مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي
هناك روايات تقرأ من أجل الحكاية، وأخرى تقرأ لأنها تترك أثراً طويلاً في القارئ بعد أن يطوي صفحاتها. تنتمي رواية (مدن الحليب والثلج) للكاتبة السورية جليلة السيد إلى النوع الثاني، فهي لا تعتمد على الإثارة أو الحبكة المتسارعة بقدر اعتمادها على بناء تجربة إنسانية مؤلمة، تستند إلى أسئلة لا تملك إجابات سهلة، أهمها: هل يكفي القانون وحده لتحقيق العدالة؟ وهل تستطيع الأمومة أن تصمد عندما تتحول إلى قضية تُناقش داخل أروقة المؤسسات؟
تبدأ الرواية من حدث يبدو فردياً، لكنه يتسع تدريجياً ليصبح مرآة لمعاناة آلاف الأسر المهاجرة التي تجد نفسها بين ثقافتين مختلفتين، لكل منهما فهمه الخاص للأسرة والتربية وحقوق الطفل. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الرواية، فهي لا تقدم الشرق باعتباره فضاءاً مثالياً، ولا الغرب بأعتباره نموذج مطلق للعدالة، بل تضع القارئ أمام منطقة رمادية، حيث تصبح الحقيقة أكثر تعقيداً من أي حكم مسبق.
ما يلفت الانتباه في الرواية هو أن جليلة السيد لا تحاول استدرار تعاطف القارئ عبر المبالغة في المآسي، وإنما تترك الأحداث تتحدث بنفسها. فالألم في الرواية لا يأتي من الوصف المباشر، بل من التفاصيل الصغيرة التي تعكس هشاشة الإنسان عندما يجد نفسه وحيداً أمام منظومة قانونية لا تعرف سوى النصوص، بينما يعيش هو عالماً من المشاعر والذكريات والخسارات.
وتنجح الكاتبة في رسم شخصياتها بقدر كبير من الصدق. فالشخصيات ليست خير مطلق أو شر مطلق، بل تحمل تناقضاتها الإنسانية، ولهذا تبدو قريبة من الواقع. حتى الشخصيات التي تمثل سلطة القانون لا تظهر بصورة نمطية، وإنما بوصفها جزء من منظومة تؤمن بأنها تؤدي واجبها، وهو ما يجعل الصراع أكثر إقناعاً، لأن المواجهة ليست بين ظالم ومظلوم بقدر ما هي بين رؤيتين مختلفتين للعدالة.
أما اللغة، فهي من أبرز عناصر الرواية. فقد اختارت جليلة السيد لغة هادئة ومتماسكة، بعيدة عن الزخرفة اللفظية، لكنها في الوقت نفسه مشبعة بالإحساس. هذه البساطة منحت النص صدقه، وجعلت المشاهد المؤثرة تصل إلى القارئ دون حاجة إلى المبالغة أو الخطابة. كما أن الحوار جاء طبيعياً ومنسجماً مع طبيعة الشخصيات، وهو ما عزز واقعية السرد.
ويحمل عنوان الرواية (مدن الحليب والثلج) دلالة رمزية لافتة، فالحليب يستدعي صورة الأمومة والدفء والحياة، بينما يوحي الثلج بالبرودة والاغتراب والمسافة العاطفية. وبين هذين الرمزين تتحرك الرواية بأكملها، وكأنها تقول إن الإنسان قد يجد الأمن والاستقرار، لكنه قد يفقد في المقابل شيئاً من دفء العلاقات الإنسانية.
ورغم ما تمتلكه الرواية من قوة سردية، إلا أن بعض المقاطع تميل إلى الإطالة في التأملات الداخلية، الأمر الذي يبطئ الإيقاع في بعض الفصول. غير أن هذا البطء يبدو مقصوداً في كثير من الأحيان، لأنه ينسجم مع الحالة النفسية للشخصيات، ويمنح القارئ فرصة للدخول إلى أعماقها بدل الاكتفاء بمتابعة الأحداث.
إن (مدن الحليب والثلج) لا يمكن التعامل معها بوصفها رواية عن الهجرة أو الأمومة فقط، بل هي رواية عن الإنسان عندما يجد نفسه بين عالمين، لا يستطيع العودة إلى الأول، ولا ينجح تماماً في الانتماء إلى الثاني. وهي بذلك تطرح سؤالاً يتجاوز حدود الرواية نفسها: ماذا يبقى للإنسان عندما تصبح حياته محكومة بالقوانين أكثر من العلاقات الإنسانية؟
لقد استطاعت جليلة السيد أن تكتب رواية تمس القارئ لأنها تنطلق من تجربة إنسانية صادقة، ولأنها لا تسعى إلى تقديم أحكام نهائية، بل تدعو إلى التفكير. وهذه ربما هي أهم وظيفة للأدب الحقيقي، أن يفتح باب الأسئلة، لا أن يغلقه بالإجابات الجاهزة.

.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي