يعنى بالنصوص الشعرية والادبية
بشائر الشرّاد/شاعرة عراقية
الأشياءُ الصغيرةُ التي كانت تُضحكني دوماً قد تغيَّرت، ولعلَّها لم تتغيَّر كثيراً، لكنني ظننتُها كذلك،
وهذا، بحسبِ بعضِ علماءِ الأعصابِ، يُسمّى (تلفاً إدراكياً)، وهو الاحتمالُ الأكثرُ إثارةً للقلق؛ لأنَّه يبدو مصطلحاً علمياً يكفي لطمأنةِ الجميع، وبائساً بما يكفي لطمأنةِ عقلي.
أمّا أنا، فقد تغيَّرتُ بالفعل معها، أو تأخَّرتُ عنها بخطوةٍ واحدةٍ فقط؛ ورغم أنَّ خطوةً واحدةً لا يمكننا اعتبارُها فرقاً حاسماً، لكنَّها كانت كافيةً لتغييرِ النبرةِ الداخليةِ لرؤيةِ الأشياء، ولإفسادِ مزاجِ هذا العالمِ السعيد.
وتلك العرائسُ التي كانت ترقصُ في مؤخرةِ رأسي تعبت هي الأخرى. ولا أقول إنَّها ماتت، فالموتُ امتيازٌ دراميٌّ، وتحوُّلٌ في المادةِ والطاقةِ، وتبدُّدٌ في النمطِ المعقَّدِ الذي يُدعى (أنا)، وهذا لا يليقُ بالعرائسِ الدوّارة؛ لعلَّها حتماً توقَّفت عن الرقص.
أمّا الناسُ الذين كانوا يمرّون بي، فكنتُ أراهم كفرسانٍ تربطُهم علاقاتٌ وديةٌ بالآلهة، وقد خرجوا تواً من كتبِ مالرو، وأحياناً، حين يشتدُّ بي الضجرُ، كنتُ أراهم أشباحاً هربت من متاهاتِ موزياك، فأمنحُهم أدواراً لا تخصُّهم، وتذاكرَ مجانيةً لبطولاتٍ لم يشاركوا فيها قط.
لم يكن ذلك كرماً مني، بل نوعاً من العبثِ الذي يبتكرُه المرءُ حين لا يجد ما يفعلُه بوحدتِه.
والآن يمرّون كما هم، فرادى أو جماعاتٍ، وألاحظُ، بهدوءٍ غيرِ ضروريٍّ، أنَّهم لا يسخرون مني بالضرورة، بل من الفكرةِ التي كنتُ مصرَّةً على إسقاطِها عليهم، ومن الحماسِ الذي أوزِّعُ به المعنى على الأشياء.
ثم فهمتُ، أو تخيَّلتُ أنني فهمتُ، أنَّ الموالاةَ، يا أعزّاءُ، ضعفٌ وتيهٌ.
لأنَّها تستهلكُ مقداراً مبالغاً فيه من اليقينِ داخل حياةِ شخصٍ واحدٍ على الأقل، في حين يبقى الآخرون أحراراً في شكوكِهم.
إنَّها تحجبُ عنّا حقائقَ كثيرةً، وتجعلُنا نستغني عن البحثِ عنها.
شيئاً فشيئاً بدأتُ أنظرُ إلى الآخرين على أنَّهم دمىً متحرّكةً، وأتَّهمُهم بالتغيّر، أو أتَّهمُ العالمَ نفسَه بأنَّه تبلَّد وتبدَّل، لكنَّ هذا الاتهامَ، كما يبدو لي الآن، غيرُ قابلٍ للإثباتِ أو البرهان.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي