loader
MaskImg

حوارات

حوار مؤسس ورئيس منظمة نخيل عراقي الثقافية مع الصحفيين اميرة ناجي ورحيم يوسف لصحيفة الحقيقة

breakLine

"نخيل عراقي" … حلم بدأ عام 2009 ليحفظ ذاكرة المبدع العراقي

مجاهد أبو الهيل: «نخيل عراقي» نخلة ثقافية عراقية، تمتد جذورها في كل المحافظات



حوار: اميرة ناجي / رحيم يوسف

 

في بلد يمتلك أعمق ارث حضاري في العالم، تبقى حماية ذاكرة المبدعين مسؤولية تتجاوز حدود الاحتفاء العابر. من هذه الرؤية ولدت نخيل عراقي. عام 2009، حلماً ثقافياً مستقلاً يسعى إلى أن يكون مساحة تحفظ المنجز العراقي وتكرّم رواده وتفتح الطريق أمام أصواته الشابة. وعلى امتداد سنوات من العمل تحول الحلم إلى مشروع يمتد بين النشر والتوثيق والتكريم واكتشاف المواهب في مختلف المحافظات. وفي حوارنا مع الشاعر مجاهد ابو الهيل، تقترب الحقيفة من حكاية نخيل عراقي من البدايات والإمكانات المحدودة، إلى تحديات التمويل والمقر الدائم، وصولاً إلى حلم أن يكون للثقافة العراقية بيت يليق بذاكرتها ومبدعيها:
 

متى بدأت فكرة «نخيل عراقي» وما الدافع الحقيقي وراء تأسيسها؟

- في عام 2009 بدأت الفكرة، ولم تكن في البداية مشروعاً مؤسساتياً بالمعنى المعروف، وإنما كانت حلماً أقرب إلى الواقع. كنا نرى أمامنا مشهداً ثقافياً عراقياً غنياً جداً بالمبدعين، لكنه في الوقت نفسه يعاني من فراغ واضح، ومن تقصير في احتضان هذا المنجز وحمايته من الضياع. كان السؤال الذي يشغلنا: لماذا لا تكون هناك جهة تحاول أن تسد هذا الفراغ؟ لماذا لا نأخذ على عاتقنا مسؤولية، ولو بسيطة، تجاه الثقافة والمبدع العراقي؟ من هنا بدأت «نخيل عراقي». لم نكن نملك في البداية إمكانات كبيرة، لكننا كنا نملك الإيمان بالفكرة. وكان معي في البدايات إخوتي الأستاذ ميثاق والفنان منقذ أبو الهيل، والتحق بنا فيما بعد صديقنا المهندس عمار العطار والشاعر نجم عريمش والناشر حيدر الحكيم. وهكذا تحول الحلم تدريجياً إلى عمل، والعمل إلى مشروع، والمشروع مع مرور السنوات إلى مؤسسة لها حضورها وتجربتها.
 

 

متى انطلقت أولى فعاليات المنظمة، وكيف كانت خطواتها الأولى؟

- أول خطوة عملية كانت من خلال طباعة سلسلة «نخيل عراقي للإبداع». كنا نريد أن نعالج مشكلة كنا نراها بوضوح، وهي العشوائية التي ترافق عملية نشر المنجز الأدبي. كان لدينا مبدعون يكتبون، لكن الكثير من هذه الكتابات لا تجد طريقها إلى النشر بالشكل الذي يحفظ قيمتها ويمنحها فرصة للوصول إلى القارئ. لذلك بدأنا من الكتاب. قلنا إن أفضل ما يمكن أن نقدمه للمبدع هو أن نساعده في إخراج منجزه إلى الناس بصورة تليق به. كانت إمكاناتنا محدودة، لكن الحماس كان كبيراً. وأحياناً، في العمل الثقافي، تكون قوة الفكرة أهم من حجم الإمكانات التي تبدأ بها. فطبعنا سلسلة شعرية لشعراء مثل حسب الشيخ جعفر وصلاح نيازي واجود مجبل وعارف الساعدي واخرين.
 

ماذا يعني لكم اسم «نخيل عراقي» وما رمزيته في المشروع؟

- الاسم بالنسبة لي ليس مجرد عنوان لمنظمة، وإنما يحمل جزءاً من ذاكرتي الشخصية. «النخيل» مرتبط بطفولتي، وله مكان خاص في وجداني. لكن عندما اخترت الاسم للمشروع، اكتشفت أن النخلة تحمل كل المعاني التي كنا نبحث عنها. النخلة تعطي، وتخضر، وترتبط بالأرض، وتتحمل الظروف القاسية. والأجمل أنها تشبه المبدع العراقي. المبدع أيضاً متجذر في أرضه، يعطي رغم صعوبة الظروف، ويحمل ذاكرة المكان معه أينما ذهب. وقد يتعرض للكثير من العواصف، لكنه يبقى واقفاً. لذلك أقول دائماً إن النخلة تشبه المبدع: كلاهما يعطي، وكلاهما يتجذر، وكلاهما لا يموت بسهولة.
 

كيف تطورت المنظمة منذ انطلاقتها عام 2009 حتى تسجيلها رسمياً عام 2019؟

- بين 2009 و2019 كانت هناك عشر سنوات من العمل والتجربة والتراكم. بدأنا بفكرة، ثم بفعاليات وإصدارات ومشاريع، ومع كل خطوة كنا نتعلم أكثر ونكتشف احتياجات المشهد الثقافي. التسجيل الرسمي عام 2019 كان محطة مهمة جداً، لأنه منح التجربة إطاراً مؤسساتياً أكثر وضوحاً. لكنني لا أعتبر أن عام 2019 كان بداية «نخيل عراقي»، بل هو محطة في رحلة بدأت قبل ذلك بعشر سنوات. فالمنظمة بالنسبة لنا لم تولد في يوم تسجيلها، وإنما ولدت يوم شعرنا أن هناك حاجة حقيقية إلى مشروع ثقافي مستقل، ثم أثبتت السنوات أن الفكرة قابلة للحياة.

 

ما الرسالة الثقافية التي تسعى «نخيل عراقي» إلى ترسيخها في المجتمع العراقي؟

- نحن نريد أن نقول إن الثقافة ليست ترفاً، وإن المبدع ليس رقماً عابراً في مناسبة ثقافية. المبدع العراقي يحتاج إلى أن يُقرأ، وأن يُسمع، وأن يوثق منجزه، وأن يشعر بأن هناك من يقف إلى جانبه. رسالتنا هي أن نحاول بناء مساحة تحفظ الذاكرة الثقافية، وتحتفي بالرواد، وتمنح الشباب فرصة، وتربط الأجيال ببعضها. أنا أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد ذاكرته. ولذلك فإن عملنا الثقافي في جانب منه هو محاولة لمقاومة النسيان.
 

ما أبرز المشاركات والفعاليات التي شكلت محطات مهمة في مسيرة المنظمة؟

- من المحطات التي أعتز بها كثيراً مشروع تكريم الرواد والمبدعين العراقيين والعرب. تشرفنا بتكريم أسماء كبيرة تركت أثرها في الثقافة والفن، من بينها الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر، والكاتب والروائي حسن العاني، والفنان العربي الكبير دريد لحام، والفنانة سليمة خضير، والنحات نداء كاظم، إلى جانب نخبة من نجوم الفن والثقافة العراقية والعربية. بالنسبة لنا، التكريم لم يكن مجرد درع أو شهادة أو صورة تذكارية. كنا نريد أن نعيد الاعتبار إلى فكرة الوفاء للمبدع. هناك أشخاص أفنوا أعمارهم في خدمة الثقافة والفن، ومن أقل ما يمكن أن نقدمه لهم أن نقول لهم إن المجتمع لم ينسهم. وأعتقد أن تكريم الرواد هو أيضاً رسالة إلى الشباب: هؤلاء الذين ترونهم اليوم هم جزء من الطريق الذي يمكن أن تسيروا فيه.
 

كيف تسهم «نخيل عراقي» في حفظ الذاكرة الثقافية العراقية وتوثيق منجز المبدعين؟

- التوثيق كان واحداً من أهم هواجسنا منذ البداية. لأنني أعتقد أن المنجز الذي لا يوثق معرض للضياع. ومن هنا جاءت سلسلة «ديوان نخيل عراقي للإبداع»، التي حاولنا من خلالها أن نفتح نافذة لكل محافظات العراق. أصدرنا «نخيل البصرة»، و«نخيل الموصل»، و«نخيل صلاح الدين»، و«نخيل ذي قار»، إلى جانب دواوين لبقية المحافظات. كل ديوان كان يضم عشرة شعراء مبدعين من الشباب. وهنا تكمن أهمية المشروع بالنسبة لنا؛ لأننا لم نكن نريد أن نقول إن هناك شعراء في العراق فقط، وإنما أردنا أن نرسم صورة واسعة للإبداع العراقي في محافظاته المختلفة. كل محافظة لها صوتها، وذاكرتها، وخصوصيتها، ومبدعوها. وكان حلمنا أن نجمع هذه الأصوات تحت مظلة واحدة اسمها «نخيل عراقي».
 


ما المساحة التي تمنحها «نخيل عراقي» للمواهب والطاقات الإبداعية الشابة؟

- الشباب بالنسبة لنا ليسوا جمهوراً نريد الوصول إليه فقط، وإنما هم جزء من مشروعنا. عندما أخذنا عشرة شعراء من كل محافظة في سلسلة الدواوين، كان هدفنا أن نقول للمبدع الشاب: أنت تستحق أن تكون حاضراً، وأن يكون لك كتاب يحمل اسمك، وأن يجد صوتك طريقه إلى القارئ. الكثير من المواهب تحتاج فقط إلى شخص يؤمن بها في البداية. وأنا أعتقد أن المؤسسة الثقافية الحقيقية ليست التي تحتفي دائماً بالأسماء المعروفة، وإنما التي تكتشف الاسم الذي سيصبح معروفاً في المستقبل. لذلك سنبقى منحازين إلى الشباب، لأنهم مستقبل الثقافة العراقية.
 

كيف وظفتم الفضاء الرقمي في نشر الثقافة العراقية والوصول إلى الأجيال الجديدة؟

- لم يعد بالإمكان اليوم أن نتعامل مع الثقافة بعيداً عن الفضاء الرقمي. الأجيال الجديدة تعيش جزءاً كبيراً من حياتها في العالم الرقمي، ولذلك علينا أن نذهب بالثقافة إليها حيث هي. حاولنا استخدام المنصات الرقمية للتعريف بالفعاليات والمبدعين والإصدارات والتكريمات، ولإبقاء المنجز الثقافي متاحاً أمام جمهور أوسع. لكنني لا أرى أن العالم الرقمي يمكن أن يلغي الكتاب أو اللقاء الثقافي. هو وسيلة جديدة، وليس بديلاً عن الثقافة نفسها. الكتاب يبقى كتاباً، والقصيدة تبقى قصيدة، والمبدع يبقى مبدعاً؛ لكن التكنولوجيا تمنحنا فرصة لأن يصل هذا المنجز إلى عدد أكبر من الناس، داخل العراق وخارجه.

 

ما أبرز التحديات التي تواجه المنظمة اليوم؟

- أكبر تحدٍ هو الاستمرار. أن تعمل في الثقافة يعني أن تكون لديك أحلام كبيرة، بينما الإمكانات غالباً محدودة. وأحياناً تكون لديك مشاريع تستطيع أن تحدث أثراً حقيقياً، لكن الموارد لا تسمح بتنفيذها بالشكل الذي تتخيله. هناك أيضاً تحدي الحفاظ على الاستمرارية، لأن المؤسسة الثقافية تحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، وليس إلى ردود أفعال مرتبطة بفعالية هنا أو مناسبة هناك. ومع ذلك، أقول دائماً إن الصعوبة ليست سبباً للتوقف. نحن بدأنا بإمكانات بسيطة جداً، واستطعنا أن نستمر كل هذه السنوات، وهذا بحد ذاته دليل على أن الفكرة كانت أقوى من الظروف.
 

إلى أي مدى أثرت مشكلة التمويل في استمرار نشاط المنظمة؟

- التمويل مشكلة حقيقية، ولا أريد أن أخفي ذلك. العمل الثقافي يحتاج إلى موارد: الكتاب يحتاج إلى طباعة، والفعالية تحتاج إلى مكان وتنظيم، والتوثيق يحتاج إلى أرشفة، والمشاريع الشبابية تحتاج إلى دعم. وفي مراحل كثيرة اعتمدنا على إمكاناتنا الشخصية وعلى ما نستطيع توفيره، لأننا لم نكن نريد أن تتوقف المشاريع التي آمنا بها. لكن هذا النموذج لا يمكن أن يكون حلاً دائماً. نحن بحاجة إلى شراكات حقيقية ومستدامة مع الجهات التي تؤمن بالثقافة، لأن المؤسسة الثقافية إذا أردنا لها أن تتوسع وتخطط للمستقبل، فلا بد أن تمتلك مورداً مستقراً يحميها من التوقف والموسمية.

 

أين وصلت قضية المقر الدائم للمنظمة، وما أهمية وجوده بالنسبة إلى مستقبلها؟

- المقر الدائم هو أحد الأحلام الأساسية التي ما زلنا نسعى إليها. نحن لا نبحث عن مكتب إداري فقط. نريد بيتاً ثقافياً حقيقياً يحمل اسم «نخيل عراقي». أتخيله مكاناً مفتوحاً للشاعر والكاتب والفنان، ومكاناً يلتقي فيه المبدعون من مختلف المحافظات، وتقام فيه الندوات والمعارض والأمسيات وورش الشباب. وجود المقر سيمنح المنظمة استقراراً كبيراً، وسيتيح لنا أن نبني أرشيفاً حقيقياً لتجربتنا ولجزء من الذاكرة الثقافية العراقية. بعد كل هذه السنوات، أعتقد أن «نخيل عراقي» تستحق أن يكون لها بيت. لكن ثقافة الحرمان التي سادت في العراق هي التي منعت القائمين على البيوت التراثية من منح نخيل عراقي مقراً دائماً لمشروعها ومتحفها ومكتبتها وأحلامها الكبيرة. للاسف الشديد ان البيوت التراثية تمنح لاصحاب النفوذ فقط ولا تمنح للمشاريع الحقيقية التي تجعل من العراق وطناً للثقافة والجمال. 

 


كيف تحافظون على استقلالية المنظمة في ظل حاجتها إلى الدعم والشراكات؟

- نحن لا نرى تعارضاً بين الاستقلالية والشراكة. نحن نرحب بكل جهة تريد أن تدعم الثقافة العراقية، سواء كانت مؤسسة حكومية أو أهلية أو من القطاع الخاص، لكن الشراكة يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل. الدعم لا ينبغي أن يعني التدخل في القرار الثقافي أو فرض اتجاه معين على المنظمة. نحن نريد أن نحافظ على استقلالية «نخيل عراقي» لأن استقلال القرار الثقافي جزء من هويتها منذ البداية. يمكن أن نختلف في الوسائل، ويمكن أن نتعاون مع الجميع، لكن البوصلة يجب أن تبقى واحدة: خدمة الثقافة والمبدع العراقي. لكن من المؤسف أن اصحاب المال لا يؤمنون بالثقافة ولا يحترمونها، اذ ينفق أحدهم اكثر من مليون دولار على شراء ساعة يد بينما لا يمتلك الرؤية والشجاعة لانفاق دولاراً واحداً لشراء كتاب. 

 

ما الحلول التي ترونها ضرورية لضمان استدامة المنظمة وتوسيع نشاطها الثقافي؟

- نحتاج إلى تغيير النظرة من رجال الأعمال والقطاع الخاص والعام إلى العمل الثقافي المستقل. المنظمات الثقافية ليست جهات تقيم حفلات ومناسبات فقط؛ بعضها يقوم بدور حقيقي في حفظ الذاكرة الوطنية واكتشاف المواهب وتوثيق المنجز. نحن بحاجة إلى برامج دعم ثقافي مستدامة، وإلى شراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجهات الثقافية، وإلى مقر دائم، وإلى تطوير مشاريع النشر والتوثيق الرقمي. كما نحتاج إلى أن يكون هناك اهتمام أكبر بالمبدعين الشباب في المحافظات، لأن العراق ليس بغداد وحدها. هناك مواهب حقيقية في البصرة والموصل وذي قار وصلاح الدين وكل محافظات العراق. وأنا أؤمن أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في مستقبل العراق، حتى لو كانت نتائجه لا تظهر بالأرقام السريعة التي تظهر في مجالات أخرى.

 

ما طموحكم لـ«نخيل عراقي» في المرحلة المقبلة، وما الحلم الذي ما زلتم تسعون إلى تحقيقه؟

- الحلم الذي بدأ عام 2009 ما زال مستمراً. نريد أن تكبر «نخيل عراقي» من دون أن تفقد روحها الأولى. نريدها أن تكون بيتاً ثقافياً عراقياً حقيقياً، مفتوحاً لكل المبدعين، وأن نستمر في مشروع النشر والتوثيق والتكريم واكتشاف المواهب. نريد أن نوسع سلسلة «نخيل عراقي للإبداع»، وأن نصل إلى أصوات جديدة لم تجد فرصتها بعد، وأن نحفظ أكبر قدر ممكن من الذاكرة الثقافية العراقية. لكن الحلم الأكبر بالنسبة لي هو أن يكون لدينا مقر دائم، بيت يحمل اسم «نخيل عراقي»، وتبقى أبوابه مفتوحة للمبدعين. بدأت «نخيل عراقي» بحلم، وما زالت حتى اليوم حلماً يعمل على أرض الواقع. وربما أجمل ما في الحكاية أن الاسم الذي اخترته بسبب علاقتي الشخصية بالنخلة وذكريات الطفولة أصبح يحمل معنى أكبر مني ومن المؤسسين. أردنا للمبدع العراقي أن يكون مثل النخلة: متجذراً في أرضه، معطاءً رغم الظروف، أخضر بالحياة، وقادراً على البقاء. وهذا هو الحلم الذي لا يزال قائماً: أن تبقى «نخيل عراقي» نخلة ثقافية عراقية، تمتد جذورها في كل المحافظات، وتمنح ظلها وثمرها لكل مبدع يستحق أن يُرى ويُسمع ويُحفظ من النسيان.