loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

فلسطين في الأدب العربي الحديث: الشعر

breakLine

                                  
حسين المناصرة || كاتب واكاديمي فلسطيني 
• مدخل:
"عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاهْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ 
الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمُّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى
فلسْطِين. سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاهْ."محمود درويش
• تقديم:
الحديث عن فلسطين في الأدب العربي الحديث موضوع شائك، وذو شجون، ويكاد يكون من أهم موضوعات الأدب العربي الحديث عمومًا، هذا الأدبالذي بدأت نهضته شعريًا ونثريًا في النصف الثانيمن القرن التاسع عشر الميلادي، ثم آتى أًكُلَه في النصف الأول من القرن العشرين؛ ليغدوَ بعد الحرب العالمية الثانية؛ أي منذ ستينيات القرن الماضي تحت اسم الأدب العربي المعاصر، وهو الأدب الذي رافق مصطلحي الحداثة وما بعد الحداثة؛ ليتحولَ بدورهمع بداية الألفية الثالثة (بعد عام ألفين للميلاد تقريبًا) إلى الأدب العربي الرقمي أو الافتراضي أو الإلكتروني، مع بقاء الثقافة الأدبية الورقية هي السائدة في كل الأحوال.
في الأدب العربي الحديث، كما في أدب عصر الحروب الصليبية، تجلت فلسطين بصفتها تخضع لاحتلال استعماري استيطاني، يتخذ من تحريف الأديان منهجًا للتحريض على استعمارها، والتنكيل بأهلها الأصليين (الفلسطينيين)، الذين يعيشون فيها منذ آلاف السنين قبل الميلاد، منذ ملكها الأول سام بن نوح، وقد تعاقب عليها عدد كبير من الملوك الفلسطينيين المشهورين، الذين، تجاوز عددهم في إحدى الدراسات أربعة وستين ملكًا.
ومنذ أن بدأ الخطر الصهيوني في ظل الاستعمار الغربي، فقد مارس الصهاينة العمليات الإرهابية في فلسطين وخارجها؛ لإقامة دولة استعمارية في أرض عربية فلسطينية، لم يكن لهم فيها أي نصيب، بحسب الاكتشافات الأثرية، في أي يوم من الأيام.
• النهضة الأدبية الحديثة... حتى اليوم ؟!
لعل النهضة الأدبية العربية التي بدأت منذ مطلعما سمي عصر النهضة؛ أي ما قبل الحرب العالمية الأولى؛ وتحديدًا ما قبل عشرينيات القرن الماضيانبثقت، واستمرت في سياقين رئيسين، هما: 
الأول : السياق الشعري العربي الأصيل المنبعث منعصور ازدهاره، خاصة العصرين الجاهلي والعباسي الأول، حيث كان الشعر ديوان العرب، وحينها كان للشعر تقاليده الجمالية والفنيةالقديمة، التي ميزت "شعراء مدرسة الإحياء والبعث" في الشعر العربي الحديث، مثلالشعراء: محمود سامي البارودي ( رائد الشعر العربي الحديث)، وأحمد شوقي ( أمير الشعراء)، وحافظ إبراهيم ( شاعر النيل وشاعر الشعب).ثم جاءت مدرسة شعر التجديد في عشرينيات إلى خمسينيات القرن الماضي، على أيدي شعراء مدرسة الديوان ( مثل: إبراهيم المازني، وعباس محمود العقاد، وعبد الرحمن شكري)، ومدرسة أبولو ( مثل: إبراهيم ناجي، وأبو القاسم الشابي، وعلي محمود طه)،ومدرسة المهجر ( مثل : إيليا أبو ماضي،وميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران)، وكانت المرحلة الثالثة هي مرحلة الشعر الحر أو شعر التفعيلة، بما في ذلك قصيدة النثر، حيث انطلقت مدرسة ما يسمى شعر التجريب والحداثة منذ خمسينيات القرن الماضي، وظهر في هذا السياق شعر المقاومة (مثل الشعراء : محمود درويش، وتوفيق زياد، وسميح القاسم، وعزالدين المناصرة). ومن أبرز شعراء هذه المرحلة عمومًا:(نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، وأمل دنقل، ونزار قباني، ومحمد الماغوط). ويبدو الشعر العربي غدا أقل حضورًا بين المتلقين العاديين المنشغلينبالفضاءات الافتراضية والإلكترونية، في ظلشيوع الثقافتين السمعية والبصرية، بعد تدنى مستوى القراءة الورقية أو الإلكترونية كثيرًا، منذ بداية الألفية الثالثة!!
الثاني : السياق النثري، وهو يتعلق بعدة أجناس سردية، مثل الرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية النثرية، والمقالة الأدبية السردية، والسيرة الذاتية. وهو سياق رغم وجود علاقة أو إرهاصات تراثية عربية ؛ فإنه مدين فنيًا وجماليًاللتأثر بالفنون السردية الغربية، التي انتقلت إلى الشرق بفعل الطباعة، والصحافة، والاستعمار،والانفتاح على ثقافات الاستعمار المباشر الإنجليزي والفرنسي، وبعد ذلك الاستعمار غير المباشر أمريكا وأوروبا. وتعد الرواية أكثر هذه الأجناس الأدبية السردية شيوعًا في العصر الحديث، منذ منتصف القرن التاسع عشرتقريبًا، بدءًا من الرواية غير الفنية، ومسيرة تحولات الرواية في المضامين والجماليات في مراحل عديدة : مثل مرحلة التقليد حتى عشرينيات القرن الماضي، ثم مرحلة التجديدفي ثلاثينيات إلى خمسينيات القرن الماضي، ثم مرحلة التجريب والحداثة ما بعد الستينيات،ومرحلة الرواية الجديدة أو المضادة، والرواية الرقمية أو الافتراضية...إلخ.
وقد أطلق على الرواية اسم: " ديوان العرب في القرن العشرين"، بعد انزياح دور الشعر، وكون الرواية غدت جنس الأجناس الأدبية، وأن بإمكانها أن توظف الأجناس الأدبية كلها وغير الأدبية أيضًا في متنها، وبأساليب سردية عديدة، ومدرسية متعددة أيضًا بحسب توصيفات الرومانسية، والواقعية، والرمزية، والحوارية، وغيرها. وهذا لا يعني التقليل من شأن الأجناس الأدبية النثرية أو السردية الأخرى، كالمسرحية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا، والسيرة الذاتية، والمقالة الأدبية، والقصة القصيرة جدًا، وغيرها من أجناس كالرواية السيرية، والسيرة الروائية . وهناك أسماء كثيرة ظهرت وتميزت روائيًا، مثل: نجيب محفوظ، وحنا مينة، وواسيني الأعرج، وإبراهيم نصرالله. وقد نجد مئات الروايات تنشر في العام الواحد، مما جعل الرواية تحظى بكثير من الجوائز، مثل جائزة "البوكر" العربية، وجائزة "كتارا" القطرية، عدا عن كونها حظيت بجائزة نوبل للآداب بوساطة الروائي الشهير نجيب محفوظ.
• فلسطين التاريخية:
يبدو توصيف فلسطين التاريخية في الثقافةالمعاصرة يعني جوانب عديدة، من أهمها: 
1. فلسطين الدينية / التاريخية التي كانت وما زالت موضوعًا تاريخيًا دينيًا بين الأديانالثلاثة بحسب الأولوية الدينية لا التاريخية: في الثقافة اليهودية ( أرضالميعاد لشعب الله المختار/ اليهود)، وفي الثقافة المسيحية (عطية الرب للمسيحيين/النصارى)، وفي الثقافة الإسلامية (الأرض المباركة؛ أرض الإسراء والمعراج).
  وقد تعاقب على فلسطين أكثر من عشرين استعمارًا، كان آخرها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، الذي يرى البعضأن أجله قد اقترب.
2. فلسطين القضية الوطنية والقومية والإنسانية، وهي قضية العصر الحديث، منذ المؤامرة الصهيواستعمارية، بدءًا من مؤتمر "بال" الصهيوني المنعقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، الذي بدأ فيه الصهاينة مع المستعمرين يعملون من أجل إقامة وطن قومي لهذا الكيان الاستعماريالاستيطاني في فلسطين، ضمن أكذوبةأرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وقد تلاذلك اتفاقية سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا، التي عملت على تقسيم المنطقة بين المستعمرين، وكان نصيب فلسطين من هذه المؤامرة العالمية أن تكون مستعمرة بريطانية، ثم كان وعد بَلفُور عام 1917، الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية عن تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وهذا ما تمّ فعلاً منذ تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو، ووقوع الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1920، إلى إعلانقيام الدولة الصهيونية في فلسطين، في 15 مايو، عام 1948، وما سبق ذلك من إرهابممنهج مارسته العصابات الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني الذي استمر أكثر من ربع قرن، وهو يعمل على تيسير الظروف لإقامة هذا الكيان الصهيونيالغاصب.
3. فلسطين ووقائع الإجرام الصهيونياليومية: في كل يوم هناك إجرام يمارسه الاحتلال الصهيوني في فلسطين، ولكن منأهم المحطات الإجرامية بعد إنشاء هذه الدويلة - الذي أطلق عليها الروائي الفلسطيني إميل حبيبي وصف(ليست ابنة عيشة) ، وأطلق عليها الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله : " كأن دولتهم تعيش  في  غرفة العناية المركزة .. محاطة بكل هذه الأجهزة .. يخافون إذا تعطل أحدها أن تفرط ولعلها تشبه حاضنة أطفال الخداج البلاستيكية"- أن تشكلت محطات إجرامية لافتة، كانت ذات صدى واسع في الأدب العربي الحديث، من أهمها: نكبة عام 1948، ثم نكسة حزيران عام 1967، ثم الحرب على جنوب لبنان وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982، والانتفاضة الفلسطينية عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000،والحروب الأربع على غزة في الأعوام2008، و2012، 2014، و2021، والمجازر التي ارتكبت في المخيمات الفلسطينية: تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا،ومخيم جنين، وغيرها. وقتل الأطفال، مثل الطفل محمد الدرة، والرضيع علي الدوابشة، وأطفال غزة.
 
 
• فلسطين في الشعر
 
لا أبالغُ إذا قلتُ: إن فلسطين بإشكالياتها المتعددة شكلت قلب الشعر العربي المعاصر، فهي -في أقل تقدير- مثلت خلال القرن العشرين أرضاً خصبة في وجدان الأمة العربيةفيما عرف بأدب المقاومة، أو أدب القضية، أو أدب الثورة، أو الأدب النضالي، أو أدب الالتزام، أو أدب الهزيمة، أو أدب النكسة، وفي المقابل مثّل الكيان الصهيوني الذي اغتصبها وما أنتجه من مؤامرات مستنقعاً آسناً بالعداء اللدود للوطن والأمة والإسلام والإنسانية.. من هنا لا يكاد يخلو ديوان شاعر عربي من قصيدة أو قصائد تتناول فلسطين مأساةً وأملاً في التحرر، بل هناك دواوين كثيرة خصصت لفلسطين دون غيرها!!
يحتار أي باحث عندما يتناول فلسطين في الشعر من أين يبدأ وإلى أين ينتهي، فالمسألة هنا معقدة إلى درجة عليا عندما يتعلق الأمر بآلاف القصائد، وقد يصل العدد إلى الملايين.
تبدو البداية لافتة في شعر علي محمود طه،في ثلاثينات القرن الماضي، وهو يحذر من الظلم الذي يقع على فلسطين، بسبب الاستعمار البريطاني، وعصابات الإرهاب الصهيونية، فيقول في أثناء ثورة فلسطين عام 1936:
أَخِي، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى​فَحَقَّ الجِهَادُ،وَحَقَّ الفِـدَا
أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُونَ العُرُوبَـــــــــ​   ـــــــةَ مَجْدَ الأُبُوَّةِ وَالسُّــؤْدَدَا ؟
وَلَيْسُوا بِغَيْرِ صَلِيلِ السُّيُـوفِ​يُجِيبُونَ صَوْتَاً لَنَا أَوْ صَدَى
فَجَرِّدْ حُسَامَكَ مِنْ غِمْــدِهِ​   فَلَيْسَ لَـهُ، بَعْدُ، أَنْ يُغْمَـدَا
إلى ينهي القصيدة بقوله:
فِلَسْطِينُ يَفْدِي حِمَاكِ الشَّبَابُ​وَجَلَّ الفِدَائِيُّ وَالمُفْتَــدَى
فِلَسْطِينُ تَحْمِيكِ مِنَّا الصُّـدُورُ​فَإِمَّا الحَيَاةُ وَإِمَّــا الرَّدَى
ومهما تكن أهواء الشعراء ونزعاتهم الفكرية والجمالية، فلا بد من أن يجدوا - على أية حال - في فلسطين مقاصدهم ومجمعهم للنهل من قضيتها، فهي ملتقى التناقضات والتعارضاتفي العالم المعاصر . يقول صالح الأشتر في كتابه "مأساة فلسطين وأثرها في الشعر المعاصر" : " وأما مأساتنا في فلسطين فقد منحت الأدب العربي ديواناً دموياً ضخماً، كتبت الحروب الصليبية صفحاته الأولى، وهو لا يزال إلى اليوم في تضخم مستمر، وكلما تضخم الديوان ازدادت ملحمة الدم العربية في فلسطين غنى واتساعاً "، لذلك يرى الأشتر أن مأساة فلسطين أعظم تجربة يعانيها الأدب العربي المعاصر، وأنها أغنت العنصر العاطفي في الشعر، فانطلقت قصائد النكبة مفعمة بالألم والدموع، تصور بؤس المنكوبين وشقاءهم،ونفخت روح التمرد والانطلاق والثورة، مكونة يقظة العرب الأولى تجاه المخاطر التي تحيط بهم، ودفعت الشعراء إلى التطوير والتجديد والحياة من خلال ثورة الشعر الجديد على التقاليد الشعرية القديمة، وألزمت الشعر العربي المعاصر على وجه العموم بالاتجاه الالتزامي الهادف من خلال نبذ طريقة الفن من أجل الفن في الشعر أو في غيره من الأجناس الأدبية والفنية الأخرى.  
لقد تعددت صور فلسطين في الشعر، فهي الأرض المغتصبة، والزمن المفقود، واللغة الدامية، والرموز والدلالات المتعددة، والشخصية الضائعة الغريبة، وعدوها غول يلتهم الأرض والزمن واللغة والشخصية، وناسها مرابطون،يعانون تحت احتلال استيطاني صهيونييجتث الجذور، أو في المنافي والمخيمات يعانون الضياع والاغتراب .. وصورة الفدائي تحمل الأمل من خلال الثورة والجهاد .. لكن العدو أكبر من المعقول .. هي النكبة التي تكسرت على أعتابها الآمال، وهي " النكسة" التي أودت بالآمال إلى الجحور المظلمة.. لكنها أيضاً الانتفاضة وسلاحها الحجر الذي يبقى وسادة الموت تحت رؤوس الغزاة .. فكان الشعر على الرغم من شدة المأساة ينتعش بالآمال التي لا تتكسر مهما كانت الضربات موجعة. 
يقول حسن عبدالله القرشي:
سنُشهرُ للثأرِ أمضى سلاح     ونُصْلي العِدى مُرهَفاتِ الصِّفاح
فمنَّا "المثنى" ومنا "صلاح"     ونحنُ ليوثُالـوغى في الكفاح
فعلى الرغم من مأساة فلسطين التي تقطر دماً منذ نشأتها إلى اليوم، إلى الحد الذي يشعر فيه الناس بفقدان الأمل، فإنّ الشعر العربي يصر على التفاؤل والإيمان بالمستقبل المشرق ... وأنه لا بد من مجيء يوم يتحرر فيه الأقصى الرمز الكبير لفلسطين من دنس الأعداء، والعبرة -كما يرى المثقف- تأتي منالماضي؛ حيث اغتصب الصليبيون الأقصى تسعين عاماً، ثم حرره صلاح الدين في وقعة حطين، فغدا هذا التحرير عرساً في منظور الشعراء؛ كأنه الحلم الجميل الذي لا يُصدّق صاحبه بأنه صار حقيقة ‍‍!! لذلك على فلسطين أن تنتظر هذا اليوم ( يوم العرس)؛ لتتحرر منمغتصبيها، وهو اليوم القريب بمشيئة الله.. يقول الشاعر القروي: 
يا فلسطينُ استعدي للقَانا   حان يومُ النصر يا أماهُ حانا
وعدُ بَلفُورَ كبَلفورَ انتهى   في جحيم النارِعصفاً ودخانا
 
* * *
يبدو ديوان الشعر العربي عن فلسطين فضاءً شاسعاً، لا يمتلكه أي قارئ مهما كانت قدرته، فهو شعر يحتاج إلى مجلدات كثيرة، لكن أغلب هذا الشعر ينطلق من عدة بؤر، تمثل أهم محطات الصراع العربي الإسرائيلي؛ لذلك يعود جل هذا الشعر إلى صدى لكثير من الأحداث والمآسي، فإذا كانت نكبة عام 1948، وهزيمة حزيران عام 1967، قد شكلتا الجرحالعميق في وجدان الأمة، فانطلقت قرائح الشعراء يائسة آملة، فإن انتفاضتي 1987، و2000 تمثلان شعلة الأمل الكبير في طريق التحرر، ففي الهزيمة غالباً ما يحمل الشعر هجاءً مبطناً أو صريحاً للأمة التي لم تبذل الغالي والرخيص في سبيل الدفاع عن حمىالوطن والعروبة في فلسطين، وفي الانتفاضةيشعر الشاعر بالتوجه الحقيقي إلى بناء الجهاد والكفاح، وهذا البناء الخصب يكون كبيراً في وجدان الأمة، حتى وإن كانت أداته الرئيسة الحجرَ في مواجهة قدرات عسكرية عدوانية جبارة.
يقول نزار قباني من قصيدة بعنوان "بكيت حتى انتهت الدموع": 
يا قدسُ، يا مدينةَ الأحزان
يا دمعةً كبيرةً تجولُ في الأجفان
من يوقفُ العدوان؟ عليكِ، يا لؤلؤةَ الأديان
من يغسلُ الدماءَ عن حجارةِ الجدران؟
من ينقذُ الإنجيل؟ من ينقذُ القرآن؟
من ينقذُ المسيحَ ممن قتلوا المسيح؟
من ينقذُ الإنسان؟
وفي ظل المقاومة تبدو الروح المعنوية تتعالى في التوهج والأمل، لتحاصر العدو المغتصب بالحقد والكراهية، متوعدة بنهاية مخزية كنهاية كل المستعمرين، هكذا يخاطب نزار قبانيأيضًا الصهاينة بقوله: 
محاصرونَ أنتمُ بالحقدِ والكراهيهْ
فمن هنا جيشُ أبي عبيدةٍ
ومن هنا معاويهْ
سلامُكم مُمزَّقٌ
وبيتُكم مطوقٌ
كبيتِ أيِّ زانيهْ ...
تتعمق مع المقاومة الشعبية هذه الروح المتأملة بالنصر في لغة الشعر، إذ تمثل حركة الفدائيالمكلل بالكفاح المسلح من جهة، وأطفال الحجارة من جهة أخرى أبرز موقعين للمقاومة في الشعر العربي المعاصر.
يقول الشاعر عبد الرحيم محمود، وشعره مما كثر تداوله على ألسنة الناس، مجسدًا روح الكفاح لغايتي النصر أو الشهادة:
سَــأَحــمِــلُ روحــي عَــلى راحَـتـي
وَأَلقـي بِهـا فـي مَهـاوي الرَّدى
فَــإِمّــا حَــيــاةٌ تَـسُـرُّ الصَـديـقَ
وَإِمّــا مَــمــاتٌ يَــغــيـظُ العِـدى
وَنَـفـسُ الشَـريـفِ لَهـا غـايَـتـانِ
وُرودُ المَـنـايـا وَنَـيـلُ المُـنى
***
من أمثلة الدراسات عن صورة فلسطين في الشعر العربي كتاب محمد حور "فلسطين في الشعر المعاصر بمنطقة الخليج العربي"، حيث تحدث الكتاب عن أبعاد الرؤية السياسية في الشعر من خلال البعد الإسلامي، والقومي،والعالمي، وعن صور المأساة في الشعر من خلال صورة النكبة، واللاجئ، والفدائي،وتوصل الباحث من خلال هذا كلّه إلى التأكيد بأن الشعراء عامة كانوا على درجة من الوعي والنضج، أهلتهم إلى أن تكون مشاركتهمجامعة بين العاطفة والعقل في تصويرهم لفلسطين في أشعارهم. 
أما جميل بركات في كتابه "فلسطين والشعر"، فقد قدّم حوالي أربعين شاعراً عربياً في ضوء علاقة شعرهم بفلسطين، مما يشير إلى نموذج واضح من اهتمام الشعراء العرب جميعهم بهذه القضية المركزية التي هي قضية عربية إسلامية إنسانية، لا قضية إقليمية فلسطينية، فإذا كان الأعداء يريدونها قضية إقليمية فلسطينية، فإن الشعراء الناطقين بروحالأمة ووجدانها أكدوا عروبة فلسطين وإسلاميتها وإنسانيتها في سياق غير قابل للتشكيك والتزوير.. يقول الشاعر مانع سعيد العتيبة في هذا السياق: 
ماذا يقولُ دمُ الشهيدِ لأمةٍ           شهدتْعيونُ نيامِها أزهارَه
أنَا في فلسطينَ انتفاضةُ عاشقٍ        لترابِها والعشقُ فعلُ حضارَة
ومضى بأحجار الكرامة راسماً       للنصر في درب الفداء إشارة
فإذا قضى بطلٌ سيولدُ غيرُه         متحديًا وسيقتفي آثارَه
 
* * *
لا شك في أن النماذج المختارة تشكل حالة عشوائية، إذ يصعب على أي كاتب – كما ذكرت - لهذه الأسطر أن يتمثل مفاصل الشعر العربي في فلسطين، فهي حالة جوهرية في صياغة الشعر المعاصر، لأنها قضية الأمة الأولى، وليس العدو في هذا السياق سوى راكب لمركب خرب، إن بدا الآن عائماً على سطح بحر هادئ، فلا بد من أن يغرق في لحظة هيجان البحر، وهذا البحر هو أمتنا في سكونها الآن وهيجانها مستقبلاً - بإذن الله.
كذلك شكلت فلسطين ديوان شعرائها من أبنائها، فهي ديوان الشاعر المقيم تحت الاحتلال، وهي ديوان الشاعر المشرد في المخيمات والمنافي، فكان على رأس هؤلاء الشعراء :إبراهيم طوقان، ومحمود درويش،وسميح القاسم، وعزالدين المناصرة، وتوفيق زياد، وكمال ناصر، ويوسف الخطيب، وفدوى طوقان، وإبراهيم نصرالله، ومريد البرغوثي،وتوفيق صايغ، وأحمد دحبور، ومعين بسيسو، وسلمى الخضراء الجيوسي، وراشد حسين...وغيرهم ممن يعدون بالآلاف.
تقول فدوى طوقان من قصيدة " شهداء الانتفاضة": 
رَسَموا الطّريقَ إلى الحياةْ
رَصَفوهُ بالمَرْجان بالمُهَجِ الفتيّةِ، بالعَقيقْ
رَفَعوا القلوبَ على الأكُفِّ حجارةً، جَمْرًا، حَريقْ
رَجَموا بها وَحْشَ الطّريقْ
هذا أوانُ الشدِّ فاشتدّيْ
وَدَوّى صَوْتُهمْ
في مَسْمَعِ الدّنيا، وأوْغَلَ في مدى الدّنيا صَداهْ
هذا أوانُ الشدِّ
واشتدّت... وماتوا واقفينْ
مُتَوَهِّجينْ
متألِّقينَ على الطّريقِ، مُقَبِّلينَ فَمَ الحياةْ!
 
ويجسد الشاعر الأردني أيمن العتوم، في قصيدة تلك اللحمة العميقة بين الأردن وفلسطين( مدينة أردنية بمدينة فلسطينية) في مقاومة الاحتلال، والمعاناة من إجرامه اليومي المستمر:
فِلَسْطِيْنُ الحَبِيْبَةُ .. كُلُّ جُرْحٍ
يَسِيْلُ، فَإِنَّما دَمُنَا المِدادُ
مَعًا كُنَّا، وَمَا زِلْنا … فُؤَادًا
عَصِيًّا حِيْنَ يَنْفَطِرُ الفُؤَادُ
كَأَنّا في الهَوَى رِئَتَانِ ذَابَا
عَلَى جَسَدٍ، وَشَكَّلَهُ الوِدادُ
إِذَا امْتَلأَتْ عُرُوقُ (القُدْسِ) نَزْفًا
يَكُونُ بِقَلْبِ (عَمّانَ) الضِّمَادُ
وَإِنْ (نَابُلْسَ) صَاحَتْ وَاسْتَغَاثَتْ
يَكُونُ لَهَا مِنَ (السَّلْطِ) النِّجادُ
وَإِنْ صَوْتُ (الخَلِيْلِ) ذَوَى لِقَهْرٍ
فَفِي (الكَرَكِ) الأَبِيَّةِ يُسْتَعادُ
وإنْ (بيسانُ) أرَّقَها همومٌ
(فإربِدُ) يستَبِدُّ بها السُّهادُ
كَذَا الأَحْرارُ في وَطَنِي لُيُوثٌ
ولَكِنْ غَلَّتِ الأَيْدِي الصِّفادُ
فَقُلْ فِيْمَنْ يَرَى وَطنًا بَدِيْلاً
بَدِيْلُكَ أَنْ يُدَاسَ لَكَ الوِسَادُ
طُيُورُ القُدْسِ مَا سَكَنَتْ سِوَاها
وَسَوْفَ تَعُودُ لَوْ طَالَ البِعَادُ
إِذَا مَرَّ الشِّتَاءُ بِهَا مَرِيْرًا
فَفِيْ دِفْءِ الرَّبِيْعِ لَهَا مَعَادُ
وَمَا أَلِفَتْ نَوَارِسُ بَحْرِ (يافا) 
سِوَاهُ … وَإِنْ يَكُنْ طَابَ المِهَادُ
فَصَبْرًا … فَالأَمَانِي قَادِمَاتٌ
تَكَادُ تَكُونُ عَنْ قُرْبٍ … تَكَادُ
وكان اجتياح غزة مثارًا لكثير من الأشعار، منها قول الشاعر غزاي درع الطائي، شاعر، عراقي :
يا عربَ العزَّةِ مَنْ ينصرُ غزَّة؟
 
يا غزَّةُ
يا غزَّةُ
يا غزَّةْ
لا تنتظري أنْ نفعلَ شيئاً من أجلِكِ يا غزَّةْ
فلقد ماتتْ في أنفسِنا أغصانُ الغارِ
وماتتْ في بستانِ عروبتِنا أشجارُ العِزَّةْ
لا تنتظري خيراً من كلِّ الأنظمةِ المهتزَّةْ
لا تنتظري خيراً من عربِ النَّكبةِ
أو من عربِ النَّكسةِ
أو عربِ الاستسلام
آلامُكِ ستظلُّ غراباً ينعقُ
فوق النارِ على مرِّ الأيّامْ
وأنتج التطبيع والتصالح مع الكيان الصهيوني كثيرًا من القصائد الرافضة لهذهالمؤامرة على القضية الفلسطينية، بدون أية مكاسب تستحق أن تذكر في السلام المزعوم مع هذا الكيان الإجرامي الغاصب، يقول الشاعر أمل دنقل:
لا تصالحْ على الدمِ.. حتى بدمْ! 
لا تصالح! ولو قيلَ رأسٌ برأسٍ 
أكلُّ الرؤوس سواءٌّ؟ 
أقلبُ الغريبِ كقلبِ أخيكَ؟! 
أعيناهُ عينا أخيكَ؟! 
وهل تتساوى يدٌ.. سيفُها كان لكْ 
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟ 
سيقولون: 
جئناك كي تحقن الدمْ.. 
جئناك. كُنْ ـ يا أميرُ ـ الحَكَمْ 
سيقولون: 
ها نحن أبناء عمْ. 
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومةَ فيمن هلَكْ.
واغرسِ السيفَ في جبهةِ الصحراءِ.. 
إلى أن يجيبَ العَدمْ. 
إنني كنت لكْ 
فارساً، 
وأخاً، 
وأباً، 
ومَلِكْ!
 
وفي المحصلة، كان للشعر العربي، وخاصة الشعر الفلسطيني، دور رئيس وعميق في بناء هوية ثقافية عربية مقاومة للاحتلال الصهيوني،ومتألمة مما يجري في واقع مأساوي مسكون بإجرام هذا الاحتلال الاستيطاني، وبروح ثورية فلسطينية تقاوم مقاومة مشروعة بكل السبل، وتؤمن بحتمية الانتصار على هذا العدو.
ونختم بهذا المقطع المشهور من إحدى قصائد محمود درويش، الذي يصور فيها الاحتلال عابرًا في كلام عابر:
أيها المارّون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أيْنَما شئْتُم، ولكن لا تُقيموا بيْنَنَا
آن أن تنصرفوا
ولتموتوا أينما شئتمْ، ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعملُ
ولنا الماضي هنا
ولنا صوتُ الحياة الأوَّلُ
ولنا الحاضرُ، والحاضرُ، والمستقبلُ
ولنا الدنيا هنا... والآخرة
فاخرجوا من أرضِنَا
من بَرِّنا... من بحْرِنَا
من قمْحِنَا... من مِلْحِنَا... من جُرْحِنا
من كل شيء، واخرجوا
من ذكرياتِ الذاكرة
أيها المارّون بين الكلمات العابرة!...
 
 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي