مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. نبيلة قطب
ناقدة وأكاديمية | مصرية
يحتل التراث القصصي العربي مكانة مركزية في تشكيل الهوية الأدبية والحضارية لأمتنا، غير أن التعاطي النقدي معه ظل لعهود طويلة متأثرًا بالمناهج الغربية الجاهزة أو محصورًا في أطر التسلية العابرة، ويأتي مشروع الدكتور عبد الحميد إبراهيم (التراث القصصي عند العرب) محاولةً علمية جادة لرد الاعتبار لهذا التراث واستكشاف قوانينه النقدية الأصيلة من داخل النص السردي ذاته، حيث يمثل كتابه (نوادر الحب والحكمة)- وهو محور هذا البحث- حجر زاوية في هذا المشروع؛ إذ إنه يقدم المادة القصصية معنونة ومؤطرة لتكون جسرًا يصل بين قديم السرد وحديثه، ومجالًا لتأسيس حركة نقدية نابعة من تاريخ الفن القصصي العربي.
وأحاول في هذا البحث التركيز على العتبة النصية (العنوان) الفرعي الذي وضعه الدكتور عبد الحميد إبراهيم لكل نادرة، وهي نوادر مستلة من كتب النوادر والامثال والأخبار الأدبية، وعنوانها، وأبحث مدى تفاعلها مع ميكانيزم النادرة الداخلي؛ ذلك البناء السردي المكثف القائم على المفارقة، والوصول إلى القفلة المباغتة التي تنتج الحكمة أو الفكاهة، حيث إن العلاقة بين العنوان وآلية تشكل النادرة هي توجيه ذكي لذهنية القارئ، ومؤشر على كيفية تحول الموقف السردي العابر إلى مثل أو حكمة مستقرة في الذائقة العربية.
–عبد الحميد إبراهيم ومشروعه النقدي.
إن جهود عبد الحميد إبراهيم النقدية أسهمت بشكل فعال في لفت أنظار المبدعين المعاصرين لاستيحاء التراث العربي في القالب والرؤية، لتقديم تيار أدبي يملك موقفه الحضاري المتميز في حركة الأدب العالمي.
و"له إسهامات عديدة في مجال الأدب والنقد والفكر، ومشروعه الأكبر يتجلى في موسوعته (الوسطية العربية) التي حاول فيها أن يقدم نظرية، أو بالأدق حسب تعبيره: مذهبًا في الأدب، نابع من بيئتنا الفكرية وذاتيتنا الحضارية."( )
وللدكتور عبد الحميد جهود بارزة في إعادة تأصيل التراث القصصي العربي من خلال مشروعه النقدي الرائد الذي سعى من خلاله إلى إحياء السرد العربي القديم ودحض مقولات الإنكار والقطيعة التي ادعت شُح التراث في الفن القصصي، وتتوجت هذه الرؤية التأصيلية في جملة من أبرز مؤلفاته التي جمعت بين التنظير والتطبيق والدراسات الإقليمية والمقارنة؛ ومن أهمها: موسوعته الشاملة (الوسطية العربية)، وكتابه التطبيقي (نوادر الحب والحكمة)، و(القصة المصرية وصورة المجتمع الحديث)... وغيرهما، إضافة إلى دراساته المنهجية في (الأدب المقارن من منظور الأدب العربي- مقدمة وتطبيق).
–العنوان عتبة فارقة:
إن العنوان "علامة لغوية، يدل على جنس العمل الأدبي، ويدل على مضمونه، ويدل على اختيار المؤلف له بشكل مدروس ومقصود"( )، وهو من الناحية التركيبية "مقطع لغوي، أقل من الجملة نصًا أو عملًا فنيًا"( )، وإن كانت التعريفات السابقة تتناول العنوان الرئيس الذي يكون في صدارة العمل الأدبي، فإن هناك تعريفات للعنوان سواء أكان رئيسًا أم فرعيًا، بأنه "مجموعة العلامات اللسانية التي تدرج على رأس نص لتحدده وتدل على محتواه العام وتغري الجمهور المقصود بقراءته"( )، حيث إن كون العنوان يكون على رأس نص يعني كونه "نافذة تطل على المعنى الدلالي الأول للنص"( )، فـأيًا كانت موقعية العنوان فإنه كما يرى- رولان بارت- "عبارة عن أنظمة دلالية سيميائية تحمل في طياتها قيمًا أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية وهي رسالة مسكوكة مضمنة بعلامات دالة مشبعة برؤية العالم يغلب عليها الطابع الإيحائي"( )
والعنوان المقصود هنا هو العنوان الفرعي الذي صنعه الناقد عبد الحميد إبراهيم في واجهة نوادره ليلخص مضمونها ويعينه، وقد كان دالًا على ومرتبطًا بميكانيزما النادرة كما سيبين البحث ذلك.
–الجهد التأصيلي عند الدكتور عبد الحميد إبراهيم في كتابه
ينطلق الدكتور عبد الحميد إبراهيم في كتابه- محل البحث- من رؤية تأصيلية واعية تُراهن على إحياء التراث القصصي العربي واستعادة خصائصه الجمالية والمعرفية، وتتجلى أبعاد جهده العلمي وموقفه الحضاري في ثلاثة مرتكزات رئيسية؛ رد الاعتبار للسرد العربي القديم حيث يَدحض الباحث المقولة الشائعة حول "شُحّ الأدب العربي في الفن القصصي"، حيث إن القص العربي وقع بين ثنائية الإنكار والرفض، فالبعض يقول بأنه لا يوجد قص في التراث العربي، والبعض الآخر يقول بوجود القصة منذ القدم، موافقًا بذلك من قال من النقاد إن القصة شكل من أشكال التعبير في صورته الملحمية "حيث إن الموقف الملحمي يعبر فيه القاص مصورًا حكاية تروى لغيره (هو)..، وهذا يؤدي إلى التعبير بالقص"( )
وكذلك يذهب "الكثير من النقاد أن العرب عرفوا القصة، واحتفوا بها وبروايتها؛ فالعصر الذي احتضن العربي، والبيئة التي ترعرع فيها وكونت فكره، وصقلت عقله، فرضت عليه نمطا من العيش الاجتماعي والتقارب القبلي والأسري"( )، ويقدم عبد الحميد إبراهيم في كتابه مادة مَضبوطة ومُوثّقة تُثبت ثراء هذا الفن وأصالته التاريخية، وتؤكد أن "القصة حاجة من حاجات الشعوب في كل الأمصار وكل الأزمنة، وقد أثرت العوامل الطبيعية ومشاهدها في عقلية الإنسان البدائي، واندست مفاعيلها حياته الفردية والاجتماعية وتركته حائرًا مهددًا أمام ألغازها، إلى أن روحًا وحياة، فنشأ عن ذلك التفاعل بين الجماد والروح البشرية خرافات وأساطير"( )، فالكتاب إعادة بناء الحلقة المفقودة بين التراث والمعاصرة، حيث يسعى المشروع إلى وضع التراث القصصي بين يدي المبدع المعاصر ليستوحي منه القالب والرؤية، مما يمنح التجربة الأدبية العربية المعاصرة تيارًا مستقلًا يعكس موقفها الحضاري المتميز في مسيرة الأدب العالمي.
ولعل المرتكزات الرئيسة التي بني عليها الدكتور عبد الحميد إبراهيم جهده العلمي وموقفه الحضاري تتضح وتتكامل عبر ما يلي:
أولًا: رد الاعتبار للسرد العربي القديم ودحض دعاوى الإنكار، حيث يقف في مقدمة مشروعه موقفًا نقديًا حازمًا ضد الآراء التي تنكر وجود فن قصصي لدى العرب؛ ويتصدى للمقولات المستوردة أو المتأثرة بالمناهج الغربية، مثل طروحات "أرنست رينان" التي تنفي معرفة العرب بالفن القصصي( )، كما يناقش موقف بعض أعلام الفكر والأدب الحديث والمعاصر الذين اتخذوا موقفًا سلبيًا أو متجاهلًا للتراث القصصي؛ مثل أحمد أمين، وعباس محمود العقاد، ورجال "مدرسة الفجر"، وصولًا إلى الأكاديميين المحدثين الذين يقعون في التأسيس لـ"قطيعة" بين التراث والقصة العربية الحديثة (أمثال شكري عياد)؛ مما ينتهي بنتيجة خطيرة وهي إلغاء التراث القصصي، فيذهب عبد الحميد إبراهيم أن التراث السردي العربي هو فن قائم بذاته له قواعده وقوانينه الخاصة التي ينبغي اكتشافها وقراءتها من الداخل.
ثانيًا: يسعى المؤلف في الباب الأول إلى تقديم نصوص ونماذج تراثية موثّقة ومضبوطة تنوعت بين القصص الأخلاقي والفكاهي والأساطير والعجائبي والظرفاء (مثل: الأعرابي والحسناء، مكر النساء، سلطان الفن، الأعرابي الظريف، عالم الجن، وغيرها)؛ ليرسخ فكرة أن القصة كانت حاضرًا دائمًا في الحياة العربية، " وليس بالصحيح ما ذكره بعض من لم يطلعوا على تاريخ أجدادهم من المحدثين من أن القصة القصيرة وافدة علينا من الغرب الأوربي"( )، حتى إن هدف المؤلف من هذه النماذج هو إعادة بناء الحلقة المفقودة بين التراث والفن القصصي المعاصر- وهو بذلك يلفت أنظار المبدعين المعاصرين لاستيحاء هذا التراث سوًاء في القالب أم في الرؤية، بما يمنح التجربة الأدبية العربية تيارًا متميزًا يعكس موقفًا حضاريًا أصيلًا يضيف إلى مسيرة الحركة الأدبية العالمية.
ثالثًا: اكتشاف البنية الفنية الخاصة بالقصص العربي، حيث أفرد الدكتور عبد الحميد إبراهيم الباب الثاني من كتابه لطرح قراءة عصريّة تنظر إلى التراث بعيون نقدية حديثة دون السقوط في فخ تطبيق المقياس الغربي المباشر؛ حيث يُبرز مفهوم الوحده والتركيب، ويميز بين الوحدة التركيبية والوحدة العضوية، مبينًا أن انقطاع الفقر أو الشذرات( ) في القص العربي هو بنية تجاوزية لها مقوماتها لا توظف بشكل عشوائي، كما يبحث عن مصطلحات نقدية نابعة من البنية الفنية للقص العربي نفسه، تفضي إلى التراث الإنساني والعالمي.
كما يبرز جماليات الفن القصصي العربي حين يؤكد أن القص العربي يهدف إلى المتعة والتسلية بجانب الفائدة، ويمتاز بخصائص فريدة؛ مثل الشفافية، و"الفكاهة التي لا تجرح، وطبيعة الصراع الذي يجري بخفة واعتدال، إضافة إلى نوعية الخيالات والنهايات السعيدة والمبررة التي لا يجوز انتقادها بمقاييس جديدة غير ملائمة.
إن مشروع الدكتور عبد الحميد إبراهيم في هذا الكتاب يمثل حركة نقدية تأسيسية تهدف إلى الانتقال بالتراث القصصي العربي من خانة "التهميش أو الإنكار" إلى خانة الاعتبار والنظر النقدي الأصيل، وذلك لتأكيد استمرارية العطاء السردي العربي عبر التاريخ، وتمكين المبدع المعاصر من الاستناد إلى جذوره الحضارية بثقة واقتدار.
–العنوان الفرعي وميكانيزم النادرة التراثية في مختارات من كتابه
ينعكس جهد الدكتور عبد الحميد إبراهيم عمليًا- بعد استعراض الجهد التأسيسي لمشروعه- في اختيار النوادر وتأطيرها بالعناوين، فتصبح كل نادرة نواة تطبيقية تبرز آلية تفاعل العنوان مع الميكانيزم السردي للحكمة والمفارقة، فقد كان يقتنص نوادر الحب والحكمة ويضع لها عنوانًا يتماشى مع سياقها ويربط بينه وبين حيل اللغة( )، إن العنوان الفرعي الذي وضعه عبد الحميد إبراهيم كان يدير هذا الميكانيزم بفاعلية عبر ثلاثة مستويات جمالية ونقدية؛ فهو أولًا يُمارس إزاحة تأويلية تُوجّه القارئ من المحاكمة الأخلاقية والفقهية إلى التلقي الجمالي، وهو ثانيًا يتفاعل مع بنية المفارقة من خلال الحفاظ على طاقة الصدمة والتشويق في القفلة الساخرة دون إفشاء سر الحيلة مسبقًا، وهو ثالثًا يكتنز طاقة تكثيفية تُخرج النادرة من إطار الواقعة التاريخية الفردية لتتحول إلى نموذج إنساني عام ومَثَلٍ يجسد حيلة الضعيف في مواجهة بطش السلطة بفضيلة الذكاء والسرعة اللغوية.
في نادرة (المتنبي الظريف) يُمارس العنوان الذي وضعه دكتور عبد الحميد إبراهيم إزاحة تأويلية واعية تُوجه القارئ مسبقًا من أفق المحاكمة الفقهية والأخلاقية لتهمة الادعاء والردة إلى التلقي الجمالي القائم على استقبال الفطنة والظرف، والتي تحكي أنه:
"تنبَّأ رجلٌ في أيام المأمون، وادَّعى أنه إبراهيمُ الخليلُ، فقال له المأمون: إن إبراهيمَ كانت له معجزات وبراهيمُ [كذا]. قال: وما براهينُه؟ قال: أُضرمت له نارٌ، وأُلقيَ فيها؛ فصارت عليه بردًا وسلامًا، ونحن نُوقدُ لك نارًا، ونطرحُك فيها، فإن كانت عليك كما كانت عليه آمنَّا بكَ. قال: أريدُ واحدة أخفّ من هذه. قال: فبراهين موسى! قال: وما براهينُه؟ قال: ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى! وضرب البحرَ بها فانفَلَق! وأدخلَ يده في جيبه فأخرجها بَيْضاء، قال: وهذه عليَّ أصعبُ من الأولى! قال: فبراهينُ عيسى، قال: وما هي؟ قال: إحياء الموتى! قال: مكانك قد وصلت! أنا أضربُ رقبة القاضي يحيى بن أكثم، وأحييه لكم الساعة!
فقال يحيى: أنا أوَّل من آمنَ بك وصدَّق!"( )
يمهد العنوان الفرعي الذهن لاستحسان الحيلة بدلًا من إدانة صاحبها؛ لينطلق بعد ذلك الميكانيزم السردي عبر دراما حوارية تتصاعد تدريجيًا بدءًا من مأزق الشروط التعجيزية (نار إبراهيم وعصا موسى)، مرورًا بالمناورة والهرب الذكي من المواجهة المباشرة، وصولًا إلى القفلة المباغتة، حين حوَّل معجزة إحياء الموتى إلى تهديد بقطع رقبة القاضي يحيى بن أكثم لإحيائه، مما أجبر القاضي على الاستسلام السريع بقوله: "أنا أول من آمن بك وصدق!"؛ وبذلك يتكامل العنوان مع البنية السردية للحفاظ على طاقة الصدمة وتكثيف الموقف التاريخي وتحويله إلى حكمة ومَثَل يجسد قدرة الذكاء اللغوي والبديهة السريعة على تفكيك بطش السلطة والنجاة من مأزق الموت.
كما تتضح ديناميّة ميكانيزم النادرة وعلاقتها التفاعلية بالعنوان بوضوح في نادرة/ مَثَل (وافقَ شنٌّ طَبَقَة) الواردة تحت عنوان (ألغاز وحلول)، وهو العنوان الإجرائي الذي وضعه الدكتور عبد الحميد إبراهيم؛ ليُمارس وظيفة توجيهية واستشرافية تُؤطر النص منذ عتبته الأولى:
والتي تحكي أن "شنٌ رجلًا من دهاة الْعَرَب قَالَ وَالله لأطوفن حَتَّى أجد امْرَأَة مثلى فأتزوجها فَسَار حَتَّى لقى رجلا يُرِيد قَرْيَة يريدها شنٌ فصحبه فَلَمَّا انْطَلقَا قَالَ لَهُ شنٌ أتحملنى أم أحملك فَقَالَ الرجل يَا جَاهِل كَيفَ يحمل الرَّاكِب الرَّاكِب فسارا حَتَّى رَأيا زرعا قد استحصد فَقَالَ شنٌ أَتَرَى هَذَا الزَّرْع قد أكل أم لَا فَقَالَ يَا جَاهِل أما ترَاهُ قَائِما وسارا فاستقبلتهما جنازةٌ فَقَالَ شنٌ أَتَرَى صَاحبهَا حَيا أم مَيتا فَقَالَ مَا رَأَيْت أَجْهَل مِنْك أَترَاهُم حملُوا إِلَى الْقُبُور حَيا ثمَّ صَار بِهِ الرجل إِلَى منزله وَكَانَت لَهُ بنتٌ يُقَال لَهَا طبقَة فَقص عَلَيْهَا قصَّته فَقَالَت أما قَوْله أتحملنى أم أحملك فَإِنَّهُ أَرَادَ أتحدثنى أم أحَدثك حَتَّى نقطع طريقنا.
وَأما قَوْله أَتَرَى هَذَا الزَّرْع قد أكل أم لَا فَإِنَّهُ أَرَادَ أباعه أَهله فَأَكَلُوا ثمنه أم لَا وَأما قَوْله فِي الْمَيِّت فَإِنَّمَا أَرَادَ أترك عقبًا يحيا بهم ذكره أم لَا
فَخرج الرجل فحادثه ثمَّ أخبرهُ بقول ابْنَته فَخَطَبَهَا إِلَيْهَا فَزَوجهُ إِيَّاهَا فحملها إِلَى أَهله فَلَمَّا عرفُوا عقلهَا ودهاءها قَالُوا وَافق شن طبقَة"( )
يضع الدكتور عبد الحميد القارئ في أفق انتظار ذكي يتطلع فيه إلى فك الشفرات والوصول إلى الإجابات المعرفية، مما ينفي عن أسئلة (شن) التجريدية تهمة الجهل ويمنحها مسارًا عقلانيًا منظمًا، وينطلق الميكانيزم السردي عبر بنية حوارية قائمة على المفارقة بين الفطنة العميقة والسطحية الظاهرية؛ حيث يطرح (شن) أسئلته الرمزية الثلاثة (تحملني أم أحملك؟، أُكِلَ الزرع أم لا؟، أحيٌّ صاحب الجنازة أم ميت؟)، فيقابلها الرفيق بالاستنكار والتجهيل لجموده عند الظاهر، لِتأتي القفلة المباغتة عبر العقل التحليلي لـ(طبقة) التي تفك شفرات اللغز وأبعاده الفلسفية والاجتماعية (مؤانسة الطريق، وأكل ثمن الزرع المباع، وخلود الذكر بالعقب الصالح)؛ ممّا يُفجر اللحظة المعرفية التي تُفضِي إلى الزواج وتحقُّق التكافؤ، ليتضافر العنوان مع ميكانيزم النادرة في تحويل الواقعة من حكاية سفر إلى مَثَل تراثي سيار يجسد عبقرية الذهن العربي وتطابق العقول.
وفي نادرة بعنوان: (حكام آخر زمن) والتي تروي (قصة احتكام الأرنب والثعلب إلى الضب)؛ يمارس هذا العنوان- الذي وضعه الدكتور عبد الحميد إبراهيم- وظيفة نقدية وأيدولوجية وموجّهًا إسقاطيًا يُؤطر النص منذ عتبته الأولى:
ومضمونها أنهم "زعموا أن أرنبًا التقطت تمرة؛ فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب؛ فقال الأرنب: يا أبا الحُسَيْلِ! قال: «سميعًا دعوت». قالت: أتيناك لنحتكم إليك. قال: «عادلًا حكّمتما». قالت: فاخرج إلينا. قال: «في بيته يُؤْتَى الحكم»، قالت: إني وجدت تمرة، قال: «حُلْوةً فكُليها».
قالت: فاختلسها الثعلب. قال: «لنَفْسِه بَغَى الخيرَ»، قالت: فلطمته. قال: «بحَقِّكِ أخذتِ»، قالت: فَلَطَمَني. قال: «حُرٌّ انتصرَ»، قالت: فاقض بيننا؛ قال: «قد قَضَيْت»!"( )
ينقل العنوان الفرعي (حكام آخر زمن) الحكاية من مجرد رمزيّة على ألسنة الحيوان إلى إسقاط اجتماعي وسياسي ساخر يُعدّ القارئ لمواجهة نمط من القضاء والتحكيم الفاسد والعبثي، وينطلق الميكانيزم السردي عبر بنية حوارية قائمة على التأزيم والتملص السريع؛ فتستعرض الأرنب مظلمتها خطوة بخطوة، بينما يُقابلها الضب بحجج مسكوكه وقيم جاهزة تُبرر لكل طرف موقفه وتتملص من المسؤولية الأخلاقية للقضاء، لِتأتي القفلة المباغتة الشديدة التكثيف في قوله: (قد قضيت!)، لتفجر المفارقة والتهكم النقدِي بعد أن أطاح الضب بمنطق العدالة وقَضَى باللاشيء؛ وبذلك يتضافر العنوان- حكام آخر زمن- مع ميكانيزم النادرة في تحويل الواقعة الرمزية إلى حكمة ومَثَل تراثي حاد يُسجل تجربة إنسانية خالصة حول عبثية القضاء حين يتحول إلى شقشقة لفظية ومناورة فارغة.
وكل ذلك يكشف عن الوعي التأصيلي والمنهجي الذي انطلق منه مؤلف الكتاب لرد الاعتبار للتراث القصصي العربي، واكتشاف قوانينه وبنيته الجمالية والنقدية من الداخل، بعيدًا عن المناهج الغربية الجاهزة ودعاوى الإنكار والقطيعة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي