loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

فرحة التأهّل ووجع الواقع

breakLine
2026-07-20


ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 


في زمنٍ تُقاسُ فيه مكانةُ الدُّولِ بعددِ مراكزِ البحوثِ والمختبراتِ لا بتأهيل فريق كرة قدم للمونديال، قرَّرت حكومتنا الموقَّرة جداً أن تُعيدَ ترتيبَ سُلَّمِ الأولويات على طريقتها الخاصَّة. فبدلاً من إصلاح الطُّرق التي تحوَّلت إلى تضاريس مناسبة لسباقات الرالي، أو بناء المستشفيات على الطراز الحديث والمعمول به في دول العالم المتحضّرة، أو حتى تغيير المناهج التعليمية… اختارت الحكومة أن تدخلَ التاريخ من أوسع أبوابه: باب كرة القدم لكي لا ينسى المواطن إنجازاتها أبد الدَّهر!
نعم، لقد تأهَّل منتخبُنا إلى كأسِ العالمِ لعام 2026، وهو إنجاز جميل بلا شك، يستحق التهنئة والتقدير، لكن يبدو أنَّ الحكومةَ فهمت كلمة "تقدير" على أنَّها "مهرجان كوني مفتوح الميزانية".
فمنح اللاعبين دوراً سكنية بتصميمٍ خاص في قلبِ العاصمةِ خطوة جريئة… خصوصاً وأنَّ المواطنَ العادي ما زال يبحث عن تصميم سقف منزلٍ لا يسرّب الماء. أما الجوازات الدبلوماسية، فهي فكرة رائعة أيضاً، إذ لم ينقص لاعبينا سوى التفاوض في الأُمم المتحدة حول خطط الهجوم والدفاع وتسجيل الأهداف. فات حكومتنا أن تمنحَ طاقم التدريب بعض الوزرات السيادية، وتنمح اللاعبين مقاعد في البرلمان! 
أما اصدار طابعٍ بريدي يُخلِّد الإنجاز فهو أمرٌ يدعو للسُّخرية… إذ لا أدري مَن سيستخدم الطوابعَ البريدية في بلدٍ لا عناوين له؟! أما الجدارية الوطنية، فهي ضرورية جداً، لأنَّنا نحتاج خلفية نلتقط أمامها الصور، لنتجاهلَ عمداً ما حولها من واقع مزري.
ثمَّ يأتي القرار العبقري بإطلاق اسم الفريق على الشوارع في جميع المدن. خطوة ستُسهّل الأمور كثيراً، فبدلاً من السؤال عن "شارع أبو الحفر"، سنقول: انعطف يساراً عند شارع "أسود الرافدين" وواصل حتى حفرة النهائيات. أو سر مائة مترٍ وستجد شارع خمسة صفر أمامك...
وإذا لم يكفِ ذلك، فلدينا مُتحف خاص، وأجنحة، وأسماء على دفعات تخرُّج الطلبة... يا لحظِّ الطلبة العاثر الذين اجتهدوا سنوات طويلة فقط ليُكتب على شهاداتِهم أنَّهم تخرّجوا في "دفعة هدف التأهيل الذهبي"!
أما الأغنية الوطنية… فهي على الأرجح ستكون الحل النهائي لكلِّ الأزمات: السيادة، القواعد العسكرية، الكهرباء والماء الصالح للشرب، الأمن الغذائي، حصة البلد من المياه، اللصوصية، الإرهاب، أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم وجميع أنواع السرطانات...
وبالطبع، لا تكتمل الفرحة دون عطلة رسمية ممتدَّة إلى ما شاء الله، لأنَّ أفضل طريقة لمواجهة التحديات الاقتصادية هي التوقُّف عن العمل تماماً! يبدو أنَّ الفكرة أصبحت واضحة الآن: بناء فريقٍ كرة قدم أسهل بكثير من بناء دولة مؤسسات تتمتَّع باقتصاد متين!
المفارقة أنَّ حماسةَ حكومتِنا للاعبٍ سجَّلَ هدفاً في مرمى فريق آخر، لا تشبه الحماسة ذاتها لتخليد من دفعوا أثماناً حقيقية من أجلِ الدفاع عن هذا الوطن، ومن أجلِ أنْ يجلسَ رئيس الوزراء في كرسي الحكم. حكومتُنا الرشيدة لم تذكر أسماء الشهداء الذين قدَّموا دماءهم من أجل الدِّفاع عن البلد، ولم توعز ببناء نصب، أو تمثال يُخلِّدهم! نحن اليوم نعيش في عالمٍ يشتعل بالأزمات والحروب، وفي بلدٍ ما زال يبحث عن توازنٍ بين الأساسيات والكماليات!
خسر الفريق في أول مباراة في المونديال، وخسر بقية المباراة بكلّ استحقاق، وخرج من المنافسة سريعاً، لكن لا بأس… سيبقى لدينا الجدارية، والطابع البريدي، والأغنية، وربما شارعان إضافيان.
يبدو أنَّ الحكومةَ تؤمنُ بأنَّ بناء منتخبٍ بائس لا يجيد اللعب ولا القدرة على المنافسة أهمُّ من بناء اقتصاد قوي. وربما في المستقبل، عندما تتآكل الطرق، وتغرق المدن، وتثقل الأسئلة، سنجد عزاءنا في حقيقةٍ واحدة:
أنَّنا تأهَّلنا لكأس العالم… وهذا هو المهم، أليس كذلك؟

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي