يعنى بالنصوص الشعرية والادبية
أفق /شاعرة عراقية
كَيْفَ أَنْسَاكَ!
كَيْفَ أَنْسَاكَ؟ قُلْ لِي.
أَرْجُوكَ، عَلِّمْنِي كَيْفَ أَنْسَاكَ؛
كَيْ أَعْرِفَ العَيْشَ بِلَاكَ.. فَمَنْ أَنْتَ؟
أَنْتَ كُنْتَ السَّنَدَ الَّذِي أَتَّكِئُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَبِي،
وَالضَّحْكَةَ الَّتِي رُسِمَتْ عَلَى مَبْسَمِي،
وَالْحَنَانَ الَّذِي أَدْفَأَ شِتَاءَ غُرْبَتِي القَارِسَ.
كُنْتَ نَبْضَ قَلْبِي الأَزَلِيَّ،
وَمَا زِلْتَ حُبِّي السَّرْمَدِيَّ،
فَمَكَانُكَ فِي رُوحِي أَبَدِيٌّ.
لَنْ تَطْوِيَ ذِكْرَاكَ السُّنُونُ؛
إِنْ خَانَتْنِي الذَّاكِرَةُ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ،
فَرَائِحَتُكَ قَابِعَةٌ فِي أَنْفِي،
كَنَسْمَةٍ عَلِيلَةٍ تَهُزُّ زَهْرَةَ مُخَيَّلَتِي؛
لِتَسْقُطَ دَمْعَتِي عَلَى خَدِّي كَجَمْرَةٍ تَحْرِقُ فُؤَادِي.
صَوْتُكَ يُنَادِينِي كَأَصْدَاءِ أَجْرَاسٍ مُوسِيقِيَّةٍ هَادِئَةٍ،
عَلَى مَهْدِ رَضِيعٍ؛ لِتُسْكِتَ نَحِيبَهُ.
يَدُكَ الحَانِيَةُ كَانَتْ تُرَبِّتُ عَلَى أَكْتَافِي،
كَوِشَاحٍ يَلُفُّ أَحْزَانِي العَارِيَةَ.
كُنْتَ مِرْآتِي الَّتِي تَعْكِسُ سَعَادَتِي،
وَكُنْتُ ظِلَّكَ الَّذِي لَا يُفَارِقُ جَسَدَكَ.
ذَهَبْتَ بِلَا عَوْدَةٍ،
مَضَيْتَ بِلَا رَجْعَةٍ،
نَأَيْتَ عَنِّي،
اسْتَأْثَرَتْ بِكَ الأَرْضُ،
بَقِيتُ فَقَطْ ظِلًّا وَحِيدًا مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ.
مِتُّ مَعَكَ، وَمِتُّ بَعْدَكَ،
وَمَا زِلْتُ أَمُوتُ فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ.
كُلَّمَا طَارَدَتْنِي الخَيْبَاتُ،
أَصْبَحَ فِقْدَانُكَ كَصَفْعَةٍ لِلرُّوحِ،
تَصْفَعُنِي بِهَا الحَيَاةُ.
تَهَشَّمَتْ رُوحِي بِفِرَاقِكَ وَسُحِقَتْ،
ثُمَّ أُلْقِيَتْ فِي وَادٍ سَحِيقٍ.
وَطْأَةُ الصَّدْمَةِ كَهَدْمِ مَعْبَدٍ فِي قِمَّةِ الجَبَلِ،
هَوَى عَلَى الأَرْضِ كَصَخْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَا بَرَاحَ فِي الأَرْضِ يَسَعُنِي،
وَلَا بَشَرٌ يُعَوِّضُنِي.
آهٍ، ثُمَّ آهٍ، ثُمَّ آهٍ مِنْكَ!
قَتَلْتَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتُ أُلَمْلِمُ أَشْلَاءَ رُوحِي،
وَأَنَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَمَدٌ بَعِيدٌ؛
حَيْثُ العَجْزُ كَعَجْزِ طَائِرٍ مَبْتُورٍ جَنَاحَاهُ،
لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَمُوتُ، وَلَا كَيْفَ يَعُودُ لِعُشِّهِ.
فِرَاقِي أَوَّلَ مَرَّةٍ عَنْكَ كَانَ عَنْوَةً؛
طِفْلَةٌ مَسْلُوبَةُ الإِرَادَةِ، بَقِيَتْ صَنَمًا وَاقِفَةً،
تَجَمَّدَتْ فِي مُقْلَتَيْهَا العَبَرَاتُ.
وَفِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ، مَوْتُكَ بِلَا وَدَاعٍ وَلَا إِخْطَارٍ؛
كَانَتْ صَدْمَةُ فِرَاقِكَ كَصَرْخَةٍ صَامِتَةٍ،
كَإِعْصَارٍ ثَابِتٍ يَعْصِفُ بِأَمْوَاجِ دَمِي المُتَلَاطِمَةِ،
كَبُرْكَانٍ ثَائِرٍ يُحْرِقُ قَلْبِي،
كَفَأْسٍ يَقْتَلِعُ جُذُورَ صَبْرِي،
كَسِهَامِ غَدْرٍ ثَاقِبَةٍ...
فَسَقَطْتُ جَاثِيَةً.
أَمَّا الثَّالِثَةُ، فَانْتَظَرْتُكَ بَقِيَّةَ عُمْرِي؛
كُلَّ لَيْلَةٍ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ تَزُورَنِي، فَلَمْ تَزُرْنِي.
وَفِي لَيْلَةٍ كُنْتُ مَكْسُورَةً مَخْذُولَةً،
لَمْ أَكُنْ أَنْتَظِرُكَ.. خُنْتُ أَمَلِي بِانْتِظَارِكَ،
لَكِنَّكَ زُرْتَنِي... نَعَمْ، زُرْتَنِي.
كَانَتْ لَيْلَةَ زِيَارَةٍ يَتِيمَةٍ، فَأَحْيَيْتَنِي مِنْ جَدِيدٍ،
جَمَعْتَ شَعَثِي، وَضَمَّدْتَ جِرَاحِي النَّازِفَةَ.
قُدُومُكَ كَالشَّمْسِ الدَّافِئَةِ بَعْدَ الثُّلُوجِ،
لَكِنْ سُرْعَانَ مَا فَارَقْتَنِي كَسَرَابٍ فِي صَحْرَاءِ عُزْلَتِي القَاحِلَةِ.
حَتَّى فِي الحُلْمِ، فِرَاقُكَ مُوجِعٌ...
مُوجِعٌ حَدَّ التَّبَلُّدِ.
كُنْتَ كَمَا أَنْتَ، طَيِّبًا رَحِيمًا،
لَمْ يَهُنْ عَلَيْكَ انْكِسَارِي وَخِذْلَانِي،
مَدَدْتَ يَدَكَ لِتَأْخُذَنِي مَعَكَ، فَرَافَقْتُكَ،
لَكِنْ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ فِرَاقُكَ، كَأَنَّهُ بَصْمَةُ إِبْهَامٍ؛
فَهِيَ عَلَامَةٌ فَارِقَةٌ.
أَصْبَحَ لِقَاؤُنَا كَلِقَاءِ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ،
وَالشَّمْسِ بِالقَمَرِ،
وَالصَّيْفِ بِالشِّتَاءِ.
لَا يَأْسَ فِي الحُبِّ؛
قَدْ حَانَ دَوْرُكَ بِالِانْتِظَارِ كَمَا كُنْتُ أَنْتَظِرُكَ،
سَتَنْتَظِرُنِي، فَلَنَا مَوْعِدُ لِقَاءٍ حَيْثُ البَقَاءُ.
سَنُوجَدُ مِنَ العَدَمِ،
وَسَيَلْتَقِي الظِّلُّ بِالجَسَدِ، وَالرُّوحُ بِالرُّوحِ.
سَتُذْرَفُ دُمُوعُ الفَرَحِ كَقَطَرَاتِ مَطَرٍ،
سَتَتَسَاقَطُ كَحَبَّاتِ لُؤْلُؤٍ مِنَ الصَّدَفِ.
سَتَشْدُو الطُّيُورُ، وَتُغَرِّدُ البَلَابِلُ فَوْقَ الشَّجَرِ،
سَتَنْمُو مِنْ جَدِيدٍ الأَجْنِحَةُ المَبْتُورَةُ، وَسَتَكْتَمِلُ الصُّورَةُ.
سَتُرْوَى طَعْنَةُ الحَنِينِ كَقِصَّةٍ تُخَلِّدُهَا السُّنُونُ،
وَسَتُطْوَى صَفْحَةُ الفِرَاقِ،
لِيَحْتَضِنَ اللَّيْلُ النَّهَارَ.
فَلَيْتَكَ تَعْلَمُ مَنْ تَكُونُ...
أَنْتَ طُمَأْنِينَتِي وَسَلَامِي،
أَنْتَ أَمَانِيَّ وَأُمْنِيَاتِي.
سَتَبْقَى ذِكْرَاكَ نِبْرَاسًا يُضِيءُ حَلْكَةَ لَيْلِ وَحْدَتِي الدَّامِسَةِ،
سَيَبْقَى مَكَانُكَ خَالِيًا،
وَحُبُّكَ بَاقٍ.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي