يعنى بالنصوص الشعرية والادبية
ثائرة أكرم العكيدي/شاعرة عراقية
أنا أمٌ عادية
أمارس توليدَ الحبرِ
في غرفتي المظلمة
وأخبِئُ وجعي خلفَ السطور
حين يشتدُ المخاض
أفتحُ دفتري
فينزلُ المعنى أزرق ازرق
دافئاً مضطرب كقلبِ عصفورْ
أعجنُ الصمتَ بالدموعِ
وأخبزُ للأيامِ
أرغفةً من المعنى المأثور
فإذا ما جاعَ النسيان
أطعمتُه من عمري جوزاً مبشور
لا أحتاجُ إلى أقمطةِ الأطفال
فبياضُ الورقِ
يُجيدُ احتضانَ قصائدي قبلَ الظُهور
أغسلُها بماءِ الذكرى
وأنشرُها تحتَ شمسِ حزيران
حتى تجفَ مواجعي
وتخرجَ من رحمِ حِبري إلى النور
كلما كبرَ ابني (النصُ) في حضني
حاولتُ أن أُخبِئهُ من رصاصِ الواقع
كي لا يشيخَ من فرطِ الشُعور
لكن اللغةَ شقيَة
تخرجُ إلى الشارعِ حافيةً قوية
تُرضعُ قصائدي وجعَ يتيم
من ثديِ الدُهور
وتعودُ إليَّ بثيابٍ ممزَقة
من جروحِ البلاد
وقد عَلِقَ بأهدابِها غبارُ القبور
لم أكن أخططُ أن أكون
أماً لقصائد يتيمة
لكن اللغةَ غدرت بي
حين كنتُ أصلي للغفور
فخرجت الكلمات من ثوبي
لا تُجيد لغةَ الذكور
تطالبني بحقّها في البكاء
ومنذُ ذلكَ اليومِ
والفاعلُ في جملةِ الحياةِ مبتور
في قلبي غُرفةٌ لا تفتحُ أبوابها
إلا للمنفيين
أرتبُ فيها ألعابَ الماضي
وأُخبِئُ طفلًا مكسور
دمية فقدت رأسها في حربٍ قديمة
وحصانٌ خشبيٌ صبور
ما يزالُ يركضُ
نحو أفقٍ لا وجود له
وسفينة تُفتِشُ عن وزنِها بين البحور
أنا التي أرضعتُ الجغرافيا لغة الطين
ألواحَ الكتابةِ المسمارية
يومَ كانَ النقشُ دستور
فصارت البلادُ بعدي
تحكي عن طفولةٍ
اغتالتها السنين والشهور
قُتلت في مهدِ البلاغة
على يد فاعل مجرور
حينَ يشتدُ وجعُ الكتابة
أستندُ إلى حائطِ الذاكرة
وأشدُ وثاقَ قصيدتي
كي لا تهربَ إلى الغابة
فيبتاعَها قلمٌ مأجور
فالذئابُ في الخارجِ تترصَدُ
كل حرفٍ يجرؤُ على الابتسام
وأُغلِقُ عليه بابَ النحوِ
كي لا يفترسَهُ الغُرور
وفي الثامنةِ عشر
حين بلغت قصائدي سنَ الرشد
ألبستُها ثوبَ حدادٍ طويل
وعلمتُها النحوَ والصرف
ثم أشعلتُ للحرفِ عودَ بخور
فالوطنُ الذي يرفضُ أن يكبرَ بسلام
يحتاجُ إلى أمٍ
تطبخُ المعاني في القدور
تُحولُ نيرانَ القذائفِ الى حبر
فَتُنبِتُ من رمادِ الحربِ
قمحاً وزهور
وتكتبُ اسمَ الوطن
بحبرٍ أحمر من دمٍ مهدور
وتحول خرابَ المدنِ
إلى لغة لا تموت
أنا لا أكتبُ لأخلد
بل لألدَ ضميراً غيور
أنا أكتب لأتعكَزَ على الأبجدية
في طريقي نحوَ حرفٍ يثور
فالقلمُ في يدي عكاز من ذهب
أهشُ به على غنمِ المآسي
كي لا يعودُ إلى الحظيرةِ
معنىً مهجور
أغسلُ قمصانَ الأرض
من بقعِ الخذلان
وأضعُ النجومَ في جيوبِ الغائبين
كي لا يضِلوا طريقَ العبور
وأصوغُ للأيامِ المُعرَجةِ
مشيةً مستقيمة
كي لا تُختزلَ الأرضُ
خبراً لمبتدأٍ مأسور
الآن... لا فرقَ بين السبعين والثلاثين
فالزمن عند الأمهات يتوقف
عند أولِ صرخة
فالطفلُ في قلبِها لا يُعربُ إلا مرفوعاً مهما تغيرت الأمور
سأُلملِمُ شتاتَ الضوء في كَفي
وأَقِف في الصفِ الأول
وأُهَزُ مهدَ القافية
بينما ينامُ العالم
غارقاً في شخير النسيان
وأنا ما زلت أتهجَى الدار... والدور
لعلَ الأرضَ تتذكر طفولتي اليتيمة
وحدي اكتب على جدار الوقت
منذ أن بكت حواء ابنها
بلوحٍ محفور
كل أمٍ في هذه الأرض قصيدة
لم يَجد النحو شاعرا
يجرؤُ على إعرابِ وجعلها
واحزانها أَسراب طيور
ولم تَجدِ البلاغةُ
إستعارة تتسع لدموعِها
فعجزت عن تأويلِها ألواح بابل
وحكماء آشور
فصارت هي اللغة
وصار العالم كله
خطأً نحوياً لا تُصلحُهُ المعاجم
ولا دواوينُ العصور...
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي