ألمسْ أثرًا بيِّنًا في شعرِ هؤلاءِ يعودُ إلى أسلوبِ البياتيِّ. 
ولو أردتُ أن أتحدَّثَ عن أثرِ مظفر النواب في الشعرِ العراقيِّ والشعرِ العربيِّ لوقفتُ على عشراتِ المتأثِّرينَ أو المقلِّدينَ، ولا يعنيني هنا نجاحُهم أو إخفاقُهم، لأنَّ شعرَ النوابِ صعبٌ مستصعبٌ، على سهولتِهِ المفرطةِ!
ولو تحدَّثتُ عن التجربةِ الشعريةِ الحاليةِ التي نعيشُها الآنَ، فإنَّ الأساليبَ تنوَّعتْ ومصادرَ تأثُّرِها كثرتْ، لكنِّي لم أوفَّقْ للعثورِ على من تأثَّرَ البياتيَّ تأثُّرًا يشارُ إليهِ. 
**
ومعَ كلِّ ذلكَ، وجدتُ عددًا هائلًا من الكتاباتِ النقديةِ التي تناولتْ تجربةَ البياتيِّ، ولو قُورِنتْ هذهِ الدراساتُ النقديةُ بما كُتبَ عن الجواهريِّ ومصطفى جمال الدين وسعدي يوسف وحسبِ الشيخِ جعفر وعدنانَ الصائغِ وعبدِ الرزاق عبد الواحد، لتغلّبَ البياتيُّ عليهم في كثرةِ ما كُتبَ عنهُ، وربَّما كانَ الناجي الوحيدُ من بينهم هوَ السيابُ، وقدْ ذكرَ الدكتورُ عبد الرضا عليّ في كتابهِ (الأسطورةُ في شعرِ السيابِ) أنَّ ما كُتبَ عن السيابِ من سنةِ وفاتِهِ (وهي 1964م) إلى سنةِ كتابةِ هذا الكتابِ (وهيَ 1979م) ما يربو على 150 دراسةً. 
ثمَّ أريدُ أنْ أعودَ إلى العنوانِ أعلاهُ، وأقولَ: هلْ كانَ البياتيُّ شاعرًا مشهورًا؟ 
فيما أظنُّهُ -ولا أجزمُ بهِ- أنَّ ما حظيَ بهِ البياتيُّ من شُهرةٍ لم يكنْ شُهرةً شعريةً أو شُهرةً اجتماعيةً، بل كانَ شهرةً ثقافيةً، وإذا أردتُ أنْ أكونَ دقيقًا فسأقولُ إنَّها شُهرةُ نخبةٍ، ولو بالغتُ في تصحيحِ العبارةِ لقلتُ: إنَّ شُهرةَ البياتيِّ كانتْ شُهرةً حزبيةً أو شُهرةً أيديولوجيةً. 
طبعًا لا يمكنُ أنْ أضعَ تأثيرَ الشاعرِ في تجاربِ غيرِهِ، أو شُهرةَ الشاعرِ الاجتماعيةَ، مُحدِّدَينِ أو مقياسينِ لشعريَّتِهِ؛ لأنَّ كثيرًا من الشعراءِ أجادوا كثيرًا فيما أنتجوا ولم يحظَوا بشُهرةِ غيرِهمْ، ومن هؤلاءِ مثلًا: كاظم جواد (وهوَ من جيلِ السيابِ) ويوسفُ الصائغُ وخالد علي مصطفى (وأنا أعدُّه عراقيًّا وإن كانَ فلسطينيًّا) وسامي مهدي وحميد سعيد (وإن اشتُهِرَ الأخيرانِ أكثرَ من الآخرينَ في إطارِ الإعلامِ البعثيِّ في حقبةِ صدام حسين) وفوزي كريم ورشدي العاملُ (ويمكنُ أنْ يُحسبَ رشدي على الخمسينيِّينَ أيضًا لأنَّهُ أصدرَ مجموعتَهُ الأولى في الخمسيناتِ، لكنَّ نشاطَهُ الشعريَّ كانَ في الستيناتِ وما بعدَها) وصلاح نيازي (الذي أصدرَ مجموعةً شعريةً واحدةً مطلعَ الستيناتِ، ثمَّ استأنفَ الشعرَ بعدَ أواسطِ السبعيناتِ) وماجدُ الشكريُّ (وهوَ شاعرٌ سبعينيٌّ ثمانينيٌّ انقطعَ عن مزاولةِ الشعرِ -أو مداولتِهِ بتعبيرٍ أصحَّ- من العامِ 1979م حتى سقوطِ نظامِ صدام حسين) ومحمد علي الخفاجي (الذي آثرَ الصمتَ أكثرَ من إيثارِهِ الشعرَ في حقبةِ البعثِ)، وعبد الرسول البرقعاويّ (وإنْ كانَ معروفًا في المشهدِ النجفيِّ في السبعيناتِ والتسعيناتِ، وقد غابَ أسيرًا في إيرانَ من أوائلِ الثمانيناتِ حتى نهاياتِ التسعيناتِ، ويمكنُ أنْ أعدَّهُ من الجيلِ الستينيِّ السبعينيِّ) وهادي الربيعيّ (وهوَ ستينيٌّ لأنَّ إصدارَهُ الشعريَّ الأولَ كانَ أواخرَ الستيناتِ)، وكاظم الحجاجُ (وهوَ من الستينيينَ لكنَّه إصدارَهُ الشعريَّ الأولَ كانَ في مطلعِ العقدِ السبعينيِّ)، ونبيل ياسين (وهوَ شاعرٌ سبعينيٌّ أصدرَ ديوانَهُ الأولَ سنةَ 1970م، وغادرَ العراقَ سنةَ 1980م، واستمرَّ بمشروعِهِ الشعريِّ في المنفى)، ولا أبالغُ إذا قلتُ إنَّ فاضلَ العزاويَّ وحسبَ الشيخ جعفر وسركَون بولص على ما اكتسبوهُ من حظوةٍ عندَ النقّادِ فهمْ من أولئكَ الذينَ لم يحالفْهمْ حظُّ الشُّهرةِ المناسبةِ لنتاجِهم المهمِّ، وغيرُهم كثيرٌ من المبدعينَ غيرِ المنتشرينَ وغيرِ المروَّجِ لهم في السوقِ الثقافيةِ لو قُبلَ هذا التعبيرُ.
أريدُ أنْ أقولَ إنَّ المسوِّقينَ لشعرِ عبد الوهابِ البياتيِّ رحمهُ اللهُ كانوا من المهيمنينَ بنسبةٍ جيدةٍ على إدارةِ تلكَ السوقِ، لكنِّي لا أذهبُ بكلِّ ما قلتُهُ إلى تجريدِ البياتيِّ من الشعريةِ أو التجربةِ الخاصَّةِ، فإنَّ قراءاتي المتكررةَ لكلِّ أعمالِهِ في أوقاتٍ وظروفٍ نفسيةٍ مختلفةٍ لا يمكنُ أنْ تحسمَ الأمرَ عندي، ولا يمكنُ أنْ أرضى بقراءاتي وحدَها حَكَمًا على تجربةِ هذا الشاعرِ الرائدِ، ويمكنُ أنْ ينطبقَ رأيي هذا على شعراءَ آخرينَ غيرِ البياتيِّ، قرأتُهم مِرارًا وتكرارًا ولم أصطدِ اللحظةَ الشعريةَ الفارقةَ أو الإثارةَ التي تُمثِّلُ لي دافعًا إلى الاستمرارِ أو الطمعِ في القراءةِ الأغزرِ لهذهِ التجاربِ.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي