loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قبل الولادة: الكتابة للحياة تأملات في قصيدة (قبل أن يستيقظ البحر) للشاعر حسين السياب

breakLine
2026-07-12

 

ناظم ناصر القريشي  |ناقد عراقي

 

زمن الإمكان
ثمة فرق دقيق بين أن يكتب الشاعر عن الحياة، وأن يكتب للحياة؛ فالأولى تقف عند حدود الرصد، والثانية تشارك في إنبات الحياة. وتنتمي هذه القصيدة إلى النمط الثاني؛ إذ تستدعي البحر من غيابه وتستبق ولادة ضوء الموج قبل انبثاقه. الكتابة هنا تتجاوز تسجيل العالم إلى تهيئة شروط ظهوره، مضيفةً إلى الوجود احتمالاً بكراً. الكلمات هنا بذور تُلقى في أرض الإمكان، متجاوزةً وظيفة الأوصاف التقريرية لما وقع بالفعل.
لا تبدأ القصيدة حيث يظن الشعراء. ولا حيث يتوقع القارئ. تبدأ قبل. قبل أن يستيقظ البحر. قبل أن يشهد الموج نفسه. تلك لحظة الطفولة الكونية التي تُخلق فيها الأشياء بأيدٍ غير مرئية. الغياب هنا مادة أولى، وجدار الغياب هو الفضاء المهيأ للخلق. يرسم الشاعر ضوء الموج في طور إمكانه، قبل دخوله زمن الظهور، ليصبح الموج، في أفق هذه القراءة، أشبه بكائن أول يعمل في عتمة الخليقة. لا تدّعي هذه القراءة استنفاد دلالات النص، إنما تفتح مساراً من مساراته الممكنة.
"قبل أن يستيقظ البحر/ كنتُ أرسمُ ضوءَ الموج على جدار الغياب"

رئة الريح
في تركيب مدهش، يمنح النص الريح رئة؛ وكأن الصوت يدفن نفسه في الهواء ليولد من جديد. الزرع في العضو المستحيل يفضي إلى صوت خفي، يتسرب عبر تشظي الريح ذاتها، ليصبح هجيناً بشرياً وريحياً في آن. تختبر القصيدة إمكان المعنى حين تضعه في أعضاء لم تُخلق له.
"أزرعُ صوتي في رئةِ الريح"
تقديم البؤرة: حين يصير الملح محوراً
تتحول حبات الملح في لقطة سينمائية إلى قنديل يتوهج بلمسة يد القصيدة. ونتأمل التركيب: "حبات الملح هي التي تلمسها يد القصيدة". الملح هنا ليس موضوعاً للوصف، بل محوراً للتخييل؛ إذ يمنحه النص بؤرة الصورة بتقديمه في التركيب. وكأن الملح هو الذي يستبق الحدث، والقصيدة تستجيب له.
"وأخبّئُ حُلمي/ بين حَبّاتِ ملحٍ / تتوهّج كلّما لامستها يدُ القصيدة"

وجهٌ يمطر هوية
يظهر "آخر العابرين" بوجهٍ يحمل غيمةً، وملامح سائلة تتقلب بين التكثف والتبخر. الغيمة تحمل مطراً، لكن الوجه يحمل غيمة، فتنعكس علاقة الحامل والمحمول. ومن هذا الانعكاس يتولد تضاعف مجازي: الوجه وعاء للسحاب، والسحاب وعاء للمطر. "أعبر" لا تحتاج مفعولاً به، فالعبور ذاتي، من هوية إلى لا هوية. و"ضفة لا اسم لها" ليست وطناً بديلاً، بل ضفة لا يمنحها الاسم حدوداً، حيث يبدأ الاسم بالتلاشي. وهكذا يغدو العبور انتقالاً وجودياً لا مكانياً، يمنح النص هذا العابر قوة الوجود خارج التسميات الجاهزة.
"كأنني آخرُ العابرين/ في زقاقٍ من طينٍ/ أحمل وجهي غيمةً/ وأعبرُ نحو ضفّةٍ لا اسمَ لها"

الموسيقى التي تسبق استيقاظ البحر
قبل أن يشرق الضوء، تلوح الموسيقى أولاً. فالنص، وإن لم يذكر لحناً بعينه، يترك في أفق القراءة إيقاعاً يتشكل بصمت، كأنه يسبق انفتاح البحر على النهار. تبدأ همساً خافتاً يشبه تنفس الريح أو ارتعاش الماء الأول، ثم تتسع تدريجياً مع تتابع الصور، حتى تغدو القصيدة أشبه بمقطوعة تتدرج من السكون إلى الانبثاق. إنها ليست موسيقى خارجية تصاحب النص، بل إيقاع داخلي يولد من حركة الألفاظ نفسها، ومن انتقالها بين الغياب والضوء، وبين الحلم والاستيقاظ. وإذا كانت الموسيقى تنبع من حركة الصور والإيقاع الداخلي، فإن تجاور الأصوات الحلقية وحروف المد يمنح النص جسده الصوتي، فيغدو الماء مسموعاً قبل أن يُرى. وهي، بطبيعة الحال، قراءة جمالية ممكنة لا تدّعي احتكار تأويل النص.

التشكيل قبل الضوء
ولا تقل الصورة البصرية أهمية عن الصورة السمعية. فالقصيدة تُقرأ أيضاً بوصفها لوحة تشكيلية لم يكتمل طلاؤها بعد. الفجر هنا لا ينفجر دفعة واحدة، بل يتدرج من عتمة زرقاء إلى خيوط رمادية، ثم إلى بنفسج يوشك أن يلامس الذهب. وجدار الغياب يمتد كسطح ينتظر أول ضربة فرشاة، فيما تتحول الريح إلى خطوط شفافة، والموج إلى انحناءات لونية تتشكل قبل اكتمال الضوء. وكأن الشاعر لا يكتب قصيدة فحسب، بل يرسم لحظة ولادة العالم ويصوغ إيقاعها الداخلي في آن؛ لتصبح القصيدة كائناً لا يُرى أو يُسمع بالحواس وحدها، إنما يُدرك بذاكرة تستعيد ولادة الضوء من رحم الغياب.

استيقاظ وحلم في آن
تنهض الروح من رمادها، وتستيقظ البلاد مع بحرٍ لم يزل يحلم. كيف يستيقظ البحر ويحلم في آن؟ يفتح النص هذا السؤال دون أن يجيب، مقترحاً زمناً ربما كان دائرياً: يبدأ بـ "قبل أن يستيقظ"، وينتهي بـ "لم يزل يحلم". البحر يتنقل بين نوم عميق في البداية ونوم مثقل بالأحلام في النهاية. ولعل من الممكن قراءة منطق النص على أنه يقول: "البحر يستيقظ كي يحلم أنه لا يزال نائماً". الزمن هنا حلقة، لكنها ليست مغلقة تماماً، إذ تتحول البداية إلى صورة أخرى في النهاية.
"تنهضُ روحي من رمادها/ وتستيقظُ البلادُ مع البحرِ/ الذي لم يزل يَحلُمُ"

ميثولوجيا الأشياء الصغرى
يخلق النص ميثولوجيا خاصة للأشياء الصغرى؛ فالغياب جدارٌ للضوء، والريح رئة، والملح وعاءٌ للحلم. يرفع النصُ اليوميَ من وظيفته الاستعمالية إلى وظيفته الكونية، فيغدو كل عنصرٍ نواةً لمعنىً يتجاوزه، محتفظاً بحقيقته الحسية الأولى.

يقظة القارئ وسر البقاء
يوقظ النص قارئه بوصفه شريكاً في فعل الخلق، فلا تبقى القصيدة موضوعاً للقراءة، بل تجربة يُعاد فيها تكوين الحس والخيال. فلا يخرج المتلقي منها محملاً بمعنى نهائي، بل بقدرة جديدة على رؤية الأشياء في لحظة إمكانها الأولى.
ولعل سر بقائها يكمن في أنها تمتلك مفارقة لا تتوقف عند الإدهاش، بل تولد حركة المعنى داخلها. "قبل أن يستيقظ" تقابل "لم يزل يحلم"، و"جدار الغياب" يقابل "ضوء الموج". هذه التناقضات لا تُحل، بل تُعاش. لذلك، لا تسأل النص عن مقصده، بل اسأله عن الموج الذي لا يزال يحلم في داخله. ربما لن يجيبك، لكنه سيرسم لك ضوءه على جدار الغياب، فالقصائد التي تظل مفتوحة على التأويل لا تعيش بأجوبتها، بل بالأسئلة التي تواصل إيقاظها.

القصيدة:

قبل أن يستيقظ البحر
كنتُ أرسمُ ضوءَ الموج على جدار الغياب..
أزرعُ صوتي في رئةِ الريح
وأخبّئُ حُلمي
بين حَبّاتِ ملحٍ
تتوهّج كلّما لامستها يدُ القصيدة
كأنني آخرُ العابرين
في زقاقٍ من طينٍ
أحمل وجهي غيمةً
وأعبرُ نحو ضفّةٍ لا اسمَ لها..
هناك فقط
تنهضُ روحي من رمادها
وتستيقظُ البلادُ مع البحرِ
الذي لم يزل يَحلُمُ

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي