loader
MaskImg

ديوان نخيل

يعنى بالنصوص الشعرية والادبية

المدينة التي نسيت اسمي

breakLine
2026-09-13

 

نازك الخنيزي |شاعرة سعودية

 

على نيّة الوصول إلى نفسي قبل أن يسبقني النسيان،
خرجتُ هذا الصباح بجيبٍ ممتلئٍ بالمفاتيح.

كان المنزل قد نسي الباب الذي يخصّه،
وتركني أمام عتبته أفتّش عن جهة الدخول.

كان الطريق يعرف خطوتي أكثر ممّا أعرفها،
والرصيف يجرّ خلفي ظلًّا يحمل ملامحي من بعيد.

لم ألتفت إليه؛ خفت أن أراه بوجهٍ آخر،
وأن يواصل طريقي من غير أن ينتظرني.

في منتصف المدينة توقّفت الإشارة طويلًا،
ورفعت المدينة سؤالها في وجهي:

ما اسمك؟

حرّكتُ اسمي في فمي، فارتبك اللسان قليلًا؛
بدا الاسم غريبًا، راجعًا من حياةٍ أخرى.

ضلّ موضعه القديم في صوتي،
وبقيتُ أفتّش عنه بين الحروف.

قلتُ لها: كنتُ أعرفه بالأمس.

فضحكت نافذةٌ في الطابق المقابل،
وأطبق الشارع فمه على بقية السؤال.

مضى العابرون بأسمائهم مطمئنين،
وتركوني وحدي أمام اسمي المرتبك.

منذ أعوام أضع ذاكرتي في درجٍ قرب السرير،
وأفتحها ليلًا لأتفقد الوجوه التي تركت أثرها.

أعيد الأمكنة إلى مواضعها واحدًا واحدًا،
خشية أن أستيقظ في صباحٍ لا يعرفني.

البارحة وجدتُ الدرج فارغًا،
وفي قاعه ورقةٌ واحدة تحمل خطّي:

لا تبحث عنك هنا.

لم يخيفني الفراغ بقدر ما أخافني الخط؛
كان يعرف عنّي شيئًا سبقني إلى الغياب.

ذهبتُ إلى المقهى القديم أبحث عن شاهدٍ يتذكّرني،
فمالت الطاولة قليلًا وتركت لي المسافة التي اعتدتُها.

وضع النادل القهوة أمامي من غير أن يسأل،
ثم رفع رأسه وقال بهدوء:

من أنت؟

عندها بدأت الأشياء تسحب شهادتها.

النافذة التي حفظت وجهي طوال الشتاءات،
أنكرت انعكاسي عند أول نظرة.

والمصعد حملني إلى طابقٍ لم تطأه ذاكرتي،
وصورتي في الهاتف حدّقت بي بعينين لا أعرف تاريخهما.

في المساء جلستُ قبالة ساعة الحائط،
وسألتها:

أيّنا يعبر الآخر؟

تردّدت العقارب لحظةً قصيرة،
ثم استأنفت دورانها وتركت سؤالي معلّقًا في الغرفة.

كانت أمّي تقول إن الإنسان لا يضيع دفعةً واحدة،
يسقط منه اسم شارع، ورائحة بيت، ونبرة صوتٍ أحبّها.

وتفلت زاويةٌ صغيرة من غرفةٍ عاش فيها طويلًا،
إلى أن يصبح الطريق إلى نفسه أطول من الطريق إلى الغرباء.

لم أفهم كلامها يومها.

أما الآن فأرى طفولتي جالسةً في آخر الممر،
ترفع رأسها نحوي وتطيل النظر من غير أن تناديني.

بيننا عمرٌ كامل فقد الاسم الذي كان يصل طرفيه،
وصوتٌ قديم لم يعد يعرف طريقه إليّ.

لا أعرف إن كانت طفولتي قد نسيتني،
أم أنني غادرت الموضع الذي كان صوتها يصل إليه.

ربما بقي الطفل هناك ينتظرني،
بينما واصلتُ العمر وحدي.

قبل منتصف الليل طرق أحدهم الباب،
فجلستُ خلف الخشب أصغي إلى صوتٍ أعرفه ولا أستطيع تسميته.

قال:

أعلم أنك في الداخل.

ثم أضاف:

وأعرف أنك تخاف أن تفتح فتجدني ناقصًا.

ابتعد وقع الخطوات وبقي الصمت عند الباب،
ففتحتُه ولم أجد أحدًا في الممر.

كان اسمي وحده ملقىً على العتبة،
ساكنًا وباردًا، عائدًا من مكانٍ بعيد.

وصل إلى عنوانٍ لم يعد واثقًا من صاحبه،
وبقي أمامي ينتظر أن أتعرف إليه.

حملته بين يديّ وتأمّلت حروفه طويلًا؛
كان مألوفًا بما يكفي ليؤلمني.

وغريبًا بما يكفي لأشكّ فيه،
ولأشعر أن شيئًا بيننا انقطع.

أدركتُ أن العمر لم يأخذ الوجوه والأمكنة وحدها؛
محا الطريق الذي كان يصل اسمي بي.

أعدتُه إلى العتبة وأغلقت الباب.

ومنذ ذلك المساء،
كلّما سمعتُ اسمي التفتُّ إليه؛
لأعرف إن كان ما زال يعرفني.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي