مقالات ادبية واجتماعية وفنية
نصر عبد الرحمن – كاتب ومترجم مصري
هل أنت حزين، مرهق، مكتئب، أو غاضب؟
انضم إلى حلقة رقص أفريقية. اترك جسدك يتحرك على إيقاع الطبول إلى أن تفقد سيطرتك عليه. ستنتفض كل خلية من خلايا جلدك، وتطرح عنك كل الهموم. ساعتها، ستتذوق طعم السعادة على طرف لسانك. يتبدد ثِقل العالم حين تنتهي الرقصة. أنت الآن جديد وطازج.
الرقص هو أول الفنون التي عرفها البشر. ليس مجرد حركات بالجسد، بل إنه لغة تواصل. بالرقص، تناقل أجدادنا المعلومات، وحكوا القصص، وعبروا عن المشاعر، وساهموا في تدعيم الروابط بين أفراد القبيلة. بدأ الرقص كمجموعة من الحركات البدينة الوظيفية، بهدف الإحماء قبل الصيد أو الحرب أو للسفر. أصبحت الحركات أكثر انتظامًا وتعقيدًا بمرور الزمن، كما فقدت دورها الوظيفي وأصبحت تلعب دورًا طقوسيًا. أصبح الإنسان الأفريقي يرقص من أجل إرضاء الآلهة البدائية، بهدف إبعاد الشرور وجلب الخير، وتحقيق حالة من السلام النفسي.
يُستخدم مصطلح "الرقص الأفريقي" عادة للإشارة إلى الرقص في مجتمعات غرب أفريقيا وجنوبي الصحراء الكبرى، ويجب أن نضيف كذلك الكثير من رقصات الأمريكتين، خصوصًا من منطقة البحر الكاريبي، والتي تطورت بمزج الرقصات الأفريقية التي جلبها الزنوج مع رقصات الهنود الحمر. ويمتاز الرقص الأفريقي عن غيره من أنواع الرقص بأنه متعدد المراكز، أي أن الراقص يعتمد فيه على تحريك كافة أجزاء جسده، على نحو منفصل ومتزامن،استجابته لنوعين أو أكثر من إيقاعات الطبول. ويرى الخبراء أن هذا النوع من الرقص يُعد شديد الصعوبة إذا ما قارناه برقصات أخرى يتحرك فيها جسد الراقص في وحدة واحدة.
ويعتمد الراقص الأفريقي غالبًا على أربعة مراكز في جسده: الرقبة، والخصر، والمرفقين، والكاحلين. تبدأ الحركة من الكاحلين على إيقاع الطبول. وحين تنتظم حركتها، يدور الخصر يميًنا ويسارًا وإلى الأمام قليلًا، ثم ينطلق المرفقان في حركة تبادلية إلى الأمام وإلى الخلف. بعدها تتحرك الرقبة حركة هينة، لكنها تتصاعد غالبًا مع اقتراب انتهاء الرقصة، ويرافقها تصفيق قوي بالكفين وضرب للأرض بالكعبين. ويدرك المُلاحظ بسهولة أن المركز الأساسي للجسد، طوال الرقصة، هو الخصر، لأن حركته القوية تثير عاصفة من الاهتزازات في الفخذين والجذع. إلا أن النمط الحركي يختلف من قبيلة لأخرى، ومن رقصة إلى أخرى، بل ويختلف أحيانًا على امتداد الرقصة الواحدة، خصوصًا في الرقصات التعبيرية.
فيديو تعليمي لإحدى الرقصات الأفريقية
يذكرنا نمط حركة الراقص الأفريقي برقصات الطيور، ويتجلى هذا في حركة الذراعين التي تشبه رفرفة الجناحين، والحركة التبادلية للقدمين، وانحناء الجذع إلى الأمام قليلًا، والدوران حول المحور، والحركة في شكل دائرة أثناء الرقص، ناهيك عن إضافة عناصر زينة مثل الريش على الرأس وحول الخصر وعلى امتداد الساعد والذراعين. يدعم هذا النظريات التي ترى أن البشر تعلموا الرقص في البداية من حركات الحيوانات والطيور في بيئتهم المحيطة، ويدل كذلك على أن تاريخ الرقصات الأفريقية يرجع إلى مئات الآلاف من السنين، وأن ما طرأ عليها من تطور عبر الزمن لم يتمكن من محو عناصرها البدائية الأصيلة. ولعل هذا هو السبب في افتقار الرقصات الأفريقية إلى قواعد أو معايير ثابتة، وهو ما يمنحها تلقائية وعفوية وانسيابية، يظهر جمالها عند مقارنتها بصرامة بعض الرقصات الأوروبية.
ويعتمد الراقصون في الإيقاع على مجموعة من الطبول الأفريقية الضخمة، المصنوعة يدويًا من جلود الحيوانات. هناك عدة أنواع من الطبول، وهدفها الأول هو تحقيق التسارع في الحركة. غالبًا ما تُستخدم أنواع مختلفة من الطبول معًا، بمصاحبة نوع من الصنوج النحاسية أو آلة موسيقية تشبه الإكسليفون، إضافة إلى الشخاليل، وبعض الآلات الوترية البسيطة ذات الوتر الواحد. إلا أن الإيقاع الحقيقي للرقصات ينبع من التصفيق بالكفوف وضرب الأرض بالكعبين والغناء أو الصياح. بهذه الحركات، يتحول الجسد نفسه إلى آلة إيقاع. ومن المُحتمل أن يفقد الراقص إحساسه بالإيقاع الخارجي، ويعتمد على إيقاعه الداخلي فقط، بعد أن يصل إلى ذروة الرقصة ويحقق حالة الانفصال عن العالم.
في حالات الحرب، يحتل زعيم القبيلة مركز الدائرة، بينما يقف أكثر الصيادين خبرة وسط دائرة الراقصين قبل مباشرة الصيد. وهناك خبراء في الرقص، عادة ما يلعب أحدهم دور قائد الرقص في الاحتفالات الأخرى، هو الذي يحدد الإيقاع وطبيعة الحركة.
فيديو تعليمي يوضح حركة الجسد للراقص
رقص الأرواح
لا يتعلق الرقص الأفريقي بالجسد فقط، فالأداء البدني ليس إلا مقدمة لتجربة عقلية وروحية عميقة. يغرس الرقص روح الانتماء في القبيلة، يعلم كل فرد فيها أنه جزء من كل أكبر وأسمى. حين تستعد القبيلة للحرب، سواء للهجوم أو الدفاع، يقف المحاربون في دائرة الرقص. يتدربون على التقدم والتراجع والطعن والصد. يصيحون جميعًا، بقوة هائلة، لكي تتلبسهم أرواح الشجاعة. يدركون أنهم جسد واحد، يتحرك لتحقيق هدف واحد. لا مجال للتخاذل أو الفرار بعد هذه الشحنة الجبارة من الطاقة الجسدية والروحية.
حين يقف الصيادون في حلقة الرقص، ويستسلمون للإيقاع القوي ويدعمونه بالهمهمة الخفيضة إلى أن تدور الدماء بقوة في أجسادهم، ثم يواصلون الرقص إلى أن ينجحوا في التواصل ذهنيًا، حتى تصبح عقولهم عقلًا واحدًا. يستطيعون بعد الرقصة مطاردة الفريسة دون كلمات. يوزعون الأدوار والأماكن بين أشجار الغابة، وعلى مسافات متباعدة دون صوت. يتواصلون بالتخاطر، ما يمكنهم من مباغتة الطرائد والنجاح في صيدها.
قد يقرر شامان القبيلة أن روحًا شريرة اقتنصت أحد الأجساد وأمرضته، وحينها يأمر بوضع المريض في مركز حلقة الرقص. يختارون الأقوياء فقط لتلك الرقصة لكي ينجحوا في التصدي لتلك الروح الشريرة. يوصلون الرقص حتى تتجسد الروح أمام أعينهم في شكل أسد شرس أو فيل غاضب. يتحول الهواء في قبضاتهم إلى رماح حقيقية. يكرون ويفرون على مركز الحلبة، إلى أن تخاف تلك الروح وتهرب. هل يتماثل المريض للشفاء لأن الروح الشريرة غادرت جسده، أم لأن روح الجماعة منحته قوة هائلة، بعد أن أدرك أنه ليس وحيدًا ومتروكًا؟ لا تزال قضية الشفاء بالرقص غير محسومة بعد، إلا أن العلم قد أثبت أن الحالة النفسية الجيدة تضاعف من أداء جهاز المناعة. ربما تشعر كرات الدم البيضاء في جسد المريض بالحماسة، وتزيد شراستها في مهاجمة ما يثقل الجسد من فيروسات أو أرواح شريرة. ربما!
الرقص صلاة كذلك. يجتمع الراقصون، في مواسم بعينها، لكي يشكروا الآلهة على نعمتها، أو يطلبوا منها المطر والغذاء. يجتمع في الحلبة كل من يستطيع الرقص، من الرجال والنساء والأطفال. كيان واحد يتضرع بحركات الأيدي والأرجل. يطلبون الرحمة والمغفرة والماء والخبز والكفاف. اهتزازات الأجساد والصيحات المتضرعة قادرة على اجتذاب الآلهة. الآلهة تحب الرقص ورائحة النار والإلحاح في الصلاة، لذلك لن يتوقف الراقصون حتى تنتفض الأطراف وتتحرك الأجساد من تلقاء نفسها وتشعر بالإيقاع حتى وإن توقف قارعو الطبول. سيواصلون الرقص إلى أن تغادر الأرواح أجسادها وتطفو في الهواء. تسقط الأجساد على الأرض، بينما تصعد الأرواح وتلتحم بأرواح الآلهة في الملأ الأعلى.
الرقص والعبودية
تجلت أهمية الرقص في المهجر، فقد لعب الدور الأهم في بقاء الأفارقة على قيد الحياة بعد نقلهم إلى أرض غريبة واستعبادهم. حين فقد ملايين الأفارقة حريتهم وأحبابهم وأوطانهم عقب أسرهم وترحيلهم إلى الأمريكتين، بداية من مطلع القرن السابع عشر، لم يكن لديهم سوى الرقص لكي يخلصهم من إرهاق العمل ويعالج جراح أجسادهم وأرواحهم المُنهكة في الغُربة. أصبح الرقص نوعًا من التحدي لمالكي المزارع. لقد اندهشوا من قدرة العبيد على الرقص بعد يوم عمل مرهق، وخافوا من الروح الجماعية التي تتجلى أثناء الرقص. أرعبتهم أصوات التصفيق والصياح وضرب الأرض بالأقدام.
وفي مواجهة ذلك، أصدر بعض السادة تعليمات بمنع إصدار أصوات أثناء الرقص، وحظر آخرون الرقص على الإطلاق، وسنوا عقوبات رادعة ضد من يخالف تلك الأوامر. تعامل العبيد الأفارقة مع الموقف على حسب المكان وأوامر السادة، فقد طوروا رقصات لا تحتاج إلى التصفيق وضرب الأرض بالأرجل، وهناك من رقصوا بدون موسيقى حتى، وهناك من أصروا على هويتهم ورقصوا الرقصات القديمة سرًا. كانت عقوبة من يتحدى حظر الرقص في منطقة الكاريبي تتراوح بين الجلد والحبس والإعدام. ولقد دعمت بعض الكنائس في الأمريكتين أوامر حظر الرقص، إذ اعتبرت أن الرقص الأفريقي نوع من الرجس والوثنية.
وتشير دراسات بعض الرحالة في نهاية القرن السابع عشر إلى إصرار الأفارقة على الرقص، ولقد وصف الروائي الأمريكي هيرمان ميللفل تجربته في مرافقة مجموعة من العبيد إلى منطقة نائية للرقص، هربًا من سطوة السادة وتعنت رجال الكنيسة. تخيل مجموعة من الرجال والنساء، يزحفون على بطونهم لمسافة عدة أميال، ثم يدخلون في عمق الغابات في منتصف الليل، لكي يرقصوا حتى مطلع الفجر، ثم يعودون قبل استيقاظ السادة. يعرفون أنهم سيعملون حتى غروب اليوم التالي، ويدركون أن اكتشاف أمرهم يعني الجلد أو القتل. يضحون بالحياة من أجل الرقص. يُهلكون الأجساد لكي تبقى الأرواح حية. يقبلون المشانق والسياط حفاظًا على الهوية من الضياع.
الرقص صانع الهوية
على مدى تاريخ القارة السمراء، كان الرقص أهم مكونات الحياة الروحية والاجتماعية لدى قبائل أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى. هناك رقصات للحرب وأخرى للسلام، رقصات لحفلات الزفاف وأخرى جنائزية، رقصات للحصاد وأخرى لاستقبال المطر، وثالثة عند فيضان الأنهار. يدخل الرقص في كافة تفاصيل الحياة، وبذلك يصبح أبرز عناصر هوية الأفريقي. كما أن لكل قبيلة منطقة خاصة، ووشم يميز أفرادها، ولهجة خاصة، فإن لها رقصة خاصة أو أسلوبًا فريدًا في الرقص. أنه جزء من تقاليد القبيلة وأعرافها وتاريخها الخاص. تعرف القارة السمراء آلاف الرقصات. الجميع يرقصون في كل قرية أفريقية. يتعلم الأطفال الرقص بمجرد قدرتهم على الحركة، لأنهم يعيشون في مجتمع راقص.
وعلى الرغم من اختلاف الرقصات على مستوى القرى والقبائل، هناك رقصات إقليمية تنتشر على نطاق واسع نسبيًا، وأهمها رقصة "شاكاوشاكو" في نيجيريا. وهي من الرقصات سهلة الحركات، وتحتاج إلى الكثير من حركات اليدين والقدمين، ويشبه الراقص في حركاته شخصًا ثملًا يترنح. قاومت تلك الزمن وعوامل الضغط الثقافي الأوروبي. وعادة ما يؤديها مجموعة من الأصدقاء في الشوارع في الوقت الراهن. كما أنها انتشرت إلى حد كبير في الأمريكتين في النصف الثاني من القرن العشرين.
رقصة شكاوشاكو
أشهر الرقصات الكينية في الوقت الراهن هي رقصة "أودي"، وهي رقصة استلهمها مبشر وفنان مسيحي من الرقصات الأفريقية، بهدف استقطاب الشباب للمسيحية، ودعوتهم للرقص داخل الكنسية. تحولت الرقصة بعد ذلك إلى رقصة شعبية في أنحاء كينيا، واشتهرت في أنحاء أفريقيا. ولقد اشتهرت رقصة "جوارا جوارا" الجنوب أفريقية عالميًا منذ عام 2018، وهي إحدى رقصات قبائل الزولو التي تعتمد على أرجحة اليدين والقدمين، ورفع أحد القدمين إلى أعلى بقوة كبيرة. استخدم بعض كبار المطربين العالميين هذه الرقصة كخلفية لأغانيهم، ومن بينهم المطربة "ريحانة". ومن أقوى الرقصات الأفريقية على الإطلاق هي رقصة "روزالينا" الكنغولية، والتي تعني "اكسر ظهرك". يدلنا الاسم على أنها تعتمد على تحريك الأطراف والجذع بقوة جنونية، وتُستخدم تلك الرقصة في حفلات علاجية جماعية للمصابين بأمراض نفسية.
ولكن على الرغم من التسامح مع رقصات الآخرين، وقدرة الأفريقي على مجاراة الراقصين الآخرين، إلا أنه لن يُحقق التجربة الروحية الفردية التي يصل إليها عندما يرقص بين أفراد قريته. لقد تحول الرقص إلى أهم محددات الهوية.
اللحظة الراهنة
تقلص الدور التقليدي للرقص الأفريقي في اللحظة الراهنة لعدة أسباب، أولها هو طغيان الحياة المدينة الحديثة على النمط الغربي في كافة بلدان القارة السمراء، وإن بدرجات متفاوتة. لقد تغير نمط الإنتاج والطبيعة المعمارية، كما انتشرت الحروب الأهلية والنزاعات القبلية، وتفشي الفقر والأزمات الاقتصادية الطاحنة. ونتيجة لهذه التغيرات، اقتصر الرقص الأفريقي التقليدي في الوقت الراهن على القبائل التي تعيش في المناطق الريفية والرعوية، وأصبح وجوده في المدن قاصرًا على الاحتفالات الموسمية والأغراض سياحية، إذ تُستخدم الرقصات في المطاعم والمقاهي الكبيرة والفنادق من أجل استعراض الروح الأفريقية أمام السياح.
وفي مواجهة هذا الانحسار، حاول عدد كبير من الفنانين إحياء الرقصات التقليدية وتطويرها، وتقديمها على شكل استعراضات فنية أو كخلفية حركية للأغاني. وهناك محاولات لدمج تيمات من الرقصات الأفريقية لكي تواكب المستجدات الراهنة. ويسعى عدد كبير من منظمات المجتمع المدني، على المستويين العالمي والأفريقي، لإحياء تراث الرقص التقليدي من خلال توفير الدعم لفناني الأداء الحركي وإقامة مسابقات ضخمة سنويًا لاختيار أفضل رقصة وراقص على مستوى القارة.
ولكن من الصعب أن تنجح هذه المحاولات في استعادة التجربة الروحية التي يعيشها الراقص في البيئة القديمة. يجب أن نتذكر أن الغابة، بكل عظمتها وجلالها، هي خلفية المشهد، وأن النار كانت مصدر الإضاءة ليلًا. ولكن العنصر هو أن عرض الرقصات على خشبات مسارح أمام الجمهور يفقد الرقص الأفريقي أهم سماته، وهو العنصر الجماعي والتشاركي، كما ينفي دوره الحقيقي؛ ألا وهو تحقيق تماسك الروح في مواجهة ثِقل العالم.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي