مقالات ادبية واجتماعية وفنية
رياض عبدالواحد السعد |ناقد عراقي
مدخل نظري: النص بوصفه جهازاً لتفكيك المعنى:
لا يقدّم نص (أعود) خطاباً شعورياً عن العودة بیديد انه يشتغل بوصفه جهازاً لغوياً يعيد تفكيك مفهوم العودة نفسه. فالحداثة في هذا النص لا تكمن في الصور بل في زعزعة العلاقة بين الدال والمدلول إذ تفقد الكلمات استقرارها المرجعي وتتحول إلى علامات متحركة تنتج معناها داخل التوتر لا داخل التحديد.
من هنا، لا يمكن قراءة النص بوصفه تعبيراً عن تجربة نفسية لكن بوصفه بنية لغوية تعمل على تفكيك مركز الذات وإعادة توزيع المعنى داخل شبكة من الانزياحات.
تفكك فعل العودة وبداية الانهيار الدلالي:
يفتتح النص بالفعل:
(أعودُ...)
هذا الفعل، في بنيته اللغوية، يفترض وجود ثلاثة عناصر: ذات عائدة، وجهة، ونقطة انطلاق. غير أن النص منذ السطر الأول يعطل هذه البنية، إذ لا يحدد لا الوجهة ولا الأصل غیر انه يفتح الفعل على فراغ دلالي.
سرعان ما يتم تفكيك هذا الفعل عبر الصورة التالية:
(وفي عيني جرح مكابرٍ
وبسمة مهزومٍ ورجع كمانِ!)
هنا يحدث انتقال من (فعل العودة) إلى (حالة ما بعد العودة) ، لكن من دون أن تكون هناك عودة مكتملة فی الاصل . هذا ما يجعل الجملة الأولى تعمل بوصفها وهم بداية لا بداية فعلية.
يشير لجرح المكابر إلى أن الألم لم يعد عرضاً عابراً لكنه بنية مقاومة، أي أن الجرح أصبح فاعلاً داخل الذات. أما (البسمة المهزومة) فهي علامة انقلاب وظيفي، إذ تتحول البسمة من رمز فرح إلى رمز فشل الفرح نفسه. و(رجع الكمان) يحوّل الموسيقى إلى أثر فقد بحيث لا يعود الصوت إنتاجاً جمالياً بل صدىً لغياب سابق.
بهذا، تتفكك العودة منذ بدايتها وتتحول إلى حركة داخل الانكسار لا خارجه.
انهيار الثنائيات وبنية الالتباس الداخلي:
(وبي نارٌ تعانق جمرها
ونهرُ حياءٍ فيَّ يلتقيانِ!)
تقوم البنية التقليدية للغة الشعرية على الثنائيات: نار/ماء، احتراق/صفاء، اندفاع/هدوء، لكن النص هنا لا يعيد إنتاج هذه الثنائيات، بل يفككها عبر دمجها داخل الذات نفسها.
النار لا تأتي كعنصر خارجي بل كحالة داخلية (تعانق جمرها)، أي أنها لا تشتعل مرة واحدة غیر انها تعيد إنتاج اشتعالها ذاتياً، وكأن الذات أصبحت مصدر احتراقها المستمر.
وفي المقابل، لا يحتفظ النهر بدلالته الطبيعية بل يتحول إلى (حياء)، أي إلى قيمة نفسية. وهنا تُنقل العناصر من الطبيعة إلى الداخل النفسي مما يؤدي إلى انهيار الفصل بين الخارجي والداخلي.
النتيجة ليست توازناً بين النقيضين، بل حالة ثالثة: ذات مركّبة غير قابلة للتحديد داخل نظام الثنائيات التقليدي.
الحبل بوصفه صورة الحدّ الوجودي:
(على حبل صبره)
الحبل في هذا السياق ليس مجرد استعارة للتوازن لكنه إعادة تعريف لمفهوم الاستقرار نفسه. فالمشي على الحبل يفترض هشاشة الأرض وغياب الضمان لكن الأخطر أن هذا الحبل ليس خارج الذات بل هو (الصبر) نفسه.
هذا التحويل مهم جداً في القراءة الحداثية لأنه ينقل الصبر من كونه قيمة ثابتة إلى كونه فضاءً خطراً للحركة. وهكذا تصبح الذات غير قادرة على التمييز بين ما يحميها وما يهددها لأن عنصر الحماية نفسه هو عنصر تهديد.
إننا أمام لحظة انزياح سيميائي تجعل المفاهيم الأخلاقية تتحول إلى فضاءات مادية قابلة للسقوط.
الحلم بوصفه تعطيل آلية الصعود:
(وَبِي خَجَلٌ أَنْ أَرفعَ الحُلْمَ شاهقًا
وقلبيَ لا يَقوى على الطَيَرَانِ)
في الخطاب الحداثي، الحلم عادة يمثل أفقاً للانفتاح والتجاوز لكن النص هنا يعيد تفكيك هذا الدور بالكامل.
الخجل من رفع الحلم يعني أن الحلم فقد طبيعته البرئية، وأصبح عبئاً أخلاقياً، وكأن الذات لم تعد قادرة على تبني رغباتها العليا دون شعور بالانكسار.
ثم تأتي جملة (قلبي لا يقوى على الطيران) لتكشف تعطّل الجهاز الداخلي للحركة، إذ لا يعود القلب مركز دفع، بل عضو فقد طاقته الرمزية.
بهذا لا يصبح الحلم مشروع صعود لكنه علامة على فشل الصعود نفسه.
انهيار الزمن وانقسام الذات:
(وقفتُ بلا حلمٍ يُرمِّم أضلُعي
سأقنعني:
ليس الزمانُ زماني!)
هنا تبلغ البنية التفكيكية ذروتها. فغياب الحلم يعني غياب آلية الترميم الداخلي، أي انهيار البنية التي تعيد إنتاج تماسك الذات.
أما عبارة (سأقنعني) فهي لحظة انقسام داخلي واضحة، إذ تتحول الذات إلى طرفين: ذات ناطقة وذات متلقية. هذا الانقسام ليس شكلياً بل هو دليل على انهيار الوحدة النفسية للخطاب.
ثم تأتي الجملة الأخيرة لتعلن القطيعة مع الزمن. فالزمن لم يعد إطاراً للانتماء غير انه قوة خارجية لا تتقاطع مع الذات. وبهذا تتحول الذات إلى كيان خارج الزمن، لا لأنه متعالٍ، بل لأنه غير قادر على الاندماج فيه.
الخاتمة:
النص بوصفه تفكيكاً للمرجع لا وصفاً له: لا يقدّم نص (أعودُ) تجربة شعورية عن العودة بل يقدّم تفكيكاً لمفهوم العودة نفسه. فكل عنصر في النص (العودة، الجرح، الحلم، الزمن) لا يعمل بوصفه دالاً مستقراً، بل بوصفه علامة تتغير وظيفتها داخل السياق.
وهكذا يتحول النص إلى بنية حداثية تقوم على: تفكك الفعل منذ لحظته الأولى، انهيار الثنائيات، انزياح الوظائف الرمزية، وانقسام الذات داخل خطابها.
النتيجة النهائية ليست (عودة فاشلة) بل إلغاء إمكانية العودة بوصفها فكرة أصلية، وتحويل الذات إلى أثر لغوي يعيش داخل اهتزازه المستمر.
القصيدة:
أَعُوْدُ...
وَفي عَيْنَيَّ جُرْحُ مُكابِرٍ
وَبَسْمَةُ مَهْزومٍ ورَجْعُ كَمَانِ!
أَعودُ...
وَبِي نَارٌ تَعَانَقَ جَمْرُها
وَنَهْرَا حَيَاءٍ فِيَّ يَلْتَقِيَانِ!
وَبِيْ حَيْرَةُ المَاشِي
على حَبْلِ صَبرِهِ
وقدْ عُدْتُ مَقتولاً بغيرِ طِعَانِ!
وَبِيْ خَجَلٌ أَنْ أَرفعَ الحُلْمَ شاهقًا
وقلبيَ لا يَقوى على الطَيَرَانِ
وقفتُ بلا حُلْمٍ يُرمِّـمُ أَضلُعي
سَأُقْنِعُني:
ليسَ الزَّمَانُ زَمَاني!

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي