يعنى بالنصوص الشعرية والادبية
مسلم الأنصاري/ قاص و شاعر باكستاني
ترجمة/ أسد الله مير الحسني
بَعدَ آلَافِ السِّنِينِ حِينَ رَأيتُهَا..
كَانَ يَنبَعِثُ مِن جَانِبِهَا صَخَبُ طِفلٍ وَقَهقَهَاتُه،
تُسكِتُهُ طَوراً، وَتُضَاحِكُهُ وَتُبكِيهِ طَوراً،
وَمِن صَدرِهَا المَخضُوبِ بِدَمِ العَنَاءِ تُرضِعُهُ نَدَى الحَيَاة.
تِلكَ المَرأَةُ الَّتِي تَفِيضُ أُمُومَةً.. قَد بَلَغَ مِنهَا التَّعَبُ مَبلَغَه.
رِمَاحُ الدَّهرِ وَمُدَارَاةُ السِّنِينَ المُرَّةِ، شَنَّتْ عَلَى وَجهِهَا غَارَةً تَرَكَتْ فِيهِ مِنَ النُّدُوبِ
مَا جَعَلَ مُقْلَتَيْهَا تَنْزَلِقَانِ لِتَغُورَا فِي خَدَّينِ كَانَا يَوْماً خَمَائِلَ وَرْدٍ!
تَارَةً تَهِيمُ عَيْنَاهَا حَائِرَتَينِ فِي غَابَةِ البَشَرِ الَّتِي تَمُوجُ بِهَا المَدِينَة،
وَتَارَةً يُوقِظُهَا طِفلُهَا الصَّغِيرُ، يُدَاعِبُهَا لَهَاثُهُ الوَاهِنُ أَوْ تَصفِيقُ كَفَّيهِ الصَّغِيرَتَينِ..
فَتَبْتَسِم!
لَكِنَّ ابتِسَامَتَهَا خَاوِيَةٌ، لَا شَيءَ فِيهَا..
لَا عُهُودَ لِلهَوَى، لَا عُذُوبَةَ رَقِيقَة، وَلَا حَتَّى تِلكَ المَرأَةُ الأُمّ.
حَتَّى وَهِيَ تُزِيحُ خُصَلَاتِ شَعرِهَا عَن شَفَتَيهَا، مَا بَالُهَا لَا تَدْرِي
أَنَّ ثُلَّةً مِنَ الشُّيُوخِ المرتَدِينَ أَسمَالَ الفَقرِ يَرْمُقُونَهَا بِأَبصَارِهِم؟
مَا بَالُهَا لَا تَدْرِي أَنَّ ثَوبَهَا الأَسوَدَ المَلتَفَّ حَولَ فَخِذَيهَا قَدِ انْفَتَقَ رَفْوُه؟
مَا بَالُهَا لَا تَدْرِي أَنَّ الفَضَلَاتِ البَائِتَةَ مِنَ الطَّعَامِ تَستَحِيلُ حِمْضاً يَقْذِفُ بِهِ جَوفُهَا؟
فَجْأَةً.. ومِن حَيثُ لَا تَدْرِي، أَقْبَلَ شَيْخٌ يَضْرِبُ الأَرضَ بِعَصَاهُ، وَيَصِيحُ مُتَّجِهاً نَحْوَهَا:
"القِطَارُ قَادِمٌ!"
"القِطَارُ قَادِمٌ؟" هَمَسَتْ بِنَبْرَةٍ غَرِيبَةٍ مَذهُولَة.
ثُمَّ حَمَلَتْ طِفلَهَا تَحتَ إِبطِهَا، وَأَحنَتْ ظَهْرَهَا تَحْتَ وَطْأَةِ صُرَّةٍ تَزِنُ قَنَاطِيرَ،
وَتَحَمَّلَتْ قَدَمَاهَا المُتَهَادِيَتَانِ جَسَدَينِ..
وَمَضَتْ تَسْعَى، يُدَوِّي صَوْتُهَا بَينَ النَّاسِ: "لِلَّهِ يَا مُحسِنِين!" .. "لِلَّهِ!"
مَضَتْ حَيثُمَا قَادَهَا الطَّرِيق.
"مَن عَسَاهَا أَن تَكُونَ؟ هَل يُمكِنُ أَن تَكُونَ هِيَ؟"
"إِنَّهَا تُشبِهُهَا تَمَاماً! بَل هِيَ عَيْنُهَا، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ!"
وَفِي تِلكَ اللَّحظَةِ، انْكَسَرَ فِي دَاخِلِ قَلْبِي شَيْءٌ غَالٍ.
"زُلَيْخَا؟" صَرَخْتُ مِلْءَ صَوْتِي.
"مَاذَا تُرِيدُ؟" التَفَتَتْ نَحْوِي.
تَسَمَّرْتُ فِي مَكَانِي، وَكَأَنَّنِي أُرْتَجُّ لِأَغُورَ فِي أَعْمَاقِ مَلَايِينِ الأَرَاضِي،
وَمِن هَوْلِ الفَجِيعَةِ، كَانَ نُورُ عَيْنَيَّ يَتَسَاقَتُ وَيَسِيل.
"زُلَيْخَا؟ أَهَذِهِ أَنْتِ؟"
"أَنْتِ هِيَ؟ يَا مَن كَانَتْ تَقِفُ عَلَى أَبْوَابِ قُصُورِهَا مِئَاتُ الحُرَّاسِ خَاشِعِي الأَيْدِي؟"
"أَنْتِ هِيَ؟ يَا مَن مَاتَ الكَثِيرُونَ صَرْعَى جَمَالِهَا؟"
"أَنْتِ هِيَ؟ يَا مَنِ اتَّخَذَتْ فِي حَنَايَا قَلْبِي مَسكَناً رَحِيباً؟"
"أَنْتِ هِيَ؟ يَا مَنِ افْتَتَحَتْ فِي جَنَّةِ الخُلدِ جَنَّاتِ عَدْنٍ؟"
"أَنْتِ هِيَ؟ يَا مَن قَالَتْ لِي يَوْماً: سَافِرْ، وَامْضِ فِي السَّفَرِ، فَإِنَّنِي يَوْماً سَأَلْقَاكَ؟"
"مَاذَا؟ مَن أَنْت يَا هَذَا؟" تَهَيَّبَتْ وَارْتَبَكَتْ بِعَجَبٍ.
"أَنَا يُوسُف!"
قُلْتُهَا دُونَ تَرَدُّدٍ.
"أَنَا يُوسُفُ الَّذِي خَانَهُ إِخْوَتُهُ وَغَدَرُوا بِهِ."
"أَنَا يُوسُفُ الَّذِي أَلْقَتْ بِهِ الحَيَاةُ مُنْكَبّاً فِي قَاعِ بِئْرٍ مُظلِمَةٍ مَهْجُورَة."
"أَنَا يُوسُفُ الَّذِي لَا تَزَالُ لَهْفَتُكِ وعَطَشُكِ مَطْبُوعَينِ عَلَى ثِيَابِهِ."
"مُنْذُ دُهُورٍ وَأَنَا مُبَعْثَرٌ فِي أَثَرِكِ، أَقْتَفِي خُطَاكِ."
"إِنَّنِي أَبْحَثُ عَنْكِ!"
"أَيُّهَا المَعْتُوهُ.. اغْرُبْ عَنْ وَجْهِي!"
"إِنْ كَانَ مَعَكَ عَشَرَةُ رُوبِيَّاتٍ فَأَلْقِهَا فِي حِجْرِي، ثُمَّ امْضِ فِي سَبِيلِكَ."
"انْصَرِفْ مِن هُنَا!"
"لَقَد رَأَيْتُ أَمْثَالَكَ كَثِيراً مِمَّنْ يَحْمِلُونَ أَسْمَاءً رَنَّانَة."
"أَنَا أَعْلَمُ جَيِّداً مَا تَصْبُو إِلَيْهِ.. تُرِيدُ أَنْ تَخْدَعَنِي بِعَذْبِ كَلَامِكَ،
لِتَفْرِشَ لِي فِرَاشاً فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ كَئِيبَة،
ثُمَّ تَمْنَحَنِي طِفْلاً جَدِيداً أَتَحَمَّلُ عِبْأَهُ!"
"يُوسُف؟! هَذَا مَا نَقَصَنِي!"
"هَذِهِ القَصَائِدُ الدِّينِيَّةُ، وَالعِتَابُ القُرْآنِيُّ، وَقِيَامَةُ اللهِ.. كُلُّهَا أُمُورٌ أَعْرِفُهَا حَقَّ المَعْرِفَة!"
"لَا بُدَّ أَنَّ خَطْباً مَا قَدْ أَصَابَ عَقْلَكَ، حَتَّى بَاتَتْ عَيْنَاكَ، مِن فَرْطِ مَا تَرَى مِن عَذَابِ الآخَرِينَ، تَرَى فِي كُلِّ أُنْثَى مُعَذَّبَةٍ زُلَيْخَاكَ!"
"ارْحَلْ مِن هُنَا.."
"لَعَلَّهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى تِلْكَ الَّتِي كَانَ لِقَلْبِكَ مَعَهَا شَغَفٌ وَوِصَال،
أَمَّا أَنَا.. فَلَسْتُ هِيَ!"
فَجْأَةً.. وَمِنْ حَيْثُ لَا أَدْرِي، أَقْبَلَ ذَلِكَ الشَّيْخُ عَيْنُهُ يَصِيحُ، وَتَقْرَعُ عَصَاهُ الأَرْضَ، مُتَّجِهاً نَحْوِي:
"لَقَدْ وَصَلَ القِطَارُ!"
"أَجَلْ.. لَقَدْ وَصَلَ!"
"زُلَيْخَاااا!" صَرَخْتُ، وَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي..
"اغْرُبْ عَنِّي" قَالَتْهَا.. وَمَضَتْ فِي طَرِيقِهَا إِلَى الأَمَام!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي