مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د.سعد سرحت/
باحث لغوي عراقي
تحتمل مادة خطب _بحسب ابن فارس_ أصلين: أحدهما الكلام بين الاثنين، والآخر اختلاف لونين. ما يلفت النَّظر عند تأثيل الكلمة هو الأصل الثاني(اختلاف لونين) واجتماعهما في حيِّز واحد، فلعلّ هذا الأصل، نظرًا لحسيّته، قابل لأن يكون أساس المادة الأول لمفهوم الخطاب، إذ يَرِدُ في هذا الأصل: الأخْطَب الذي هو الحمار الذكر، والخَطْبَاء وهي الأتان(أنثى الحمار) التي لها خطّ أسود على متنها. وقد يراد بالأخطب طائرًا، لِما عليه من اختلاف لونين. ويَرِد الخُطْبَان وهو الحنظل إذا اختلفتْ ألوانُه.
ما يثيرنا في هذا الأصل هو اجتماع لونين على اختلافهما في شيء أو حيّزٍ واحد، وليس هذا الأصل بعيدًا عن مفهوم الكلام، لأنّ مبنى الكلام هو اجتماع أصوات متمايزة وألفاظ مختلفة، باجتماعها في حيّز واحد تنشأ تراكيب دالة. ومن ثمّ، فإنّنا إذا لجأنا إلى التحري عن أصل المادة الأول، فلا نستبعد أن يكون الخطاب نابعًا من هذا الأصل، أيْ أنّه كان ذا دلالة حسيّة قبل أن يتَّجه إلى ذوات الدلالة المعنوية.
أمّا في الأصل الأول، فيَرِدُ خَطَبَ وخَاطَبَ وهما من الكلام والقول. والخُطبة: الكلام المخطوب به. ومن هذا الأصل ترد الخِطْبة في النكاح وطلب الزواج، قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٥] وهو من قولهم: اختطب القوم فلانًا، إذا دعوه إلى تزوّج صاحبتهم, والزواج إنْ هو إلَّا اجتماع نفسين, والخطبة محاولة للجمع بينهما كما يجتمع لونانِ على اختلافهما.
ويرِدُ أيضًا الخَطْب، وهو الشأن والحال ووقوع أمر، فيقال: ما خطبُك؟ .أي ما شأنك؟. وقولهم: جلَّ الخطب. إذا عظُم الأمرُ والشأن، سمّي بذلك لما يقع فيه من التخاطب والمراجعة والتَّخاطر, قال تعالى:﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر:٥٧]. وما يقع في الخاطر فهو يخطر البال, فلا يعدو أن يُحدث تنويعًا وتلوينًا في النفس بعد أنْ كانت صافية لا يشوبها شيء.
وممّا يرد في هذا الأصل ،أيضًا، المَخْطَبة والمُخاطَبَة, يراد بهما المشاورة, وقد يراد بالخطاب مراجعة الكلام. وهذا المعنى يستدعي أيضًا الأصل الحسِّيَّ ,فالمشاورة هي إخطار المتشاورينِ أنفسَهما بما يضمرانِ فتمتزج رؤاهما كامتزاج اللونين ببعضهما بعضًا.
نستخلص ممّا تقدّم أنّ الدلالات الوضعية المستمدة من مادة خطب انطلقت من حيّز الحسيَّات صوب المعنويات، فأخذتْ تدور حول الكلام، والدعوة، وعِظم الحال، والمشاورة...
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي