مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
ثمَّة ظاهرةٌ أخذتْ تتسعُ في مجتمعاتِنا العربية، حتى باتت جزءًا من الحديثِ اليومي: حشرُ كلماتٍ إنكليزية في كلِّ جملةٍ تقريبًا، وكأنَّ العربية لم تعد قادرةً على التَّعبيرِ، أو كأنَّ المفردةَ الأجنبيةَ تُضفي على المتحدِّثِ هالةً من الثَّقافةِ والرُّقي.
ما يُحيرني حقًّا هو: لماذا يميلُ بعضُ العربِ إلى الحديثِ بالإنكليزية، أو إلى تزويقِ أحاديثِهم بكلماتٍ أجنبيةٍ بين جملةٍ وأُخرى؟ هل أصبحت لغتُنا قاصرةً عن إيصال المعنى؟ أم أنَّ استخدامَ كلمةٍ أجنبيةٍ هنا وأُخرى هناك أصبحَ وسيلةً لإقناع الآخرين بأنَّ المتحدِّثَ أكثرُ ثقافةً أو أكثرُ انفتاحًا على العالم؟ أم أنَّ الأمرَ لا يعدو كونه نوعًا من التباهي على مذهب: "شوفوني.. شوفوني"؟
المفارقة أنَّ كثيرًا ممن يفعلونَ ذلكَ لا يتقنونَ الإنكليزيةَ أصلًا، بل يُخطئونَ في أبسطِ قواعدِها، وأحيانًا لا يميّزونَ بين الاسم والصفة، أو يستخدمونَ الكلمةَ في غير معناها، فتأتي نشازًا في سياقٍ عربي سليم، فلا هي أضافت معنى، ولا حسَّنت الأسلوب، بل شوّهت الجُملة وأضعفتها.
لم أسمع، في حياتي، أمريكيًا أو انكليزيًا يُقحِمُ كلماتٍ عربيةً أو فرنسيةً أو صينيةً في حديثه اليومي لمجرّدِ الظُّهور بمظهرِ المثقَّف. فالصيني يتحدَّثُ بلغتِهِ، والياباني بلغتِهِ، والفرنسي بلغتِهِ، وكلُّ شعبٍ يعتزُّ بلسانِهِ ويستخدمُ اللُّغاتِ الأجنبيةَ عند الحاجةِ، لا على سبيل الزينة اللُّغوية.
لا أحد يعترض على تعلُّمِ الإنكليزيةِ أو أيّة لغةٍ أُخرى، بل إنَّ إتقانَ اللُّغاتِ بابٌ واسعٌ للعلمِ والعملِ والتَّواصلِ مع العالم. الاعتراضُ ليس على تعلُّمِ اللُّغةِ، إنَّما على استعراضِها في غير موضعِها، وعلى التَّعاملِ مع العربيةِ وكأنَّها لغةٌ عاجزةٌ أو أقل شأنًا.
اللُّغةُ ليست مجرَّد أداةٍ للتَّواصلِ فحسب، بل هي هوية وذاكرة وثقافة، ومَن يعتزُّ بلغتِهِ لا يجدُ حرجًا في استخدامها، كما لا يجدُ حرجًا في استخدامِ لغةٍ أجنبيةٍ عندما يقتضي المقام ذلك. أما أنْ تتحوَّلَ المفرداتُ الإنكليزية إلى زينةٍ لفظيةٍ تُلقى في كلِّ حديثٍ، فذلك لا يدلُّ بالضَّرورةِ على الثقافة، بل قد يكشفُ أحيانًا عن افتقارٍ إلى الثقةِ باللُّغةِ الأُم، أو عن رغبةٍ في صناعةِ صورةٍ أكثر من صناعةِ مضمون.
إنَّ المثقَّفَ الحقيقي ليس مَن يخلطُ اللُّغاتِ في حديثِهِ، بل مَن يعرفُ متى يستخدمُ كلَّ لغةٍ، ويمنحُ لغتَهُ الأُم المكانةَ التي تستحقُّها، لأنَّها الوعاءُ الأوَّلُ للفكر، وأصدقُ تعبيرٍ عن الهوية.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي