loader
MaskImg

ديوان نخيل

يعنى بالنصوص الشعرية والادبية

مختارات من شعر مارك ستراند Mark Strand 1934 - 2014

breakLine
2026-05-31

 

 د. عبير الفقي  /  مترجمة مصرية
 

يُعَدّ Mark Strand مارك ستراند واحدًا من أبرز الشعراء الأمريكيين في جيله، كما كان محررًا ومترجمًا وكاتب نثر بارعًا تميّز أسلوبه باللغة الدقيقة، والصور السريالية، والتيمة المتكررة للغياب والنفي؛ بينما تناولت مجموعاته اللاحقة أفكار الذات بذكاء لاذع وأنيق في كثير من الأحيان. وقد عُيّن شاعرًا رسميًا للولايات المتحدة عام 1990، وامتدت مسيرته الأدبية عبر خمسة عقود، حصد خلالها العديد من الجوائز وإعجاب النقاد وولاء القرّاء. وفي عام 1999 نال جائزة Pulitzer Prize for Poetry المرموقة عن مجموعته *Blizzard of One*.

وُلد ستراند في جزيرة الأمير إدوارد بكندا، ونشأ في مدن مختلفة عبر الولايات المتحدة، وكذلك في كولومبيا والمكسيك وبيرو. وقد أبدى في البداية اهتمامًا بالرسم وكان يأمل أن يصبح فنانًا تشكيليًا. حصل على درجة البكالوريوس من كلية أنطيوك عام 1957، ثم على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة ييل عام 1959، حيث درس على يد الرسام Josef Albers. لكن اهتمامه بالرسم تراجع أثناء وجوده في ييل، فقرر أن يصبح شاعرًا بدلًا من ذلك. وبعد تخرجه، ذهب إلى إيطاليا بمنحة فولبرايت لدراسة الشعر الإيطالي في القرن التاسع عشر. حصل ستراند على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من ورشة الكتّاب بجامعة آيوا عام 1962، وبدأ التدريس في جامعات مختلفة منها ييل وبرينستون وهارفارد. كما أمضى عامًا في البرازيل عام 1965 محاضرًا بمنحة فولبرايت. 

أظهر كتابه الأول " النوم بعين واحدة مفتوحة *Sleeping with One Eye Open* (1964) أسلوبه الشعري المميز. وتميز الديوان بإحساس طاغٍ بالقلق والتوجس المستمر. 

تميّزت الشخصيات المتحدثة في شعر ستراند المبكر بانشغال شديد بالذات والهوية. وقد لاحظ النقاد أن العديد من قصائد كتابه الأول تُظهر «انشغالًا مضطربًا بالذات»، وغالبًا ما يُعبَّر عن ذلك من خلال حالات حالمة يجد فيها المتحدث نفسه منقسمًا بين عالمين لا يشعر بالانتماء الكامل لأيٍّ منهما. واستمر هذا الاهتمام بالهوية في أعماله اللاحقة أيضًا، حيث أصبحت معالجة هذه الموضوعات أكثر إقلاقًا كلما ازدادت مهارته الشعرية.

ساهمت مجموعاته الشعرية المبكرة، ومنها "أسباب الانتقال  *Reasons for Moving* (1968)، في ترسيخ صورته كشاعر سوداوي تطارده فكرة الموت، رغم أنه لم يكن يرى ذلك في أعماله.

وفي مجموعته " مختارات شعرية*Selected Poems* (1980)، اعتمد ستراند على تأثير «أثيري وتراكمي» ليعبّر عن فكرة أن «النقطتين الثابتتين في حياة الإنسان هما الذات والإله؛ وكلاهما ظلام يقود إلى الآخر». ومع ذلك، انتقد بعض النقاد تركيزه المفرط على الذات.

توقف ستراند عن كتابة الشعر خلال العقد الذي تلا نشر *Selected Poems*. واعترف بأنه لم يعد يحب ما يكتبه، ولم يعد يؤمن بقصائده السيرية. فاتجه إلى أشكال أخرى من الكتابة، منها أدب الأطفال في كتاب *كوكب الأشياء المفقودة"

“The Planet of Lost Things* (1982)، الذي تناول موضوع الفقدان من خلال سؤال طفولي شائع: أين تذهب الأشياء حين تضيع؟ كما كتب كتبًا أخرى للأطفال  مثل كتاب المساء *The Night Book* (1985) ورامبرانت يتنزه *Rembrandt Takes a Walk* (1986). وفي عام 1985 نشر مجموعة نثرية بعنوان السيد والسيدة بيبي، Mr. and Mrs. Baby*،تناولت مرة أخرى اهتمامه بتفاهة الحياة وسطحيتها. ووصفها بعض النقاد بأنها مزيج من السخرية والعاطفة، تجمع بين الخيال واليومي المألوف. وقد أُشيد خصوصًا بلغته الأدبية اللامعة.

كما نشر ستراند كتبًا في النقد الفني، منها فن الواقع كتابه و

 *The Art of the Real* (1983) ويليم بيلي *William Bailey* (1987). أما كتابه هوبر  *Hopper* (1994)، فقد قدّم قراءة تحليلية عميقة لأعمال الرسام الأمريكي Edward Hopper. وقد أثنى John Updike على الكتاب، معتبرًا أنه من أكثر الأعمال انتباهًا وبرودة وغموضًا في تناوله لفن هوبر.

وفي عام 1990 نشر ستراند الحياة المستمرة  *The Continuous Life*، وهو أول ديوان شعر له بعد عقد كامل من الصمت الشعري. ورأى النقاد أن العمل يمثل مرحلة جديدة في تطوره الفني من حيث الإيقاع واللغة ووجهة النظر. وفي العام نفسه، زاد تعيينه شاعرًا رسميًا للولايات المتحدة من الاهتمام بأعماله.

جاءت مجموعته المرفأ المظلم   *Dark Harbor* (1993)، على هيئة قصيدة طويلة مقسّمة إلى 55 جزءًا متنوعًا، تهيمن عليها موضوعات الترقب والتوتر غير المحلول، إضافة إلى جمال لغوي سريالي. ثم جاءت مجموعته *Blizzard of One*، "عاصفة ثلجية من شخص واحد" التي فازت بجائزة بولتزر، لتعود إلى الموضوعات التي شغلت ستراند طوال حياته المتمثلة في: الفقد، والتشتت، والغياب. ووصفت الناقدة Deborah Garrison المجموعة بأنها «عمل متقن» ينتمي إلى عالم شعري يزاوج بين الحنين والكآبة الإيروتيكية بجاذبية كبيرة.

وعندما نشر طقس الكلمات *Weather of Words* (2000)، وهي مجموعة من المقالات النثرية القصيرة، حظي بإشادة واسعة لقدرته على تحليل أعمال الشعراء الآخرين، حيث ضم الكتاب مقالات نقدية وتأملات في الأشكال الشعرية المختلفة. كما شارك مع الشاعرة Eavan Boland في تحرير مختارات " بناء القصيدة: مختارات نورتن في الأشكال الشعرية" *The Making of a Poem: A Norton Anthology of Poetic Forms*.. أما مجموعته الرجل والجمل  *Man and Camel* (2006)، فقد أظهرت جانبًا أكثر مرحًا وخفة، رغم استمرار التوتر المعتاد في شعره بين ما هو حاضر وما لا يمكن لمسه. وفي مجموعته مختارات شعرية جديدة *New Selected Poems* (2007)، بدا أكثر تعاطفًا مع عبثية الذات الإنسانية. أما آخر كتبه مختارات شعرية *Collected Poems* (2014)، فقد وصل إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الوطني.

في سنواته الأخيرة، توقف ستراند عن كتابة الشعر وعاد إلى الفن التشكيلي، مفضلًا صنع لوحات الكولاج باستخدام الورق الذي كان يصنعه بيديه. وقد عُرضت أعماله في معرض Lori Bookstein Fine Art في تشيلسي. من بين الجوائز والتكريمات التي حصل عليها: جائزة بولينغن، ومنح من المؤسسة الوطنية للفنون، وجائزة المعهد الوطني للفنون والآداب، وجائزة مؤسسة روكفلر، وزمالات من أكاديمية الشعراء الأمريكيين، ومؤسسة ماك آرثر، ومؤسسة إنغرام ميريل. كما شغل منصب مستشار في أكاديمية الشعراء الأمريكيين، ودرّس في جامعات جونز هوبكنز وشيكاغو وكولومبيا. وتوفي أواخر عام 2014 عن عمر ناهز الثمانين عامًا بعد مسيرة متنوعة بين الشعر والفنون والأدب.

 

 

 

.1 البقايا

أفرغ نفسي من أسماء الآخرين. أفرغ جيوبي.

أفرغ حذائي وأتركه على جانب الطريق.

في الليل، أُؤخر الساعات؛

أفتح ألبوم العائلة وأنظر إلى نفسي وأنا صبي.

ما جدوى ذلك؟ لقد أدّت الساعات مهمتها.

أنطق اسمي. أقول وداعا.

تتابع الكلمات إثر بعضها مع الريح.

أحب زوجتي لكنني أُبعدها.

ينهض والداي من عرشيهما

إلى غرف الغيوم اللبنية. كيف لي أن أغني؟

يُخبرني الزمن من أنا. أتغير وأبقى كما أنا.

أفرغ نفسي من حياتي وتبقى حياتي.

 

 

 

 

 

 

 

.2 الوصول إلى هذه الحال

 

لقد فعلنا ما أردناه.

تخلينا عن الأحلام، مفضلين 

الصناعة الثقيلة

لبعضنا البعض، ورحبنا بالأسى،

واعتبرنا الخرابَ عادةً يستحيلُ كسرُها.

 

والآن ها نحنُ هنا.

العشاءُ جاهزٌ ولا يمكننا الأكل.

اللحمُ مستقر في بحيرة طبقه الأبيض.

والنبيذُ ينتظر.

 

للوصول إلى هذا الحال مكافآتُه:

فلا شيءَ مَوعود، ولا شيءَ يُنتزع.

ليس لدينا قلبُ ولا فضيلة تنجينا،

لا مكانَ نذهبُ إليه، ولا سببَ يدعونا للبقاء.

 

 

 

 

.3حياتي

 

دمية جسدي الضخمةُ

ترفضُ النهوض.

أنا لُعبةُ النساء.

أمي،

كانت تُسندني أمامَ صديقاتِها.

"تتوسل إلي: تكلّم، تكلّم".

فأحرك فمي 

لكنَّ الكلماتِ لا تأتِي.

زوجتي،

أنزلتني من على الرفّ.

لأستلقي بين ذراعيها.

كانت تهمس “إننا نعاني من مرضِ الذات"،

وأنا أستلقي هناك، أبكم.

والآن، تعطيني ابنتي

زجاجةَ إرضاعٍ بلاستيكية

مليئةً بالماء.

وتقول "أنت طفلي الحقيقي"

يا للطفلةِ المسكينة!

أنظرُ في مرايا عينيها البنية

فأرى نفسي

أتضاءلُ، وأغرقُ

في عُمْقٍ لا تعلمُ هي بوجوده.

مقطوع الأنفاس،

لا نهوض لي ثانية.

أكبر نحو موتي.

تتضاءل حياتي وتزدادُ ضآلة

اخضر هو العالم.

ولا شيءَ هو كل شيء.

 

 

 

.4 ألتهم الشعر

ينساب الحبر من زوايا فمي.

لا سعادة تضاهي سعادتي.

لقد كنتُ ألتهم الشعر.

أمينة المكتبة لا تصدق ما تراه

بعيناها الحزينتان.

تمشي وهي تدس يديها في جيوب ثوبها.

القصائد اختفت.

الضوءُ خافتٌ.

الكلاب على سلالم القبو، وهي تصعد الآن.

تدور مقل عيونها،

وقوائمُها ذات الشعر الأشقر تحترقُ كالأحراشِ الجافةِ.

تبدأ أمينةُ المكتبةِ المسكينةُ بضربِ الأرضِ بقدميها وتبكي.

 إنها لا تفهم ما يحدث. 

وحين جثوت على ركبتيّ ولعقت يدها، صرخت.

أنا رجلٌ جديدٌ.

أزمجرُ في وجهِها وأنبحُ. 

وأمرحُ بابتهاجٍ في عتمةِ الكُتُبِ.

 

 

.5   "سمرة القمر"...إلى دونالد جاستس

 

وجه المنزل الشاحب المائل للزرقة

يرتفع فوقي كجدار جليدي

ونعيق بومة بعيد، 

ووحيد يطفو نحوي.

أغمض عينيّ نصف إغماضة.

فوق عتمة الحديقة الرطبة،

تتمايل الأزهار جيئة وذهابًا

كبالونات صغيرة.

الأشجار المهيبة،

كل منها مدفون في سحابة من الأوراق،

تبدو غارقة في النوم.

الوقت متأخر.

أستلقي على العشب،

وأدخن،

أشعر براحة،

متظاهرًا بأن النهاية

ستكون هكذا،

يتساقط ضوء القمر على جسدي.

نسمة تطوق معصمي.

أهيم.

أرتجف.

أعلم أنه قريبَا سينبلج النهار 

ليغسل بقعة القمر البيضاء

وأنني سأسير

تحت شمس الصباح

غير مرئي

كأي أحد.

 

 

 

 

 

 


 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي