loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

عندما يُغلق صنبور الدولار ماذا سيحدث للعراق

breakLine
2026-09-10

 

أثير الشرع |كاتب وباحث عراقي

 


ليس من السهل على العراقيين أن يتخيلوا أن يأتي يوم يصبح فيه الدولار نادراً في الأسواق العراقية، أو أن تقف الدولة أمام أزمة حقيقية في توفير العملة الصعبة، لكن ما حدث خلال الأشهر الماضية من تعليق لشحنات الدولار النقدية إلى العراق ثم إستئنافها، يجب أن يكون جرس إنذار حقيقياً لا يجوز تجاهله.
فالسؤال لم يعد إفتراضياً:
ماذا لو أغلقت الولايات المتحدة صنبور الدولار مرة أخرى؟ والسؤال الأخطر: هل يمتلك العراق البدائل الكافية لمواجهة أزمة مالية من هذا النوع؟.
الطريق إلى الدولار ليس عراقياً بالكامل، العراق دولة نفطية ويبيع معظم نفطه بالدولار، ويملك إحتياطيات مالية ضخمة، لكن طبيعة النظام المالي الدولي تجعل حركة الدولار العراقي مرتبطة بالنظام المصرفي الأميركي وبالإحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهنا يجب أن نفهم حقيقة مهمة: المسألة ليست أن الولايات المتحدة تمنح العراق أموالاً من ميزانيتها، بل إن جانباً من أموال العراق وإدارته المالية يمر عبر النظام المالي الأميركي.
وهذا ما يمنح واشنطن قدرة كبيرة على الرقابة والتأثير والضغط.
إن تعليق شحنات الدولار النقدية إلى العراق خلال عام 2026 كشف حقيقة ربما كان كثيرون يتجاهلونها: أن السيادة المالية لا تعني فقط إمتلاك المال، بل تعني القدرة على الوصول إلى المال وإستخدامه بحرية وأمان.
فما قيمة مليارات الدولارات إذا أصبحت حركة الوصول إليها أو تحويلها أو إدخالها إلى السوق العراقية خاضعة لشروط وضوابط وضغوط خارجية؟.

ماذا سيحدث إذا حدث نقص حقيقي في الدولار؟

إذا تطور الأمر من مجرد وقف شحنات نقدية إلى تشديد أوسع على تدفق الدولار والتحويلات، فإن العراق سيكون أمام سلسلة من التداعيات الاقتصادية الخطيرة.

أولها سيكون:

إرتفاع سعر الدولار..العراق بلد يعتمد بصورة كبيرة على الإستيراد.
الغذاء مستورد. 
الدواء مستورد. 
الأجهزة مستوردة.
المواد الأولية مستوردة. 
الملابس والسيارات وقطع الغيار مستوردة.
وكل هذه العمليات تحتاج إلى عملة صعبة، وعندما يقل الدولار ويزداد الطلب عليه، فإن النتيجة الطبيعية سيكون إرتفاع سعره مقابل الدينار، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
إرتفاع الدولار يعني إرتفاع الأسعار؛ ربما يعتقد البعض أن أزمة الدولار تخص التجار والمصارف فقط، وهذا غير صحيح، إن إرتفاع الدولار سيصل مباشرة إلى المواطن.
سيرتفع سعر الغذاء، الدواء، مواد البناء، أسعار السيارات، قطع الغيار وسترتفع كلفة النقل ثم تبدأ موجة تضخم جديدة والمواطن العراقي الذي يعاني أصلاً من إرتفاع تكاليف المعيشة سيجد نفسه أمام معادلة صعبة:
راتب ثابت.. وأسعار متحركة وهذه هي أخطر نتائج أي أزمة نقدية.
السوق السوداء ستعود بقوة، عندما يعجز المواطن أو التاجر عن الحصول على الدولار من القنوات الرسمية، فإن البديل سيكون السوق الموازية، وهنا يظهر المضاربون وتظهر شبكات التهريب، وتظهر تجارة العملة وتبدأ الشائعات، وفي الإقتصاد، أحياناً تكون الشائعة أخطر من القرار نفسه.
يكفي أن يعتقد الناس أن الدولار سيتوقف حتى يبدأ الجميع بشرائه، ويكفي أن يبدأ التجار بتخزين الدولار حتى يرتفع سعره، ويكفي أن يفقد السوق الثقة حتى تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة ولهذا فإن أخطر ما يحتاجه الإقتصاد العراقي ليس الدولار فقط، وإنما: الثقة.

لماذا تضغط الولايات المتحدة على الدولار العراقي؟

لا يمكن فصل الملف المالي عن الملف السياسي والأمني، فالولايات المتحدة منذ سنوات تشدد الرقابة على حركة الدولار في العراق، وتطالب بضبط التحويلات المالية ومنع وصول العملة الصعبة إلى جهات وشبكات تعتبرها واشنطن مخالفة للعقوبات أو مرتبطة بإيران وهنا يدخل العراق في منطقة شديدة الحساسية.
فبغداد تريد حماية إقتصادها وواشنطن تريد حماية نظام العقوبات والتجار يريدون الدولار والمصارف تريد الإستمرار بالتحويلات والسوق يريد الإستقرار.
لكن السؤال:
هل يستطيع العراق أن يبقى وسط هذه المعادلة إلى الأبد؟
هل يستطيع العراق الإستغناء عن الدولار؟.
الإجابة ليست بسيطة؛ نعم، يستطيع العراق أن يقلل تدريجياً من الإعتماد على الدولار ويمكنه التعامل بعملات أخرى في بعض المبادلات التجارية ويمكنه زيادة إستخدام اليورو، ويمكنه التعامل بعملات إقليمية في التجارة الثنائية، ويمكنه تطوير نظامه المصرفي، ويمكنه تقليل الإقتصاد النقدي.
لكن لا يمكن للعراق أن يقرر صباحاُ الإستغناء عن الدولار وينهي المشكلة مساءاً، فالدولار ليس مجرد عملة ورقية، إنه جزء من النظام المالي العالمي وجزء من تجارة النفط وجزء من الإستمرار وجزء من الإحتياطيات وجزء من النظام المصرفي الدولي.
ولهذا فإن الحديث عن الإستغناء عن الدولار يحتاج إلى مشروع إقتصادي حقيقي، وليس شعارات سياسية، المشكلة ليست في الدولار فقط، ربما تكون المشكلة الأعمق في بنية الإقتصاد العراقي نفسه، فالعراق يمتلك النفط، لكنه لا يمتلك إقتصاداً متنوعاً بالقدر الكافي؛ ويعتمد على الإستيراد أكثر من الإنتاج ويعتمد على النفط أكثر من الصناعة ويعتمد على الإنفاق الحكومي أكثر من القطاع الخاص ويعتمد على الدولار في تجارة واسعة.
ولهذا فإن أي أزمة في العملة الصعبة يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة في الأسواق.
العراق ليس فقيراً، لكن إقتصاده هش أمام الصدمات وهذا فرق كبير هل يمكن أن تتحول أموال العراق إلى ورقة ضغط؟هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل السياسيين العراقيين فالمال في القرن الحادي والعشرين أصبح سلاحاً والعقوبات سلاح، والمصارف سلاح والتحويلات سلاح والدولار سلاح.
ومن يعتقد أن الحروب الحديثة تخاض بالصواريخ فقط، فهو لا يقرأ العالم جيداً، فربما تستطيع دولة أن تضرب خصمها اقتصادياً قبل أن تطلق رصاصة واحدة وربما تستطيع أن تفرض عليه قرارات سياسية عبر المصارف أكثر مما تفرضها عبر الجيوش، ولهذا فإن العراق يجب أن يتعامل مع ملف الدولار بإعتباره ملفاً من ملفات الأمن القومي.

ماذا يجب أن يفعل العراق؟

أولاً:
بناء قطاع مصرفي حقيقي وشفاف وقادر على التعامل الدولي.
ثانياً:
تنويع الإحتياطيات والعملات.
ثالثاُ:
تقليل الإعتماد على النقد الورقي.
رابعاً:
ضبط التهريب المالي وغسل الأموال.
خامساً:
منع إستخدام الإقتصاد العراقي كساحة للإلتفاف على العقوبات الدولية.
سادساً:
بناء إنتاج وطني يقلل الحاجة إلى الإستيراد،
فسلامة الدينار لن تتحقق فقط بوجود الدولار بل بقوة الإقتصاد.
ربما لا يكون الخطر اليوم في توقف شحنة نقدية من الدولار وربما لا يؤدي تعليق محدود إلى إنهيار الإقتصاد، لكن الخطر الحقيقي هو أن يكتشف العراقيون يوماً أن إقتصادهم أصبح عاجزاً عن مواجهة أزمة مالية خارجية.
إن العراق يملك النفط والمال والإحتياطيات، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هو: هل يملك العراق سيادة كاملة على أدوات إقتصاده؟
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تملك مليارات في الحسابات فقط الدولة القوية هي التي تستطيع حماية عملتها وتجارتها ومصارفها وقرارها الإقتصادي.
أما أن يبقى العراق ينتظر وصول الدولار، أو يخشى توقفه، أو يترقب قرارات الآخرين بشأنه، فهذه ليست مشكلة نقدية فقط إنها مشكلة سيادة إقتصادية، وعندما يُغلق صنبور الدولار، لن يكون السؤال: كم سيرتفع سعره؟ بل سيكون السؤال الأكبر: هل أعددنا للعراق طريقاُ آخر قبل أن يصل يوم لا نجد فيه طريقاً؟.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي