مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء العلاف
كاتب وباحث | عراقي
الرواية، في جوهرها، رثاءٌ للعراق ولأحلام العراقيين التي أنهكتها الحروب والدمار، وما خلّفته الصراعات الدولية والإقليمية من آثار عميقة، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، تحكي الرواية قصة شاب عراقي يُدعى جواد، يحلم بأن يصبح فنانًا وأن يحقق طموحه، لكنه يجد نفسه مضطرًا إلى العودة إلى مهنة أبيه في غسل الموتى، ومن خلال شخصية جواد الحالمة والمأزومة، يرسم الروائي سنان أنطون صورةً لبلد أنهكته الحروب، وامتد الخراب فيه إلى مختلف مفاصل الحياة، وجواد ليس وحده من يعيش هذه المعاناة؛ فقصته تختصر معاناة كثير من العراقيين الذين وجدوا أنفسهم أمام أزمات قاسية وصدمات غيّرت مسار حياتهم وأثّرت في أحلامهم وطموحاتهم ومستقبلهم، كانت بغداد يومًا مدينةً مدنيةً نابضةً بالحياة، وقبلةً للثقافة والفن والعالم، فعندما كانت السياحة تُذكر، أو حين يُذكر العراق وبغداد، كانت المخيلة تستحضر تلك المدينة الحالمة والفاتنة، مدينة ألف ليلة وليلة، التي كانت تضاهي أجمل مدن العالم، وكان شارع الرشيد، في سبعينات القرن الماضي، يُوصف بجماله الذي يقترب من جمال الشوارع الإيطالية، فيما عُرفت بغداد، في أواخر العهد الملكي، بلقب «باريس الشرق». كانت مدينة تجمع بين الحداثة والتراث، وتمنح أهلها وزائريها شعورًا بالجمال والأمان والحياة، أما اليوم، فقد تبدلت ملامح المدينة تحت وطأة الحروب والأزمات المتعاقبة وهذه الأحداث، بما حملته من دمار وانقسامات وآثار اجتماعية واقتصادية وثقافية، لم تكن، في نظر كثير من العراقيين، مجرد أحداث عابرة أو منفصلة عن سياقها، بل ارتبطت بسياسات وصراعات دولية وإقليمية تركت آثارًا عميقة في العراق، ولا تزال تداعياتها حاضرة إلى اليوم، لقد دُمّر الكثير من مقومات الحياة في العراق وتبدلت ملامح المجتمع وتراجعت مساحات الحياة المدنية أمام تصاعد النزعات القبلية والعصبيات الاجتماعية، حتى أصبح الانتماء العشائري حاضرًا بقوة في كثير من مفاصل الحياة تستعرض الرواية جانبًا من الأزمات والمراحل الصعبة التي مر بها العراق وبغداد، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتجاوز أحداث الرواية وشخصياتها: لماذا وصلنا إلى هذا القدر من الدمار والخراب؟ ولماذا امتد التراجع إلى مختلف مفاصل الحياة؟ إن ما دُمّر في العراق لا يُقاس بالحجر والبناء وحدهما؛ فقد دُمّرت أحلام وتراجعت طموحات وتبدلت ملامح الحياة، وأصبح العراقي يواجه كل يوم شعورًا بفقدان شيء من الجمال والذائقة والروح التي كانت تميز مدنه، ولعل أكثر ما يؤلم هو ذلك الموت البطيء للجمال والطبيعة، وموت الذائقة التي كانت ترى في دجلة والفرات أكثر من مجرد نهرين، وفي بغداد أكثر من مجرد مدينة، كانت بغداد ذاكرةً وروحًا وحكايةً تمتد عبر الأجيال. كانت هناك بغداد أخرى؛ بغداد التي تغنّى بها الشعراء وكتب عنها الرحالة وحلم بها القادمون إليها، أما بغداد اليوم، فهي مدينة تحمل على كتفيها إرثًا ثقيلًا من الحروب والأزمات، وتحاول، رغم كل شيء، أن تستعيد شيئًا من روحها القديمة، ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع هذه المدينة أن تستعيد يومًا جمالها وذاكرتها وروحها؟ وهل يستطيع العراق أن ينهض من بين هذا الركام، وأن يمنح أبناءه حياةً تليق بتاريخ بلد كان يومًا منارةً للحضارة والثقافة والجمال؟ لعل رواية سنان أنطون لا تقدم إجابةً مباشرة عن هذه الأسئلة، بقدر ما تضعنا أمام جرحٍ عراقي مفتوح، وتدعونا إلى التأمل في وطنٍ لم تقتصر خسارته على ما تهدّم من مدنٍ وبيوت، بل امتدت إلى الأحلام والذاكرة والإنسان نفسه.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي