.jpeg)
165 عملاً فنياً وما زال الحارس الأمين لجمال الخشبة.
حوار بسام جميدة
عاشقٌ أخلص لمحرابه المسرحي، وشقّ طريقه بثبات وصمود ليصنع لنفسه مساراً متفرداً ومنهجاً فاعلاً رغم كل العثرات التي كانت في طريقه. وجد في المسرح ضالته وسلاحه ليصرخ بما يعتلج في داخله، فكان له ما أراد؛ فنانٌ صلبٌ لم يتخلَّ عن الخشبة ولم تخبُ في ذاكرته، ولم تتخَلَّ عنه، رغم كل إغراءات الشاشة التي حاولت جذبه إليها. سيد المونودراما وقابض جمرها النبيل، يحلّ ضيفاً في هذا الحوار، ليفكّ أزرار التجربة، ويبيح بما يعتلج في صدره من شغفٍ وحرقة وعشقٍ لهذا الفن.
كيف ترى تجربتك في "المونودراما" وكيف انتزعت الاعتراف فيها وواصلت العمل الفني؟
المونودراما مسرحية الشخصية الواحدة، عرض الممثل الواحد لم تكن بالنسبة لي مجرد مصادفة، أو نزوة عابرة تملكتني في لحظة، ولم أفكر فيها من باب الترف الفني، فالمسرح بالنسبة لي قضية، وقضية كبرى والجميع يعرف هذه الحقيقة، لم أكن أُعاني من عدم الاعتراف بي كممثل.. ففي عام 1985م، بداية تجربتي في المونودراما، كنتُ "شبعان" أدوار مسرحية وأنا لستُ نرجسياً ولا مصاباً بتضخم الأنا لا سمح الله، ولو كنتُ كذلك لما شاركتُ في عشرات العروض المسرحية الجماعية منذ العام 1967م وإلى الآن. ولما عملتُ في الكتابة المسرحية وإخراجها والتمثيل، ولما ساهمتُ في أي تجمع أو فرقة مسرحية، واكتفيتُ بالمونودراما فقط.
لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ فمنذ عام 1985م ازداد تعلّقي بالعمل مع التجمعات والفرق المسرحية أكثر، وساهمتُ بشكل واسع في العديد من العروض المسرحية بالتوازي مع عملي في المونودراما، بلغ عدد أعمالي المسرحية منذ العام 1967م وإلى الآن 2026م ما يزيد عن مائة وخمسة وستين عملاً مسرحياً، تمثيلاً وإخراجاً وكتابة..أي أنني أستحق جائزة "غيينيس" مضاعفة للأرقام القياسية.. ولكن أين فنان مثل زيناتي قدسية من الجائزة ؟ لا أقول هذه المعلومة من أجل الجائزة، أبداً، على الإطلاق، يكفيني شرفاً ما حظيتُ به من شهادات وتكريمات وجوائز في عالمنا العربي الحبيب إلى قلبي.
ما الذي تمنحه "المونودراما" للمسرح والممثل ولا يجده في العروض الجماعية؟
نحن في المونودراما وببساطة نستطيع أن نقول ما لم نقوله في العروض الأخرى، وما لا يُقال فيها ولا خارجها، وذلك عائد إلى الطبيعة الاستثنائية لهذا النوع من المسرح.. في الوحشة الروحية التي تعاني منها الشخصية في المونودراما، يندلق الخبيء، ونُطلق العنان لاستحضار النائي، القصيّ، المسكوت عنه، ولا تجد الروح المعذبة مخرجاً من عذاب عجزها المميت، إلا هذه الوسيلة للتخفيف قدر الإمكان من ألم الاغتراب المُمض وانعدام التواصل المخيف والمأساوي كبديل للانتحار.
.jpeg)
كيف تشكلت بواكير الفكرة لديك لخوض هذه التجربة المنفردة؟ وكيف استقبل الوسط المسرحي هذا الطرح حينها؟
كان هذا النوع المسرحي يتجاذب مخيلتي بين الحين والآخر، وكلما اتسعت دائرة معرفتي بالمسرح كان السؤال يَلحّ: ألا يستطيع المسرحي أن ينتج مشروعه الفني بمفرده كالشاعر والرسام والروائي والعازف المنفرد؟
في ذلك الوقت كان السؤال يبدو إثماً أو جناية! لأن مجرد طرحه بصوت مرتفع يعني أنني أهدم الركن الأساسي الذي يقوم عليه المسرح بوصفه عملاً جماعياً!! كان مجرد الحديث أو مناقشة هذه الفكرة كأنه ضرب من الخروج على أحد نواميس الطبيعة، ولم أكن أمتلك الجرأة وقتذاك لطرح المسألة علناً لكنها كانت تنمو في عقلي تدريجياً على مدار السنوات السابقة للتجربة، وما رافقها من تجارب قمت بها، قريبة الشبه بالمونودراما مثل "الغرباء لا يشربون القهوة" و"قصة حديقة الحيوان" وغيرها.. وظل الأمر هكذا حتى عام 1985 حين ظهرت إلى النور أول تجربة مونودرامية خالصة متكاملة تحمل توقيع ممدوح عدوان كاتباً وزيناتي قدسية مخرجاً وممثلاً.
ولو لم أَتَصَدَّ للمونودراما كان سَيَتَصَدَّى إليها غيري بكل تأكيد... فالفنان المبدع هو ابن بيئته ومجتمعه، يتأثر ويؤثر بكل ما يجري حوله "أو هكذا يفترض" وبصرف النظر عما يفكر به شريك تجربتي المرحوم ممدوح عدوان أو أنا، أو ما يفكر به أي فنان آخر، فإن كل تجربة أو تجارب لا تأتي هكذا من فراغ.. هناك متغيرات في الواقع المعاش، تبدلات اجتماعية جديدة في المراحل المتعاقبة والمختلفة، تنتج فيها الثقافة بمعناها الواسع أشكالاً وتيارات وتجارب تنهض من احتياج اجتماعي إنساني يَنْشد التعبير عن مضامينه بهذا الشكل أو ذاك، ولا بُدّ أن يقع عبء المبادرة على عاتق أحد ما.
ما هي التحولات والمحطات التي دفعت باتجاه ولادة هذا النوع المسرحي في سوريا والعالم العربي؟
في مطلع الثمانينيات كان المشهد المسرحي في سوريا والبلاد العربية يعاني من إرباكات على مستوى انحسار الجمهور، وفشل التجارب الجماعية المتكرر، والاندفاعات السريعة للممثلين والكتّاب باتجاه بوابة التلفزيون، إضافة إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتردية، ثم حرب 1982م واحتلال بيروت وما تلاها من أحداث، وتشديد الخناق على حركة "المسرح الاحتفالي" التي انطلقت من المغرب، والتشظيات المريعة التي حدثت في بلادنا عموماً، كل هذه التحولات وغيرها، شكلت باعتقادي دافعاً قوياً لظهور المونودراما وبقوة...
ففي سوريا كانت مسرحية "حال الدنيا" بمثابة القنبلة التي تفجرت في سكون المشهد المسرحي كما وصفها بعض النُقّاد، وما بين مُشَجِّع ومتحمس وداعم مقابل معارض ومستهجن ومُحبِط، قدّمنا "القيامة" التي لاقت نجاحاً باهراً على المستويين الشعبي والنخبوي، وحققت سمعة عربية واسعة، اتسعت على إثرها دائرة الجمهور المتابع، وتوالت العروض، وتدفق الآلاف لمشاهدتها في دمشق وغيرها.. هذه حقيقة مثبتة ويعرفها الجميع.. ولو طُرِحَ سؤال "جدوى وأهمية وضرورة المونودراما؟"، لَوَجَدَ السائلُ إجابةً شافية عند الجمهور...
عام 1985م قلتُ لأحد الإعلاميين، وكان يتابع تدريبات "حال الدنيا": في هذه المغامرة؛ أردت باختياري أن أكون كبش فداء، وأمامي احتمالان: إما أن أحمل أمتعتي وأغضّ النظر عن هذا الاتجاه لأنني فتحتُ باباً خلفه جحيم واصطلي به وحدي، أو فتحتُ باباً يَلِجُهُ عشاق المغامرة لنصل معاً إلى عوالم مسرحية جديدة ممتعة في جانبيها الفني والفكرِيّ..
وفي عام 1992م بعد الإنجاز المونودرامي السابع قلتُ له: ستستقر المونودراما وتَحتَلّ مساحاتٍ أوسع على خارطة المسرح في عالمنا العربي، والآن وبعد أربعين عاماً من استمراري في التجربة، تلاحظ حضرتك كيف اندلعت المونودراما كالنار في الهشيم في كل أرجاء العالم العربي ويُقام لها مهرجانات كبيرة في معظم العواصم وحتى المدن العربية وهذا ما يؤكد صدق توقعاتي.
.jpeg)
هناك من يصف المونودراما بأنها "فن طارئ" أو اختراع أوروبي دخيل على مسرحنا العربي، ما تعليقك؟
المسرح في عالمنا العربي، كصيغة وكنموذج، حمله إلينا مارون النقاش من الدول "الأوروبية" كما هو معلوم.. أما ما يتعلق بالمونودراما فقد قيل فيها كلام وأحكام كثيرة معظمها يفتقر إلى المعرفة والدقة. وهناك أقلام كتبت عن المونودراما "منذ العرض الأول" بأسلوب ينضح بالعدائية المفرطة والثأرية وكأن المونودراما ارتكبت خيانة بحقهم، أو قتلت عزيزاً عليهم!!! كتبوا عن هذه "الغريبة الطارئة" كخبراء يعرفونها منذ مئات السنين! ومطلعون على كل تفاصيلها وخفاياها! كما لو كانت رغيف خبز أو شربة ماء يتعاطونها يومياً! ويؤكدون في الوقت نفسه أنها نقطة سوداء على خارطة المسرح في عالمنا العربي!! مفارقة مضحكة!!!
على كل حال، المونودراما، نص الشخصية الواحدة المنفردة، ليست اختراعاً أوروبياً خالصاً كما ادعى البعض. هي حديثة العهد في عالمنا العربي بصيغتها ومناخاتها الحالية، وهذا صحيح.. لكن جذورها الحقيقية تضرب عميقاً في تربتنا الثقافية وذاكرتنا الجمعية ووجداننا العربي قبل أن يتعرف عليها الأوروبيون بمئات السنين.. بصرف النظر عن اختلاف القوالب وأشكال وصيغ الخطاب "سوق عكاظ، الخطيب، الراوي، الحكّاء، الحكواتي". ولأن المجال لا يتسع لمناقشة هذه المسائل بالتفصيل، يكفي أن أشير فقط إلى أن "ابن المغازلي" هذا الفنان العربي الأصيل الذي عاش في نهاية القرن الثالث الهجري، كان يُقدّم عروضه المنفردة في حلقات عامة لأهل بغداد والمدن والبلاد المجاورة... "كان مُحاكياً بارعاً، وناقداً لاذعاً لشخصيات عصره في مجالات السياسة، والقضاء، والتجارة، والنحو، والشعر والأدب.. كان كما وصفه المسعودي في "مروج الذهب": "كان في غاية الحذق والحنكة، يُضحِك الثكالى ويُصبي الحكيم".. تأمل هذا الحكم النقدي الفريد من نوعه والذي يتمنى أن يحظى به أي ممثل معاصر اليوم..
في ذلك الزمن الموغل لم يكن شكسبير قد ولد بعد. في الغرب لم يكن لها وجود حتى مهّد لها عصر النهضة، ثم جاءت الثورة الفرنسية عام 1789م، لِتَتَعَزَّز والانعتاق من القيود التقليدية وولوج عوالم جديدة تتلاءم وتستجيب للأنساق التي خلقتها تلك الثورة وانعكاساتها على المجتمعات الأخرى.. ويحضرني في هذا السياق الممثل الألماني "جوهان برانديز" والذي قيل أنه من أشهر فناني هذا النوع من المسرح، وقد يكون أول من تَصَدَّى للمونودراما أواخر القرن الثامن عشر.. والحقيقة وعلى عكس ما قاله بعض الكُتّاب والنُقّاد العرب في شؤون المسرح" فإن الثورات والانتكاسات الوطنية أيضاً في أوروبا، والاندفاع الصناعي الهائل، والحروب الكونية والأهلية الطاحنة، والتي مَهَّدَت للهيمنة والاستهلاك وتشيييء الإنسان، إضافة للمنجزات الهامة في مجاليّ علم النفس والاجتماع، قد ساعدت الكُتّاب على الغوص عميقاً في أغوار النفس البشرية، كل هذه العوامل وغيرها فتحت الطريق واسعاً أمام هذا النوع من المسرح، والمسافة الزمنية طويلة بين سوق عكاظ وبين القرن الثامن عشر.
من خلال تجربتك الشخصية المكثفة، ما هي البنية الفنية والإخراجية التي تقوم عليها المونودراما لكي تنجح؟
ينبغي أن تنطلق من نقطة تأزّم قُصوى تُمليها ضرورة حتمية للفعل/الانفجار، وإذا كانت الأعمال التي تتوفّر على عدّة شخصيات تنطلق من حلقة هامّة في سلسلة حياة هؤلاء الناس، فإن المونودراما ينبغي أن تبدأ من هذه اللحظة أيضاً، ولكن من نقطة توتّر عالٍ جداً. من أدق اللحظات في حياة الشخصية وأكثرها تأزّماً، حيث يتوقف على هذه اللحظة كل ما سيأتي لاحقاً.
فالمونودراما برأيي نقيض البدايات الهادئة.. حدوث والتحام والإيقاع المميّت، وقد تبدو هذه اللحظة للبعض أنها منفصلة وخارجة عن سياق المنطق الدرامي الاعتيادي والمقبول.. أقول نعم، لابد أن تكون كذلك وإلا ستفقد المونودراما "كما أفهمها على الأقل" أحد المرتكزات الرئيسية لمبرر وجودها، فمن وظائفها الأساسية: الإمساك بتلابيب الأنساق النفسية المتناثرة واللامنطقية بمظهرها الخارجي، ثم العمل على إعادة تجميعها ووضعها في نسق نفسي واحد يُفضي إلى نتائج باهرة..وأعتقد أن هذه العملية من مآثر المونودراما.
يحتاج الممثل للتعبير عن الحالات المتنوعة والمتداخلة في المونودراما إلى مراقبة دقيقة وغير عادية، إلى تركيز استثنائي؛ أي خطأ في التقدير، أي تسرّع في اتخاذ القرار، أو مجرد سهو بسيط، سَيَترتّب على ذلك تدمير كل شيء، تدمير العرض المسرحي.

قضية "الريادة في المونودراما" أثارت نقاشات متعددة..كيف تنظر لمفهوم الريادة؟
عن مسألة الريادة.. الكاتب المسرحي والمخرج والباحث الراحل فرحان بلبل، قال في مقدمته لكتاب "القابض على الجمر" من ضمن ما قال: "لقد خطّ قدسية خطّاً فنياً سرعان ما أثبت وجوده وحضوره، ومنذ بداياته كان لديه اتّجاه مسرحي جديد ومُتجدّد.. فحوّل هذا الفن الطارئ "المونودراما" في المسرح العربي إلى نوع أصيل فيه..."
نعم هذا صحيح. ولكن هذا شيء وحق الريادة شيء آخر، أنا لا أعتبر نفسي رائداً للمونودراما، ولا أفكر في هذا الأمر، هناك فنانون سبقوني زمنياً في هذا المضمار، وعلى رأسهم صديقي المبدع الفنان المغربي عبد الحق الزروالي، الذي بدأ تجربته في المونودراما منذ عام 68/1969م، ولا يزال يعمل إلى الآن. لكن الإعلام العربي لم يسلّط عليه الضوء كما ينبغي لتعميم تجربته عربياً!! وهناك فنانون مرموقون عرب قدّموا في بلادهم تجارب مونودرامية في غاية الأهمية، لكن معظمهم قدّم عملاً أو عملين أو ثلاثة على أبعد تقدير ثم توقف! فإذا كانت الريادة مرتبطة بالعامل الزمني حتى لو اقتصرت على عمل أو عملين، فلكل من هؤلاء المبدعين حق الريادة في بلده..نعم لهم حق الريادة. ولكنني وبتواضع أحتفظ بحقي في "السيادة"..وأترك التعليق للمنصفين وأصحاب كلمة الحق.
كيف تصف حالة المونودراما اليوم وسط هذا الانتشار العربي المكثّف والمهرجانات المتعددة؟
المونودراما ليست بصحة جيدة. والذين يظنون أنها بعافية بدليل حضورها وانتشارها الواسع فهم على خطأ..المونودراما أشبَه بامرأة جميلة من حيث مظهرها الخارجي "ثياباً ومكياجاً وأكسسوار" لكنها من الداخل تعاني من عدّة أمراض...
في تجربتي "وربما في تجارب الآخرين" اكتشفتُ خلال أربعين عاماً من الاشتباك مع المونودراما، أنني أمام إشكاليات عِدّة، إشكاليات أساسية ومُعقّدة لم أستطع أن أجد لها حلولاً حتى هذه اللحظة؛ ولأن الوقت لا يتّسع لطرحها بالتفصيل الآن، أتمنّى أن يُخصّص لهذا الموضوع ندوات تُناقش ما للمونودراما وما عليها..وتُطرح هذه المشكلات بوضوح على بساط البحث، علّنا نجد لها حلولاً تمكّننا من السير خطوات إلى الأمام.
.jpeg)
ماذا عن دور الثقافة والمثقفين والمسرح من منظورك العام؟
اسمح لي أولاً أن نميّز بين نوعين من الثقافة والمثقفين كمدخل للحديث عن سؤال ودور ووظيفة المسرح؛ فَعَبر المسار التاريخي تتشكّل في حياة البشر ثقافتان: ثقافة وطنية شعبية تنتمي للحياة بمعناها وبعدها الإنساني الرحب، وهي مُرادف للحركة وسلوك ونشاط الإنسان، وسعيه الدائم في الوجدان، هي الذاكرة الجمعية، ورصيد الخبرة البشرية وزبدة التاريخ الإنساني؛ وثقافة أخرى تقف على النقيض وتحمل على تدمير قيم الثقافة الشعبية الوطنية، كي تبني لنفسها صرحاً ظلامياً على أنقاض الثقافة الإنسانية الناصعة.
وعبر المسار التاريخي كان الصراع ولا يزال محتدماً بين هاتين الثقافتين:
الثقافة الوطنية التي تستنهض من الماضي ما هو حيٌّ ومُتوهّج وعفوي، وتنتفع من مخزون الخبرات والقيم الشعبية، وتفتح بوابات الإبتكار والإبداع والإضافة من أجل إطلاق كل الطاقات البشرية...
وثقافة أخرى مسلّطة كحَدّ السيف، زائفة، مفسدة، قامعة لفعل النهوض والتحرر. وتحمل على استنبات ما يرسّخ التبعية للآخر/المتفوّق، وتستنهض من الماضي أشباحاً موتورة تَقْبض أنفاسنا وتنشُب أظافرها لتمزيق اِرواحنَا...
صراع حادّ بين بشر ينتمون لأنفسهم، وآخرون يعملون على تهشيم الكرامة وثلم الشرف الإنساني، وتفريغ البشر من مضامينهم الآدمية... صراع بين مثقف / مسرحي مبدع، مندمج كلياً في قضايا وهموم وأفراح وآلام أمّته ووطنه، ومثقف مهزوم مستَلَب ومُصنّع عبر أنابيب اختبار المؤسسات الثقافية النقيضة...
من هذا التمايز يتجلّى دور المثقف المسرحي الوطني في الدفاع عن ثقافة أمّته، التي تمثل الركن الأساسي في حياته وتكوينه كإنسان.
والمسرح، ودون اللجوء إلى التعابير والمفاهيم والمصطلحات المعقدة والمتعالية، ودون تحميله وظائف ومهمّات تعجيزية ومستحيلة، هو واحد من أسلحة الثقافة المتعددة، وربما يكون أكثر مضاءً وفاعلية من غيره، بحكم طبيعته الصداميّة المباشرة.
وبمقدار حريّة وحصانة هذا الموقع، وثبات المرابطين فيه، وتدبيرهم المحكم والواعي باتجاه الهدف المنشود، بهذا المقدار تكمن أهمية المسرح ودوره في إنعاش الذاكرة وتنشيطها، وتحريك الوجدان، واستنهاض الذائقة الجمالية والمعرفية، وتحفيز المجموعات البشرية للدخول الواعي في قابليات الازدهار الإنساني. المسرح واحدة من أهم البوابات التي نُطلُّ من خلالها على ذواتنا دون خجل أو تردد، لنكتشف مساحات الجمال فنياً، ومواطن القُبح أيضاً.
.jpeg)
بعد مسيرة قاربت الستين عاماً على الخشبة.. ماذا تقول عنها وأين أنت الآن؟
خلال الستين عاماً حاولتُ خلالها أن أُمسك بتلابيب هذا الفن الصعب والمعقد. وبعد كل هذه السنوات لا أستطيع الإدعاء بأنني أفلحتُ في تحقيق ما أصبو إليه!
لكن، ومنذ وقت مبكّر أدركتُ أنني مقبلٌ على خوض معركة شرسةٍ قد تطول، ومع مرور الزمن واشتداد هذه المعركة أدركتُ أكثر أن المسرح قضية كبرى وتحتاج إلى رجال على مقاسها.
ومن الحقائق التي تعلّمتُها على مدى هذه المسيرة: لكي نكون قادرين على رسم دقيق لنبض قلب الحياة، يجب أن تكون حواسُنا مرهفة إلى الحد الذي يجعلنا مُؤَهَّلين وقادرين بامتياز على التقاط صوت الضرورة الداخلية ليصبح ما يتم إدراكه في الخفاء، قابلاً للرؤية....
لم أضع خطّاً لنهاية الشوط، أنا والحمد لله ما زلتُ قادراً على الوقوف على خشبة المسرح وهذه نعمة من رب العالمين. وما زلتُ متمسكاً بالحكمة المتمثلة بالحديث الشريف: «إنّ اللهَ يحبُّ إذا عَمِلَ أحدُكُم عَمَلاً أنْ يُتقِنَه».. ما زلتُ أمشي.. وأقطع المسافات.. بعون وفضل الله سبحانه.
.jpeg)

.jpeg)
