مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ياسين موسى /كاتب عراقي
لم يعد ما يجري في إيران ولا ما يتسارع في فنزويلا، أحداثًا معزولة يمكن قراءتها ضمن حدودها الوطنية الضيقة. نحن أمام مشهد دولي متشابك، تتقاطع فيه أزمات أنظمة أنهكتها العقوبات، وأثقلها الفشل الداخلي، فحاولت الاحتماء بتحالفات خارجية بدل معالجة جذور أزماتها. من طهران إلى كراكاس، يتكرر السؤال ذاته بصيغ مختلفة: إلى أي مدى يمكن للسلطة أن تصمد حين تفقد قدرتها على إقناع مجتمعها، وحين يصبح الخارج بديلاً عن الداخل في صناعة الشرعية؟
هذا المقال لا ينطلق من موقف أيديولوجي، ولا من خصومة سياسية، بل من قراءة واقعية لما تفرضه التحولات المتسارعة في الإقليم والعالم، وما تعنيه هذه التحولات لدول الجوار، وفي مقدمتها العراق، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب ارتدادات صراعات لم يخترها، لكنه مضطر لفهمها والاستعداد لنتائجها.
مع اتساع رقعة الاضطراب في إيران، لا يمكن فصل ما يجري هناك عن سياق دولي أوسع، تتقاطع فيه أزمات أنظمة معزولة أو شبه معزولة، تحاول الصمود عبر التحالف فيما بينها في مواجهة نظام دولي ضاغط. هنا تبرز فنزويلا بوصفها نموذجًا موازيًا، وإن اختلفت الجغرافيا وتشابهت المعضلات.
الأحداث المتسارعة في فنزويلا، ولا سيّما اعتقال نيكولاس دي أورو وزوجته بعد عودتهما في ظرف سياسي حساس، تعكس حالة ارتباك داخل النظام الفنزويلي، وتكشف عن صراع مكتوم داخل مراكز القرار نفسها. هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحركات الاستراتيجية الأخيرة التي جمعت فنزويلا بمحور الصين وروسيا وإيران، في محاولة لإعادة التموضع دوليًا وكسر طوق العزلة الاقتصادية والسياسية.
فنزويلا، مثل إيران، تعاني من أزمة شرعية داخلية، وانهيار اقتصادي عميق، وتآكل الثقة الشعبية. ومع تصاعد الضغوط الغربية، لجأت إلى الارتماء أكثر في أحضان تحالفات دولية بديلة، تقوم على المصالح لا على القيم، وعلى مواجهة الخصم المشترك أكثر من بناء نموذج حكم مستقر. غير أن هذه التحالفات، رغم أهميتها التكتيكية، لم تنجح حتى الآن في معالجة أزمات الداخل، بل على العكس، أسهمت أحيانًا في تعقيدها.
الربط بين إيران وفنزويلا وروسيا والصين لم يعد مجرد اصطفاف سياسي، بل بات شبكة أنظمة تحاول حماية نفسها من الانهيار عبر تبادل الدعم الاقتصادي، والتنسيق الأمني، والخطاب السيادي المناهض للغرب. إلا أن القاسم المشترك بين هذه الدول هو أن قوتها الخارجية غالبًا ما تخفي هشاشة داخلية، وأن خطاب التحدي لا يعوّض غياب العقد الاجتماعي المتماسك.
بالنسبة لإيران، فإن أي سقوط أو تحول جذري في نظام الحكم سيضعف هذا المحور بأكمله، أو على الأقل سيعيد تشكيله. إيران ليست دولة عادية في هذا التحالف، بل تمثل حلقة وصل جيوسياسية بين الشرق والغرب، وأي اهتزاز فيها سيؤثر على حسابات موسكو وبكين، كما سيجعل دولًا مثل فنزويلا أكثر عرضة للضغط والعزلة.
من زاوية إقليمية، هذا المشهد العالمي المتداخل يفرض على دول مثل العراق وتركيا وأفغانستان أن تتعامل بواقعية مع ما يجري، بعيدًا عن الاصطفافات العاطفية. العراق، تحديدًا، يقف على خط تماس بين أزمات داخلية وتحولات خارجية كبرى. فإذا أحسن قراءة انهيارات الآخرين، قد يحصّن نفسه. وإذا اكتفى بردّ الفعل، قد يتحول إلى ساحة اختبار جديدة لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
الخلاصة أن ما يجري في إيران وفنزويلا ليس أزمات منفصلة، بل مؤشرات على مرحلة انتقالية عالمية، تتراجع فيها أنماط حكم قديمة، وتبحث قوى دولية صاعدة عن توازنات جديدة. غير أن التاريخ القريب يعلّمنا أن التحالفات الدولية لا تنقذ أنظمة فقدت شرعيتها الداخلية، وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الداخل، لا من الاتفاقات العابرة للحدود.
إن سقوط نظام هنا أو اهتزاز نظام هناك لن يكون نهاية القصة، بل بدايتها. والسؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح ليس: من سيسقط؟ بل: من يملك مشروعًا قابلًا للحياة بعد السقوط؟
في عالم سريع التحول، من لا يملك هذا المشروع، سيبقى يدور في حلقة الأزمات، مهما تغيّرت التحالفات وتبدّلت الوجوه. (edited).
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي