loader
MaskImg

ديوان نخيل

يعنى بالنصوص الشعرية والادبية

الحسين و "حج أهل الحقيقة" من ميقاتِ الشهود إلى مِنى الشهادة

breakLine
2026-06-26

 

علي رضا حائري/ كاتب ومترجم عراقي

 

وهكذا تلتقي أصوات الشعراء، على اختلاف عصورهم ومشاربهم، عند صورة واحدة: أن كربلاء لم تكن نهاية طريق الحسين عليه السلام، بل كانت منزل الوفاء الأخير في حجٍّ بدأ يوم "ألست". فمن ميقات الشهود انطلقت التلبية، وفي عرفات المعرفة اشتد الشوق، وفي مِنى كربلاء الشهادة قُدِّم القربان الأعظم، فكان عاشوراء عيد الوفاء بالعهد الإلهي، كما كان يوم الحزن الأكبر على أهل الأرض.

▪️ تقديم :

ما حجُّ أهل الحقيقة نسكًا تحدُّه المواقيت ولا رحلةً تنقضي بانقضاء الأعمال، ولا بقطع المنازل، بل هو سفرٌ بدأ يوم انبثق فجرُ الأرواح من أفق الأزل، حين صدع النداء الربوبي في عالم الغيب: ﴿ألستُ بربكم﴾، فاهتزت هياكل الممكنات في أجداث العدم لسطوة ذلك الخطاب، فقامتْ من لحد الإمكان وأجابت من أعماق فقرها: «بلى».
ومنذ تلك التلبية الأولى انتظم ركبُ العاشقين في طريق العبودية، يقطعون مفاوز الشوق، ويقفون في عرفات المعرفة، ويبيتون في مزدلفة القرب، و بما أن الغايات هي الرجوع إلى البدايات، فسوف ينتهوا إلى منى الشهادة،حيث تُنحر نفوسهم قربانًا في سبيل محبوبهم، ويبلغ حجُّهم غايته التي كُتبت لهم في صحيفة العهد الأول.
وفي هذه الكلمات نتتبع فيها أجلى مظاهر ذلك الحج الباطني، مستشهدين بصور شعرية من الأدب الفارسي، توضح بعض منازل  ذلك الحج المعنوي؛ من ميقات الشهود إلى مِنى الشهادة، وهي الحجة الأخيرة للإمام الحسين (عليه السلام) برفقة أهل بيتهِ،حيث مثَّل الإمام الشهيد مسيرة الخلق التي هي -بوصف الشيخ جوادي الآملي- إنطلاقة كل الموجودات من الله و خاتمتها ورجوعها و أعمالها بالرجوع إليه، والذي عبّر عنهُ في مواطن عديدة خاصة تلك التي اضطر فيها لمغادرة الحرم المكي قبل إتمام مناسك الحج بسبب مخافة هتك حرمة الحرم بمحاولة إغتيالهِ، منها تلك المحاورة بينهُ وبين ولدهِ علي حيث ينقل المجلسي في البحار عن عقبة بن سمعان أنه قال : فسرنا معه ساعة [ أي الإمام الحسين]، فخفق عليه السلام وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين"  ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: مم حمدت الله واسترجعت؟ قال: يا بني إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول :
القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال له: يا أبتِ لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والله الذي مرجع العباد إليه، فقال: فإننا إذا ما نبالي أن نموت محقين، فقال له الحسين عليه السلام: جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده....

وللشاعر جودي الخراساني تصوير جميل لهذا الموقف ما معناه :
"فلتبقَ أنظارنا متوجهة نحو كعبة المقصود، كي تتحق أُمنياتنا هناك
فلا شيء يشغل بالنا قيد شعرة إلا الحبيب،
وعلى هذا تشهد كل شَعرة فينا
لقد بذرنا حَبَّاً سنأُكل ثمره بعد حين،
إذ سيرويه الزمان من دماء حناجرنا
وقد سِرنا في طريق تُلاحقنا فيه الرماح والسهام والنبال
وتوجهنا لديارٍ لا نرى أمامنا إليها إلا أجلنا في كل حين
إننا نُقيم في مقام أضحى ثراه مسجداً لكل الكائنات.."

▪️الطريق إلى مِنى كربلاء، مِنى الشهادة :
ولما كانت ذروةُ مناسك الحج في منى حيث تُراق دماءُ القرابين وفاءً لأمر الله، فإن للحسين (عليه السلام )منىً أخرى سبقها إليها بعهدٍ قطعه في الأزل يوم أجاب نداءَ الحق. فما كانت شهادته في كربلاء حادثةً منفصلةً عن ذلك الميثاق الأول، بل كانت وفاءً بعهدٍ قديم وتمامَ تلبيةٍ بدأت يوم «ألست». ومن هنا رأى الشعراء في مسيره إلى الشهادة حجًّا من نوعٍ آخر؛ يبدأ من ميقات الشهود وينتهي في منى الفداء،حيث قُدِّم أعظم قربانٍ في سبيل الله، ألا وهي نفسهُ و أهل بيته.

فيصّوِر نيّر التبريزي هذهِ الحالة بأبيات من مراثي (آتشكده) :
أهلُ السرِّ من حُجّاج كعبةِ اللقاء بالربِّ
أطلقوا شفاههم جميعًا بالتلبية
ومن ميقات الشوق ساقوا إلى مذبح القربان
هَدْيَ أرواحهم،كما تُساق الإبلُ المهيأة للنحر

ثم كأَن الحجاب قد رفع عن أذنهُ البرزخية فأخذ يسمع تلك التلبيات التي انطلقت من الإمام الشهيد و هو في طريقهِ إلى مِنى كربلاء، مِنى الشهادة، و التي يتردد صداها مدى الدهر بين أرجاء هذا الفلك فيقول في ديوان الآلئ المنظومة :

محبوبي هو الله، لبيك لبيك
ومطلوبي هو الله، لبيك لبيك
وإن كنتُ منذ الأزل منفردًا فريدًا،
فهذا الجسد قد أسلم نفسه لحكم القضاء،
وقد وقفتُ في موضع زقاق البلاء،
محبوبي هو الله، لبيك لبيك. 
ما دام في الوجود نَفَسٌ من هوى العشق،
فلا خوف من سيف الجفاء وحدِّه القاطع،
إذ إن منزلتي عند سنان الرمح،
محبوبي هو الله  لبيك لبيك
إنه العهد الذي كان يوم «ألستُ»،
وقد حملتُه وحملتُ على عاتقي اثنين وسبعين رأسًا
وجئتُ بهم قربانًا إلى ساحة الوفاء،
محبوبي هو الله، لبيك لبيك
ولو أمطرت سحابة البلاء إلى يوم المحشر سهامًا وخناجر باسم العشق،
فهذا حلقُ الأصغر وهذا جسدُ الأكبر،
محبوبي هو الله، لبيك لبيك
انظر إلى زينبنا ودموعها وزفراتها،
وإلى ثوبها بين جموع الأعداء،
اللهم اغفر ذنوب هذه الأمة
محبوبي هو الله، لبيك لبيك
أنتَ وحدك المقصود يا من لا يحتاج إلى أحد،
وإن عزم الأعداء على قتلي،
فها هو الرأس وها هو الميدان،
فأي حاجة بعدُ إلى الخنجر
محبوبي هو الله، لبيك لبيك.

وأما الشاعر تركي الشيرازي فيرى الإمام وكأنه يمسك بعنان هدي نفسهِ -التي تطاوعهِ على الذبح- في مِنى كربلاء لكي يبلغ كمالهُ والذي هو عيدهُ الحقيقي، فعيدُ كل ذات هو بلوغها ذروة الكمال، فيقول على لسان حال الإمام : 
حلَّ عيدُ الأضحى، وحان أوانُ تقديم القربان
وهذه كعبةُ العشق، فلا بدَّ من حجٍّ روحيٍّ إليها
هلمَّ بنا نذبح أنفسنا في سبيل الحبيب
فإلى متى نُمسك بأرواحنا ونضنُّ بها في هذا العالم؟

وإذ تختلف القصائد الشعرية في تصوير موعد هذا العهد فمنها ما يظهر منهُ جليًا أنهُ كان في عالم الذر كما في قصائد صامت البروجردي ونيّر التبريزي و وفائي الششتري ومنهم من يصورهُ و كأنه قد أبرم في يوم مولد الإمام الحسين (عليه السلام) كما عند الملا احمد النراقي في مثنوي "طاقديس" ولكن يمكن الجمع بينهما بوجه يرفع التناقض وهي بأن ما حدث في يوم مولدهِ هو تذكير للعهد.

فيخط صامت البروجردي قصيدة جليلةً توضح ذلك المشهد المهيب حيث قول في كتاب (المراثي و المصائب :ف ٣٤)

[ في عالم الذرّ، حين كانت ذرات الوجود مجتمعةً كلها في حضرة العلم الإلهي، ظهرت حقائق الكائنات في مرآة علم الله، ومن خمر «ألستُ بربكم» التي ناولها الساقي الباقي ـ وهو الحق تعالى ـ امتلأت الأرواح بالنشوة، واشتعلت الرؤوس شوقًا من سُكر ذلك الشراب الروحي. وكانت كل طائفة، بحسب سعتها وقابليتها، ترتشف من كأس البلاء بقلبٍ عاشقٍ ولهان. ولم تنقص قطرة واحدة ولم تزد من ذلك الشراب، فقد تحقق مراد الله في تلك المرحلة على الوجه الذي أراده منذ الأزل. وكان الحق تعالى يطلب سببًا لمغفرة خلقه، لأن هذه الحكمة كانت هي الثمرة الأساسية من خلق هذا العالم. فقال للكافر: لك نار جهنم مأوى، وقال للمؤمن: ولك الجنة دار القرار. ثم وجّه نداءه إلى الأرواح الكريمة، إلى أصحاب الهمم العالية:
إن كثيرًا من خلقي ـ من أهل الإيمان وعبادي ـ سيقعون في الذنوب والمعاصي، وسيُلطّخون بها ويُفتضحون.فهل فيكم من يشتري هؤلاء الخلائق، فيتحمل عنهم تبعات ذنوبهم، فلا يحترقوا بعذاب الآخرة؟فسكتت جميع الذرات، ولم تجب بلا ولا نعم، وتنصّل كل واحد منها عن تحمّل هذا المقام العظيم.وعمّ الهمس والاضطراب تلك الساحة الوجودية، وارتفع الضجيج في جميع الذرات.فلما رأى الله أن عالمي الوجود قد ألقيا ترس العجز وتراجعا، نهض ابن الزهراء، وشدّ حزام الرجولة.ذلك الجوهرة النفيسة، ابن أسد الله علي، وشفيع الأمة، الكامن في صدفة فاطمة الصدّيقة الكبرى.فتقدّم ليشتري مجموعة الخلائق كلها، وأمال قامته الشامخة خضوعًا بين يدي الواحد الأحد.وطلب من الله أن يجعل عملته مقبولةً في سوق الشفاعة، وأن يمنحه هذا المقام العظيم.
فقال الله تعالى: ماذا تملك؟ وما الذي جئت به ليكون رأس مالك في سوق المحبة والتجارة معنا؟
فأجاب الملك العظيم ـ بروح التسليم والرضا، بقلبه ولسانه : العبدُ وما في يده كان لمولاه .]

و تمام هذهِ الصورة الشعرية نجدها في مثنوي (طاقديس: ٢٣٣) للنراقي حيث يصور حالة الإمام الشهيد في يوم ولادتهِ-بمحادثة من لوح الغيب و ألوان الخيال- وهو يطلب من الله في محضر النبي الأكرم الشفاعة للأمة و التي يكون ثمنها دمهُ الشريف وقبول الله لهذا العرض :

[.. فلما سمع ذلك السبط الطاهر هذه البشارة، وضع وجهه على التراب شكرًا لله تعالى،ثم قام لأجل التعظيم والتمجيد والتضرّع، فأقام الصلاة لله، وانحنى راكعًا بين يديه فأشرق وجهه الذي كان كالبدر، ذلك الوجه الذي كانت النجوم والليالي كأنها تسجد لجماله، وتفتّح كزهرة نضرة،ومن شدة سروره وانبساط روحه، ازدهر ذلك الوجه الوردي، وقال مبتسمًا في حياء وخشوع:

من أكون أنا حتى يكون لي رأس أملك أمره، أو تكون لي روح أو جسد أتصرف فيهما؟ إن جسدي وروحي جميعًا تحت أمره وسلطانه، فإن كانا لائقين به، فليكونا قربانًا في سبيله،ولولا أن تقديم الروح له واجب المحبة، لبذلت روحي العزيزة هديةً وبشرى في سبيله.ولكن لي رجاء واحد من الله، وليس بعيدًا عن لطفه وكرمه أن يحققه،أن يأذن لي يوم القيامة أن أتكلم من أجل العصاة في ساحة المحشر،وأن أفتح لساني بالاعتذار عنهم،وأن أبادل ذنوبهم بعفو الله ومغفرته.وحين تُرفع الحجب عن ذلك الجمع العظيم في يوم الحساب، يُفتح لي باب الشفاعة وتمتد يدي بها.إنني أُضحي بنفسي فداءً للأمة؛ أبذل روحي، وأقوم بالشفاعة من أجلهم.

فجاء الوحي إلى النبي من الرب تعالى:
لقد أعطيناه ما طلبه منا وسنجعل ثمن أول قطرة من دمه شفاعةً،ياصاحب المقام الرفيع،ثم حدّد ذو الجلال موعد قربانه، وعيّن اليوم والشهر والسنة التي ستقع فيها تلك التضحية.فصارت كربلاء مِنى الحسين،وصار يوم عاشوراء عيدًا له.

فمن سمع في هذا العالم بعيدٍ كهذا؟ عيدٌ لقوم، ومأتم لقوم آخرين.أين العين التي تعرف حقيقة هذا الأمر، وتبصر سرَّه؟وأين القلب الذي يستطيع أن يدرك معنى الحزن والفرح معًا، فيعرف لمن كان المأتم، ولمن كانت البهجة والسرور؟ ]

تقوم خاتمة القصيدة على مفارقة عرفانية عميقة؛ فعاشوراء في الظاهر مأساة وفاجعة، لكنها في باطنها يوم وفاء بالعهد الإلهي، وبلوغ مقام القرب والرضوان، ولذلك اجتمع فيها الحزن والسرور، والعزاء والعيد كما سنشير إلى ذلك في قصيدة الششتري.

▪️ يوم عاشوراء .. يوم التذكير بالعهد :

وأما في ساحة المعركة و بعد أن إستبسل الإمام في القتال ذّكرهُ الله بعدهِ ولكن بين أيدينا قصيدتان الأولى للنّير التبريزي و التي تظهر الأمر الإلهي للإمام بالإستسلام للقضاء و القصيدة الثانية على النقيض تماماً لصامت البروجردي و التي-كأنها تبدو للناظر- تظهر بمظهر اللطف الإلهي حيث تجعلهُ مخيراً بين الوفاء بالعهد أو سلوك طريق السلامة،ولكن البصير يجد أن كلا الحالتين من مظاهر اللطف فليس اللطف مختصاً بمظهر الجمال فالجلال ينطوي على  لطفٍ خاصٍ أيضاًوأما في ساحة المعركة و بعد أن إستبسل الإمام في القتال ذّكرهُ الله بعدهِ ولكن بين أيدينا قصيدتان الأولى للنّير التبريزي و التي تظهر الأمر الإلهي للإمام بالإستسلام للقضاء و القصيدة الثانية على النقيض تماماً لصامت البروجردي و التي-كأنها تبدو للناظر- تظهر بمظهر اللطف الإلهي حيث تجعلهُ مخيراً بين الوفاء بالعهد أو سلوك طريق السلامة،ولكن البصير يجد أن كلا الحالتين من مظاهر اللطف فليس اللطف مختصاً بمظهر الجمال فالجلال ينطوي على  لطفٍ خاصٍ أيضاً...

فيقول نيّر في (آتشكده : ٢٣) :
[...كان الحسين، ذلك الملك الذي اتخذ العشق دينًا له، مشتدًّا في ساحة القتال، وهو الذي قد كُتبت له صحيفة العهد من قبل الأزل.فجاءه نداء من عالم الغيب، من وراء حُجُب الحضرة الإلهية:
يا حسين، يا نوح طوفان البلاء، هذا هو ذلك العهد الذي عاهدتَنا عليه، وهذا هو الموضع الموعود: كربلاء.إذا كنتَ قد أقبلت إلى هنا لتقاتل وتنتصر، فمن ذا الذي سيشتري البلاء ويتحمّل أعباءه في سبيلنا؟إذا كان هذا هو السيف، وهذه هي القوة وهذه هي السواعد، فمن الذي سيبذل يده وروحه في طريقنا؟وإذا كنتَ بهذه القدرة تهاجم الجيوش، فمن الذي سيهدي حياته قربانًا للمحبوب؟فانزل عن فرسك، أيها الملك الصادق فيالوفاء بالعهد، فإن بساط الكبرياء الإلهي ممدود من أجلك.إن محمدًا وعليًّا وفاطمة، ومعهم الحور جميعًا، ينتظرون قدومك.إن حريم الوصال بنا هو مأواك، وقد خُصِّص لك فيه مكانٌ لا يملؤه سواك.فخذ اللبّ واترك القشر، واترك عالم الظواهر، واشبع روحك بمشاهدة جمال الحبيب.ادخل إلى مقام القرب، فأنت الباقي بوجه الله، وأنت الغاية القصوى من سرّ الخلق والإيجاد.فلما سمع الحسين رسالة المحبوب من هاتفالغيب، كفّ يده عن مقاتلة الأعداء،وقال: حاشا لي أن أكون واهيًا في الوفاء بالعهد، فكل هذه الصراعات لم تكن إلا لأجلك،إن من عرفك فقد اغترب عن نفسه، بل إنك أنت وحدك الموجود؛ فإن كان في هذا البيت أحد، فهو أنت.إن عشقي لك ليس حديث اختيارٍ ومفاضلة، فالمسألة أبعد من الاختيار؛ إنها مسألة قرب الحبيب،فالعشق لا تحدّه الأسماء ولا تقيده السمعة أو الملامة؛ فالصلح والحرب، كلاهما من أجلك،إن صورة المرآة ليست إلا انعكاسًا، وليس لها حركة ولا سكون من ذاتها.وهذا الصراع الذي أخوضه ليس خروجًا عن العهد، وإنما أنا أجتهد في طلب قاتلي الذي سيحقق لي هذا الوعد.وإلا، فأنا أشدّ ظمأً إلى الموت في سبيلك من ظمأ العطشان إلى الماء؛ فلتنهمر عليّ السهام، ولتُصبّ على رأسي وابلًا..]


و يقول صامت في (الروايات و المصائب:٣٠)
[ وفجأةً،من حضرة الله الحيّ العظيم، هبطت صحيفة خضراء كُتبت حروفها بالذهب. فسقطت تلك الصحيفة المباركة من أفق السماء فوق قوس سرج ذو الجناح، فرس الفلاح والنجاة،ففتح ذلك النور الذي هو قرة عينَي الوجود الصحيفة، فرأى مكتوبًا فيها:
«عبدي يا حسين» إنّا لا نفرض على أحد تكليفًا شاقًا فوق طاقته.ها هو الطريق إلى الحجاز، وهذه أرض العراق؛ فأنت مخيّر في أمرك.إنّا لم نجعل الشهادة فرضًا عليك، وهذه الدنيا بأقطارها وممالكها كلها لك إن أردتها.مر الأرض أيها الروح الطاهرة، أن تبتلع أعداءك وتهلكهم.فإن الدنيا و الآخرة كلّهما لك أيها الممتحن في سبيلنا، فأقم حيث شئت بعزّة وكرامة.إن منزلتك عندنا أعظم من أن تنقص، ومقامك أسمى من أن يعتريه زوال أو نقصان،فأخذ سيد العطاشى يبكي وينتحب، واعتذر أمام الخطاب الإلهي قائلاً:
يا إلهي القديم الأزلي، إن بيني وبينك عهدًا معقودًا منذ يوم الأزل.سأبذل رأسي في طريقك وشفتي عطشى، وسأقدّم روحي تحت السيوف والخناجر.وفي سبيل محبتك سأنثر رأسي ودمائي، وأقدّم شبابي وأهل بيتي قرابين لك.لكي أفوز يوم القيامة بمقام الشهادة مقرونًا بمنزلةالشفاعة.أنا طائر العلو الذي يحلّق في أوج عرش العزّة، وأنا المعتذر والمدافع عن عصاة أمتي.لقد جئت طالبًا للشهادة،وجئت مشتريًا ذنوب الأمة لأتحمّل ثقلها..]

▪️ يوم الوفاء و عيد الشهادة :

وفي الختام نذكر قصيدتان تصوران المحاورات الأخيرة قبل العروج الملكوتي للإمام و التحلل من إحرام البدن و وصولهِ لكمالهِ و الذي هو عيدهِ،ولكن أيُّ عيدٍ هذا يغتم فيه الناسوتيين و يبهج له اللاهوتيين..!؟،صمتًاإنه من شأنه الغيب حيث لا تناقض هناك،فيمر على هذهِ المعضلة وفائي الششتري في قسم المراثي من ديوانهِ في (البند الثامن) و يقول : 
[ حين بلغ فارس ميدان العشق إلى يد البلاء، جاءه من المحبوب التهنئة والتحية والتبريك. فمن شدة السرور والصفاء، أسرع بخطوات الشوق، وكأنه يسعى بين مروة الوفاء وصفا المحبة حتى بلغ مقام الصفاء والوصال.فتجدّد ذكر العهد الأول وبلاء «ألست»، وجاءته البشرى بأن وقت الوفاء بالميثاق قد حان.

ولقد قيل له: بما أنك في الأزل اشتريتَنا بروحك، وجعلت نفسك فداءً لنا، فتعال الآن، فقد جاء وقت أداء الثمن الذي التزمت به.إنّا ثابتون على عهدنا، وصادقون في وعدنا، فأسرع بروحك إلينا، فقد جاء زمان اللقاء.

لقد سبق حبك كلَّ ما قدّرناه من البلاء، فامنح روحك برضا وسرور، فلن يصيبك مكروه ولا سوء.إنّا نحن فداؤك، ونحن جزاؤك، فسبحان من كان جزاؤه لعبده أن يجعل نفسه جزاءً له.

فتفتّحت براعم قلبه من الشوق كالأزهار، حين بلغته هذه النداءات من روضة الوفاء.فقدّم قربانًا وقف أمام عظمته مئات من الخليل إبراهيم مدهوشين، إذ إن خليل كعبة القلب بلغ في مِنى العشق مقامًا لم يُشهد له نظير.

وفار الدم من الأرض، وارتفع صراخ الكون إلى السماء، عندما سقط ثأر الله على وجه التراب المظلم.ولما انطلقت روحه الطاهرة من جسده، عجز كل لسان عن أن يصف إلى أي مقامٍ وصلت..]


وبما أن السكين قد وسمت عنق القربان الإلهي فلابد بأن نختم بالقصيدة الثاني لنّير التبريزي و التي يقول فيها : 
[...وحين هوى ملك الدين من فرسه بسهم الحقد،جاءه النداء من سرادق العرش، يا فارس صحراء بلائنا الأوحد، إنّ حريم لقائنا  أصبح مهيّأ لك. فعجّل لمعراج العشق في ليلة الإسراء هذه ، و أهلًا ببراق الشوق إلى خلوة منزلنا. فأنت لنا ونحن لك، وعهد أن يكون فناؤك ببقائنا. جُدتَ برأسك من الشوق واشتريت لقاء الحبيب، فليس مغبوناً من دفعنا نحن دية دمه. إنّ عيوننا من الأزل في انتظار مقدمك، و كان أنبياؤنا يمهدون لمقدمك الطريق، : فلا تغتمّ إن ألهب العطش كبدك الحرّى، فإنّ لك ماء رحمتنا التي لا انتهاء لها.و إن قطع الأسافلُ منك يداً فلا تحزن، وحلّق بزغب السهم إلينا يا طائر اليمن. ولقد بسطنا لك أجنحة الملائكة فراشاً، لئلّا تؤذي بدنك كربلائنا. فالخليل لا يغتمّ لفداء الحبيب، و يكفي أن يكون ولدك الأكبر ذبيح مُنانا. أين نوح، فليقدم إلى صحراء المحنة و لينظر إلى سفينة المنكسرين في بحر بلائنا.و موسى الذي سمع من جبل الطور جواب «لن»، فليقدم مرّة اخرى إلى محلّ تجلّينا بنينوى و إن نجى المسيح من خشبة البلاء، فقل له لينظر إلى خشبة كربلاء و إلى مبتلانا،لقد نسخ حديثك ذكر الأوائل و السابقين، يا من ضحّي بنفسه في عهد الأزل في قضائنا...]

وهكذا تلتقي أصوات الشعراء، على اختلاف عصورهم ومشاربهم، عند صورة واحدة: أن كربلاء لم تكن نهاية طريق الحسين عليه السلام، بل كانت منزل الوفاء الأخير في حجٍّ بدأ يوم "ألست". فمن ميقات الشهود انطلقت التلبية، وفي عرفات المعرفة اشتد الشوق، وفي مِنى كربلاء الشهادة قُدِّم القربان الأعظم، فكان عاشوراء عيد الوفاء بالعهد الإلهي، كما كان يوم الحزن الأكبر على أهل الأرض.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي