مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سعيد عدنان || كاتب ومفكر عراقي
ربّما لا يعرفه أبناء هذا الجيل ، وربّما جهلوا منزلته ؛ فقد بعد العهد به ، واختفت آثاره من سوق الكتب ، وقلّ من يذكره . لكنّه كان أديباً كاتباً نسيج وحده ، لا يشبه أحداً من أدباء زمنه !
ولد المسعديّ في سنة 1911 ، حين كانت بلاده ، تونس ، تشقى بالفرنسيين ، وبمن يحتطب في حبالهم ، وتشرئب نحو حياة حرّة كريمة . أقبل في نشأته الأولى على القرآن الكريم ، والحديث الشريف يأخذ منهما زاد الروح ، وبيان العربيّة ، ثمّ تعلّم الفرنسيّة ، وقرأ أدبها ، ومضى يستوعب الأدبين : العربيّ والفرنسيّ ، ويستصفي أجود ما فيهما ، ويتغلغل في خفي الفكر ، ويستميله ما كان يُعنى بالإنسان ووجوده ، وما يتّجه إليه من غاية ، وما يشقى به . واستهوته الفلسفة ، ووقف منها على الوجوديّة ؛ يقرؤها ، ويتأمّل آثار أعلامها ، ويُصغي إلى إيقاعها ؛ وقد بدت له ، في قضيّتها الكبرى ، قديمةً صحبت ، بنحو ما ، كلَّ من أشكل عليه أمرُ الإنسان في مضطربه ، وأنّ مّما ينطوي عليه مصطلحها الحديث شيئاً قديماً أطاف بأدباء ، وأصحاب فكر ؛ كالتوحيديّ ، والمعرّيّ ، ومن قبلهم ذلك الذي صنع أسطورة سيزيف ، وحمّلها ما شاء من عبث الوجود ، وذلك الذي صنع أسطورة بروميثيوس ، وجعل فيها وهج الإنسان ، وشوقه أن يخرج من الظلمات إلى النور . قرأ المسعدي كلّ ذلك ، وأعاده في نفسه ، ونظر إلى ما هو فيه بضوء منه ؛ وكان الاستعمار الفرنسي يضرب بجرانه على بلده ، ويملأ الأفق يأساً وظلاماً ؛ ولكنّ شرف الإنسان معقود بمغادرته اليأس وإقدامه على العمل ، وإنّ مجد سيزيف الذي حفظه عليه الزمن ؛ أنّه لم ينفض يده من صخرته ، وظل يصعد بها الجبل كلّما انفلتت ، وهوت على المنحدر .
كان الأدب ، يومئذٍ ، في تلك المطالع الأولى من القرن العشرين ، يستمدّ نُسغه من العاطفة ؛ في توقّدها ، واحتدامها ، وتقلّبها ، وقلّما فاء إلى جانب العقل ، وقلّما شغلته قضايا الوجود الكبرى ؛ لكنّ المسعديّ ، منذ بداءته ، كان مُعنّى بالإنسان ، وما يكتنفه ، ويقود مآله ، أويقف على منافذ دربه يسدّها ؛ ينظر فيه ، ويتمثّله ، ويصوغه أدباً ، متطلّباً له شكلاً يلائمه .
زاول المسعديّ الكتابة على أناة وصبر ؛ يطيل النظر في الفِكَر تعرض له ، ويطيل النظر في صياغتها ، وإنزالها في نسج لغوي يحكم الإحاطة بها ، ثمّ هو ، من بعد ، لا يتعجّل أن يلقى الناس بها ؛ بل يدعها عنده يقلّب فيها الرأي ، ويمتحنها ، فإذا رضيها ، بعد زمن ، أخرجها للناس . وليست الكثرة من سبيله ، ولا الإطالة ممّا يعوّل عليه ، ويكفيه ما يتمّ له من طريف الفكر ، ومتين الصياغة .
كتب ( السُّدّ ) في صدر شبابه الأول ؛ كتبها بين سنتي 1939 و1940 ، ووسمها بـ : ( رواية في ثمانية مناظر ) ، وقوامها حوار ، وليس قصّاً ؛ ذلك ، أنّها يوم كُتبتْ ، كان مصطلح الرواية يُطلق على القصّة والمسرحيّة ، ولم تكن المسرحيّة النثريّة قد أخذت مداها في الأدب العربيّ الحديث ، واستقر مصطلحها . على أنّها ، مع ذلك ، ليست مسرحيّة يستطيع مخرج أن يخرجها على خشبة مسرح ، ويُقبل عليها النظّارة ، بل هي أثر فكري اتّخذ المحاورة طريقة أداء . وكأنّها ، بذلك ، تنزع نحو طريقة قديمة في أداء الفكر الفلسفيّ ، عرفها أفلاطون ، وعُرفت به ؛ تقوم على بسط الأفكار بالحوار ؛ غير أنّ المسعديّ لا يعرض أفكاراً مجردة كما يصنع الفيلسوف ، بل يعرضها متلبّسة بأشخاصها ، وحوادثها ، صنعَ الأديب الماهر في صنعته . وتُعلن مهارته عن نفسها منذ العنوان ؛ فلقد دعاها : ( السُّدّ ) بضم السين ، وليس بفتحها ؛ وهو يعرف أنّ ( السُّد ) ما كان من عمل الطبيعة ، وأنّ ( السَّد ) ما كان من عمل البشر . وإنّما هو يرمي إلى شيء في أصل الوجود ، وجوهر التكوين يصارعه الإنسان !
أراد المسعديّ في ( السُّد ) أن يكتب ملحمة الإنسان إذ يُرسي كيانه على أساس متين من العمل الذي لا تحبطه عوامل الإحباط ، ولا يجد اليأس منفذاً إليه ؛ فكلّما يبس الزرعُ الذي زرع ، وألوى ؛ استأنف حراثة الأرض ، وأجرى فيها الماء ، وبذر البذر !
يقول في مقدمة ( السُّد ) : ( هذا كتاب أردته صدقاً لا يختلف معه وجه الحقيقة في الوحدة والسرّ ، عن وجهها في الجماعة والعَلَن . كتبته في عهد انفراد وتأمّل ، وامتحنته بعد العِشرة والعمل مع الناس سنوات ، فلم ألفِه في جوهره تنكّر لي ، ولا أنكرتُ منه ، فأخرجته على علّاته . وبعد فهو كتاب الإيمان يَسَعُ من الحيرة أقصاها ، ومن الشكّ أقساه . وهو كتاب الإيمان بالإنسان ، لأنّه كتاب الفناء في الخلق ، في الله ...) و( السُّد ) ، من بعد ، تمجّد إرادة الإنسان ، وتضعه في الوجود حيث تسمو إرادته ، ويشتدّ عزمه .
ولعلّ ممّا سلك به هذا الدرب من الفكر المؤمن بالإنسان ومقدرته ، على رغم ما يكتنفه من عوائق ، أنّ بلاده ، يومئذٍ وهي تحت الاستعمار ، كانت أحوج ما تكون للعمل الواثق الدائب ؛ ولم يكن المسعديّ بعيداً عن مدار السياسة ؛ فقد زاول العمل الوطنيّ ؛ لكنّه إذ يكتب الأدب يرجع بالأشياء إلى أصولها ، ويهمل الفروع تعلّقاً بما انبثقت عنه .
لقد تمّ للمسعديّ بالسُّد مدخل لاحب إلى الأدب الفلسفيّ لا ينكر الشكلُ فيه المحتوى ، ولا ينبو المحتوى عن شكله ؛ قد ذاب الفكر في الحوادث والأشخاص أتمّ الذوبان . إنّها من أجود الأمثلة على الأدب الفلسفيّ !
وإذا كانت الإرادة وما ينبثق عنها النُسغ الذي يجري في ( السُّد ) ؛ فإنّ حبّ الحياة والشوق المتضرّم لها هما ما يتدفّق في روايته الأخرى : ( حدّث أبو هُريرة قال ...) . التي كتبها منجّمة على سنين ؛ إذ بدأ بها سنة 1939 ، وظلّ يكتب أحاديثها على مهل حتّى سنة 1956 ؛ ولم ينشرها كاملة في كتاب إلّا في سنة 1973 ، وكأنّه كان لا يريد أن يفرغ منها . يقول عنها في مقدّمة الكاتب : ( هذا كتاب كتبته منذ أحقاب ، حين كنت أروم أن أفتح لي مسلكاً إلى كياني الإنساني ، وأقضي حجّاً إلى موطني المفقود : وفاءٌ حنينٌ إلى الذات الجوهر الفرد ، وتوليد للعِشرة من معدن الوحشة ، وإشهاد على أنّ تاج الكيان مركب من العشق والفناء . ) لكنّها لقيت ، يوم نُشرت ، سيرورة وإقبالاً للذي هي عليه من جدّة في الشكل والمحتوى ، وللغة التي صيغت بها ، ولما لها من أفق مفتوح تتّسع به القراءة ، ولوشائج تصلها بالتراث العربيّ . غير أنّ لا علاقة بين أبي هريرة الذي يحدّث فيها ، وأبي هريرة الصحابي ؛ عدا أنّ لكليهما فنوناً واسعة من الأحاديث !
وله مع هاتين الروايتين ؛ ( مولد النسيان ) وفيه ما فيهما من استبطان ، وأشواق ، وآمال ، وتأمّل في النفس ونوازعها ، وما يطرأ عليها .
وكلّ ما كتب المسعديّ حمّال أوجه ، متّسع القراءة ؛ إذ هو لا يريد له معنى بعينه ؛ وإنّما يريد ما ينشأ له من صدى في نفس القارئ ،أيّاً كان نوعه ، وأيّاً كان مداه . ويقول مرّة أخرى ، وهو يتحّدث عن أبي هريرة : ( وليس لطالب أن يطلب فيه جديداً من المعاني طريفاً ، لأنّه لا يكون عندي أطرف ممّا ينشأ في نفس القارئ عند مطالعته من الأفكار والمشاعر . فلتدخل إليه إذن أيّها القارئ بأمرك الباطن ولتنشره عليه .) ولعلّه ، بذلك ، أوّل قائل بالقراءة والقارئ ، في الأدب العربيّ الحديث ؛ من قبل أن يكثر القائلون !
إنّ المسعديّ وأدبه نمط فريد ؛ فكراً وصياغة ؛ وكلّ قراءة جديدة له تطلّ على أفق جديد ، غير أنّه عندما توفّي في 2004 كانت كتبه القليلة قد شحّت بين أيدي الناس ...!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي