مقالات ادبية واجتماعية وفنية
كاتب فاضل علي/ كاتب كردي
تبدأ رواية هيوا قادر بمواجهة القارئ مباشرة لموضوعي الغربة والهجرة. السؤال الجوهري الذي يطرحه الكاتب منذ البداية هو: لماذا يبدو الفضاء المديني في النص غامضًا إلى هذا الحد؟ هذه الغموضية ليست عشوائية، بل تمهّد للكشف التدريجي عن مضمون الرواية وشخصياتها، وتسهّل على القارئ التواصل معها وفهم دوافعها.
المدينة التي يعيش فيها بطل الرواية غير محددة جغرافيًا، وتظهر كفضاء مديني مألوف فيه مقاهٍ وبيوت ومترو، لكن الغرابة تكمن في تفاصيلها الصغيرة؛ على سبيل المثال، القطط الضالة تُنقل مباشرة إلى "بيت القطط"، وهو ملجأ للقطط المصابة أو المهملة. هذا المكان لا يضم أي عنصر من العشوائية: جميع القطط موجودة فيه، ما يمنح القارئ شعورًا بالتركيز على عالم مصغّر داخل المدينة.
الفصول قصيرة وسريعة، ويبدو واضحًا أن الكاتب يمتلك معرفة دقيقة بسلالات القطط وسلوكياتها. يبدأ كل فصل باقتباس لفنان عن القطط، ويقترب السرد أحيانًا من المقارنة بين سلوكيات القطط والبشر، أو يغوص في أجواء حلمية، ليُشعر القارئ بالتشابه العجيب بين الإنسان وهذه المخلوقات.
تبلغ الحبكة ذروتها عندما يدخل البطل، يوسف محمد – مهاجر كردي من السليمانية – في مشاجرة مع مهاجر تركي، فيُحكم عليه بالسجن شهرًا. غير أن الحكم يُستبدل بالعمل في "بيت القطط"، حيث يبدأ يوسف في رعاية القطط، وتظهر أمامه "الحياة الحقيقية": الحب والخيانة والكذب وحتى العداء. يدخل يوسف "بيت القطط" وكأنه يولد من جديد.
يستخدم الكاتب الاستعارات بحرفية دون إفراط في الشرح، ما يمنح النص اتساعًا في طرح القضايا. المدينة الباردة بقوانينها الغريبة ومظاهرها غير المألوفة (مقارنة بمدن الشرق الأوسط) تظهر متعمدةً بشكل مبهم، ما يجعل القارئ يتساءل: لماذا لم تُعرض مواقف كثيرة للشخصيات في 270 صفحة؟ ولماذا لم يحدد الكاتب موقع المدينة؟
يمكن اعتبار "بيت القطط" مدينة مصغرة، فيما الخارج يمثل الحدود والمعابر. أما الراوي، فغالبًا ما يبقى غامضًا: دوافع هجرته، علاقته بوطنه، وظروفه الشخصية، تُترك أحيانًا دون إجابة واضحة، مما يضيف بعدًا تأمليًا للنص.
في هذا السياق، يصبح "بيت القطط" استعارة لمعسكرات اللاجئين. كما يشير الفيلسوف الصيني تشوانغ تسي: القطط بشر مهاجرون في معسكرات. الشخصيات في الرواية، سواء كانت بشرًا أم قططًا، تتجمع حول حياة المهاجرين، ما يجعل "بيت القطط" محور الحياة بأكملها في النص.
ختامًا، يمكن القول إن القطط أقرب الكائنات إلى البشر. كما يقول هيوا قادر: إذا جاءك كلب ليعانقك، فهو يشكرك، أما إذا فعلها قطّ، فذلك فقط ليدفئ نفسه. الإنسان والقط، كلاهما محتاج، لكن ليس للآخر، بل لنفسه، وهذا ما يجعل الرواية متفردة في تصوير العلاقة بين الغربة والحنين والحياة اليومية.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي