loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الخيط الرفيع بين الجنون والإبداع من الرفض إلى الإتباع

breakLine

 

 

 

 

عزالدين بوركة || شاعر وباحث جمالي مغربي 

 

 

 

• عِلْمِيَّة الجنون والإبداع:

يُخبرنا جبران خليل جبران بأنه "بين الجنون والعبقرية خيط أرفع من نسيج العنكبوت". تقودنا مقولة هذا الأديب والفنان وأحد رواد الأدب والفن العربي الحديث، إلى البحث عميقا في الرابط الخفي بين "الجنون والعبقرية"أو "جنون والإبداع"، إذ إنّه يكاد لا يكون هناك –حسب هذا القول- خيط فاصل بين المبدع وعبقريٌّ. ونلمس الطرح ذاته عند صاحب المطارق الهدامة لأسوار الحداثة وقالب القيّم، فريديريك نيتشه الذي يخبرنا بأنه "دائما مايوجد في الحب شيء من الجنون، لكن دائما ما يوجدبعض المنطق [العقل] في الجنون أيضا". فما الذي يجعل الجنون أمرا منطقيا ومرغوبا فيه من لدن المبدعين؟ وأي علاقة تربط الإبداع بالجنون؟ وهل الجنون هو دائما فقدان العقل والقدرة على التحكم فيه؟ وهل يمكن أن يكون المرء مجنونا ومبدعا في الآن ذاته؟ وما هي الحدود بين الجنون والعبقرية والإبداع؟ بل هل يمكن للمرء "المجنون" التفلسف والتفكير والإبداع؟ بل ما هو الجنون بالتحديد؟

يُعرّف الإبداع على أنه هو "الإتيان بجديد أو إعادة تقديم القديم بصورة جديدة أو غريبة. أي القدرة على تكوين وإنشاء شيء جديد، أو دمج الآراء القديمة أو الجديدة في صورة جديدة، أو استعمال الخيال لتطوير وتكييف الآراء حتى تُشبّع الحاجيات بطريقة جديدة أو عمل شيء جديد ملموس أو غير ملموس بطريقة أو أخرى". أما الجنون فيعرّف بشكل عام بأنه "هو عدم القدرة على السيطرة على العقل أو هو مجموعة من السلوكيات الشاذة التي تميّز أنماط من السلوك الشاذ التي يقوم بها الاشخاص بدون وعيّ وإدراك ورغما عن إرادتهم،وهو الأمر الذي يؤدي إلى انتهاك المعايير الاجتماعية،وقد يصبح هؤلاء الأشخاص يشكلون خطرا على أنفسهم أو الآخرين". لكن يبدو أن هذين التعريفين الأولينغير قادرين على إعطائنا تعريفا دقيقة في ما يتعلق بالحدود بين الجنون والإبداع. لهذا حاول، سنة 2015،معهد الطب النفسي وعلم الأعصاب (LoPPN) التابع للجامعة الملكية بلندن، وبتعاون مع شركة الأدوية الوراثية الأيسلندية deCode Genetics، الإجابة عن هذه الاشكالية وذلك عبر القيام بدراسة الجينات والموروثات الجينية. قبل هذا البحث، كانت هناك فرضية تقول بأن الإبداع مصحوب بشكل من الأشكال بالحمق المنتشر على نطاق واسع، لكن لم يكن مثبتا ذلك الافتراض من الناحية العلمية. وبعد تحليل جينات أزيد من 86 ألف حالة أيسلندية، تمكن العلماء من إقامة صلة محددة بين هاتين الظاهرتين: الجنون والإبداع. كانت الحالات الإبداعية الخاضعة للدراسة مكونة من أعضاء في الجمعيات الوطنية للممثلين والراقصين والموسيقيين وفناني الفن البصري والكُتاب... ولو أنه التعريف العام للشخص المبدع بالنسبة للباحثين، هو "الشخص الذي يتبنى مناهج مبتكرة تتطلب عمليات إدراكية وفكرية تختلف عن أنماط التفكير والتعبير السائدة". وقد أظهرت الدراسة أن هناك جيناً مرتبطا بالإبداع، وهو عينه الجين الذي يحفز على بروز الفصام (الشيزوفرنية) والاضطراب ثنائي القطب. وكما أثبتت الدراسة أيضا، أن مخاطر الإصابة بالفصام كانت أعلى بكثير عند الأفراد المبدعين مقارنة بالأشخاص الآخرين. وقد أكد الباحثون القائمون على الدراسة بأن النتائج المحصل عليها تشير إلى كونالمبدعين قد يكون لديهم استعداد وراثي للتفكير بشكل مختلف، عندما يقترنون بعوامل لخطر البيئية أو البيولوجية الأخرى، ما قد يؤدي إلى "مرض عقلي".

ما يقودنا إلى النظر إلى الجنون باعتباره، حالة ذهنية وعقلية تقود المجنون إلى عدم التحكم في سلوكياته وأفكاره وحركاته، فيكون إذن جسد حر وغير متحكَّم فيه من قبل عقله، إنه بالتالي في حالة اللاعقل، لكن هذا التعريف الذي ظل لقرون عدّة سائدا، يسقط حال النظر إلى ما أنتجه مبدعون وعباقرة من أعمال فنية وفلسفات شكلت قطائعا وانعطافات حادة في التاريخ البشري، إنه كما يقول ميشيل فوكو، "هو قطيعة مطلقة في العمل، إنه يشكل اللحظة المكونة لاندثار ما، ويؤسس في الزمن حقيقة العمل، إنه يرسم حدوده الخارجية وخط الانهيار، إنه بروفيل ضد الفراغ". فيصير العمل الفني ما هو إلا نتاج حالة جنون، إذ لم يعد يقود إلى ظهور الحقيقة الأصلية للعمل، بل هو قرار سيتوقف العمل انطلاق منهإلى الأبد، ويطل إلى ما لا نهاية على التاريخ. هذا ما قاد فرويد إلى البحث في سيرة دافنتشي ليحللها ويستخرج منها الحالة النفسية المرضية التي منحت هذا الفنان عبقريته الفذة، وهو عينه ما سيجعل فوكو يصرّح بأن هذا "العالم الذي كان يعتقد أنه يعرف حجمه ويبرر وجوده من خلال السيكولوجيا، عليه الآن أن يبرر وجوده أمامالجنون، ذلك أنه في سعيه ونقاشاته يقيس حجمه بلا محدودية عمل كعمل نيتشه وفان غوخ أو أرتو. ولا شيء داخله، وخاصة ما يمكن أن يعرفه عن الجنون، يضمن له أن أعمال الجنون هذه تبرره".

• سفينة الحمقى، رحلة بلا وجهة:

تقودنا التجربة العلمية، المشار إليها، إلى إعادة التفكير مليا في موضوع "الجنون"، في عصرنا الحالي، بل وتغيير وجهة رأينا حوله، وقد سبق وقاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه الشهير دعوة إلى إعادة التفكير عميقا في هذا المتغير باستمرار. إذ لم يكن مفهوم الجنون وتعاطي الناس معه ثابتا على الإطلاق على مر العصور، حيث إنه خضع لتغيرات قطعية من حقبة إلى أخرى. في حفرياته التاريخية (الأركيولوجية) التي قام بها في مؤلفه المشار إليه، يذكر فوكو أسطورة "سفينة الحمقى" ويستدل بأحداث تاريخية موثقة على حقيقة حدوثها. إنها سفن وليست سفينة واحدة، كان يتم جمع فيها المجانين والحمقى، بل كل من شُكّ في جنونه وحمقه ومرض عقله، فيتم دجّهم فيها وإرسالهم إلى "المصير المجهول"، مصير يحدده البحر: التيه. فكثيرا، كما يقول صاحب "حفريات المعرفة"، ما شاهدت أوروبا تلك السفن وهي تعبر الأنهار، وعلى ظهرها عدد كبير من الحمقى. 

لقد جعلت هذه السفن الحمقى يتيهون فاقدين البوصلة وغير عالمين بمكان الرسو، بل لا مكان لهم ليرسون عليه، فلم تكن لتقبل بهم مراسي وموانئ مدن أوروبا، فقد كانت المدن تطردهم من جنباتها. يسرد فوكو بأنه قد تكون سفينة الحمقى التي سكنت مخيلة الناس في المراحل الأولى من عصر النهضة سفنا خاصة بالحجيج، سفنا بالغة الرمزية لحمقى يبحثون عن عقولهم: البعض يهبط أنهار ريناني في اتجاه بلجيكا وغيل، والبعض يصعد في اتجاه جورا وبيزونسون. من كلامه نفهم بأن الأهالي كانوا يرسلون ذويهم المرضى العقليين إلى أماكن مقدسة من أجل الشفاء والعلاج، (يشبه بعض العادات المتأخرة في بعض البلدان العربية، كضريح بويا عمار في المغرب!)، أماكن تقود إليها الأنهار ومياه البحار، إنهم يُقادون إلى منابع المياه المقدسة من أجل تطهيرهم بدنيا وروحيا، فقد نُظر إلى المجنون على أنه مريض روحي، مريض النفس. أو به مس شيطاني لعب بعقله. وما يجعل هناك رابط قوي بين الماء والجنون في ذاكرة الإنسان الأوروبي. فالماء يحتل بعدا طُهرانيا وشفائيا فيالميثولوجيا والأنثروبولوجيا. غير أن المجنون في عصر النهضة لم يكن يُرى بعين النقص دائما. فإذا كان الجنون يأخذ صاحبه في دوامة حيث يفقد السيطرة على نفسه، فالمجنون، على العكس من ذلك، يذكر الكل بحقيقتهم. فقد كان الجنون والمجنون شخصيتان عظيمتان بفعل غموضهما: تهديد وسخرية، سخرية لاذعة من العالم وتفاهة الرجال وضعفهم؛ كما يخبرنا فوكو.

• من برانت إلى بوش:

وقد تناول أسطورة "سفينة الحمقى"، شعراء وفنانون رسامون من عصر النهضة كثر، أبرزهم الشاعر الألماني سيباستيان برانت Sébastian Brant والرسام الهولندي الشهير جيروم بوش Jérôme Bosch، وكلا من عمليهما (القصيدة واللوحة) يحملان نفس العنوان. إذ كتب برانت قصيدته سنة 1492، ورسم بوش لوحته في أواخر القرن الخامس عشر، سنة 1500 تقريبا (اللوحة معروضة اليوم في متحف اللوفر بباريس). وقد احتلت ثيمة الحمق والجنون محل ثيمة الموت، في أدب وفن عصر النهضة، وهو ما سيقود إلى انتاج أعمال مسرحية تتخذ من أبطالها مجانين يتهكمون من الوضع السائد بحرية، أو يتم إسقاط عليهم نقد الأوضاع السائدة. فيوكل إلى المجنون أن يتحدث في كل المواضيع وأن يتحمل ورز السائد. إنه ثنائي الأوجه: فاقد للعقل وقائل للحقيقة. بل إنه سيتم تحميله في أحيان كثيرة وزر ما يقع في الغربكله، وهذا ما نلمسه في أدب شكسبير ومسرحياته(هاملت، الملك لير) وأعمال سيرفانثيس (دون كيشوت) بوصفها أعمالا تتضمن استيهامات تحيل إلى الحمق.

وعودة إلى لوحة بوش، سنجد أن لها علاقة وطيدة بقصيدة برانت، التي كانت قد ترجمت إلى بعض اللغات الأوروبية،وانتشر في بلدان غربية عدة بما في ذلك داخل هولندا. ما يعني أن بوش قد اطلع على تلك القصيدة وتأثر بها. وقد كانت القصيدة تحظى بشعبية كبيرة بين الناس لفترة طويلة. لقد حاول برانت من خلال نصه أن يعكس صورة المجتمع الأوروبي وخاصة الألماني آنذاك، وقد وجد في قصة "سفينة الحمقى" وسيلة دقيقة لإبراز مواقفه وأفكاره، وخاصة أن تلك الممارسة (الإبحار بسفن الحمقى) كانت سائدة خاصة في ألمانيا. حاول برانت أن يلفت انتباه الرأي العام إلى مشاكل ذلك الوقت وأن يدعو ألمانيا إلى الاستيقاظ لتصحيح الأخلاق. وخلق بالتالي تيارًا كاملاً في الأدب الألماني بقصيدته. في وقت لاحق، تجاوز هذا التدفق ألمانيا وانتشر في جميع أنحاء أوروبا. وبالتالي، استوحى بوش لوحته من كتاب سفينة الحمقى لبرانت، الذي تنطلق فيه سفينة – أسطول كامل في البداية – إلى بازل نحو فردوس الحمقى بينما تحمل اللوحة للبعض بُعداً تشاؤمياً بوصفها سفينة البشرية جمعاء، وإن الأعمال الأدبية في القرن السادس والسابع عشر جعلت من الفكرة الرئيسية لسفينة الحمقى محاكاة ساخرة لسفينة نوح. فإذا كان نوح قد أنقد البشرية من الطوفان، وذلك بأن اختار قليلا من المؤمنين، وتطهيرهم بالعوم فوق المياه على ظهر السفينة لألف عام، فالعالم في عصر النهضة، بدأ يتخلص (التطهر) من "شره"الأخلاقي الذي يحمله الحمقى بإرسالهم إما للتطهير بمياه المنابع المقدسة، أو ليبحروا في البحر بلا عودة.وتصور لوحة بوش نظرة المجتمع إلى شخصيات المجانين (ركاب السفينة) باعتبارهم هائمين في الغناء والشراهة والشهوة. وهي تُربَط نشاطات الشخصيات إلى الخطايا في الديانة المسيحية، خطايا مرتبطة بفساد الروح والنفس، هذه الأخيرة التي ما هي إلا عبارة عن توازن بين الأخلاط والتي ما أن يفسد توازنها حتى يفسد العقل والبدن والروح.

• من التيه إلى الإقصاء:

ترمز السفينة في كل من عمل برانت وبوش إلى المجتمع الأوروبي آنذاك، المجتمع الذي كانا ينظران إليه على أنه غارق في المعاصي وانحلال الأخلاق، مجتمع يقوده الجنون إلى التيه، وهو عينه ما رمز إليه بوش بالقبطان الغارق في الماء وهو يدفع سفينته بيده... إلا أن الجنون -أو الحمق- لم يكن يقتصر على من شكّ في مساس بعقولهم، بل إنه في العصر الكلاسيكي سيتم اعتبار كل من لا يستوي سلوكه وتفكيره مع تفكير وسلوك المجتمع مجنونا، إذ سيتم اعتبار مجموعة من المبدعين والفنانين مجانين، فقط لأنهم عبروا عن أراءهم ورؤيته للعالم بطرق لم يكن للمجتمع أن يستوعبها أو يتقبلها. كما حدث مع مارسيل دو ساد، الذي سيلاقي حتفه في مستشفيات الحجز. وبالتالي استبدلت السفينة ببنايات الحجز القصري، التي في الغالب كانت أماكن مقدسة يقصدها الحجاج العقلاء و"المجانين"، وقد بيّن فوكو هذا المعطى بشكل أوسع في كتابه "تاريخ الجنون...".

تم القيام بحملة شرسة ضد المبدعين الذين لا يتماشى تفكيرهم وأعمالهم الإبداعية مع التفكير العقلاني الذي بدأ يتبناه الغرب آنذاك، في بدايات عصر الحداثة. وإنه التفكير ذاته الذي سيقود المجتمع الغربي لارتكاب تعسفات مهولة في حق مجموعة كبرى من الأبرياء بتهمة جنونهم، فقط لأنهم بخلاء أو حمقى أو بلداء أو غير مؤمنين أو حتى المرأة التي لا تطيع زوجها او المتسولين والمتشردين... فلم يعد ينظر إلى المجنون بنظرة ثنائية، تجمع بين اللاعقل والحكمة، بل إنه مريض يجب عزله عن المجتمع، ما ولد أولى أشكال الاعتقال والحجز والاقصاء، باسم التطهير، لكن هذه المرة ليست الروح بالعقل الغربي.ولكن في ذات الوقت الذي كانت فيه أوروبا تمارس الاقصاء بحق "مجانينها"، كان العرب والمسلمون يمتلكون مستشفيات صحية سميت بالمرستانات، حيث كان المجنون في فاس (القرن الثامن ميلادي) أو بغداد (القرن 12 ميلادي) أو القاهرة (القرن 13 ميلادي)... يتمتع باستشفاء ورعاية كبرى من قبيل استعمال الموسيقى والأدب والفن للتداوي إلى جانب الأدوية العشبية وغيرها.

كان الحمق مرادفا للخطيئة في الغرب، واعتبر الحجز لسنوات طويلة (في العصر الكلاسيكي) المكان الأنسب للتخلص من هذه الخطيئة، بعدما كان التيه في الماء أو السفر عبره إلى الأماكن المقدسة خلاصا منها. ما سيدفع بفوكو إلى أن يعتبر الحجز والطب شكلا من أشكال الحراسة والعقاب، لأنها مسخرة لقهر حالات الهذيان والانفعالات عبر الضبط والمراقبة. وهو ما يضبط ويعيق حرية المبدع الذي ظل رغم ذلك مصنفا ضمن خانة الجنون والهذيان.

• مجانين بصيغة الإبداع:

بَيّنت لنا التجربة العلمية والمختبرية المشار إليها في أول نصنا هذا، أن الخيط الرفيع بين الجنون والعبقرية أو الإبداع، هو خيط لا يمكن قياسه بأي أداة ووسيلة حساب، إنه دقيق للغاية جدا، رفيع لدرجة أننا لا نستطيع أن نفصل بين المبدع والمجنون، بل كلاهما لديهما نفس الاستيهامات، بخلاف ما بينا أنه كان سائدا في القرون الماضية، التي كانت ترى المجنون بعين الريبة والحذر أو الجذب والبوهيمية أو انفصال مطلق عن عالم الواقع. وتلك الاستيهامات وهي عينها ما نجده عند نيتشه وونيرفال وأرتو ودو ساد... بل إن نيتشه، الذي جنّ وهو يتأبط الحصان، قادنا إلى قلب الحقائق والقيم وإنشاء تفكير جديد، أو بالأحرى فلسفة ما بعد حداثية، سيتأثر بها فلاسفة آخرون أمثال هايدغر ودريدا وسيوران وفوكو وليوتار وبودريار وغيرهم... وهي عينها الفلسفة التي ستقود مارسيل دوشان إلى إعلان ميلاد براديغم فني جديد موسوم بالفن المعاصر. بل إن عباقرة في الفن والأدب أمثال فان غوخ ومودلياني فريدا كالو وتينيسي ويليامز وإدغار آلان بو وسيلفيا بلاث وفيرجينيا وولف، التي قادها الاكتئاب الحاد إلى الانتحار، وكافكا الذي قاده جنونه السوداوي إلى تأسيس أدب معاصر قواهم النظرة العبثية واللامعقولة للعالم، وعربيا نلمس عبقرية الجنون عند الشاعر (السريالي الأول) أبي العبر وأبي حكيمة (في قصائده المتهكمة والجريئة) ومجنون ليلى وامرئ القيس والحلاج، وحتى الشاعر العراقي الراحلجان دمو الذي اتخذ الصعلكة طريقا إلى الشعر، أما في المغرب فنعثر على تجربة فريدة في كرطوغرافيا التشكيل المغربي، ويتعلق الأمر بالتشكيلي عباس صلادي الذي عاش متنقلا بين زوايا الرجال السبع في مراكش، يرسم استيهاماته وعوالم سريالية وصوفية تصوّر نساء ورجالا عراة تمتزج أجسادهم مع الطبيعة وجدران الزوايا... هؤلاء وغيرهم ممن عانوا من اضطرابات عقلية، مؤكدين على مدى قرون أن العبقرية الأدبية غالباً ما تكون مصحوبة بأمراض عصبية وأمراض عقلية. حيث إن الجنون والإبداع يشتركان في خاصية الابتعاد عن التآلف مع الطبيعي، ومع الروتيني واليومي، بل إنهما ينزحان عن الطبعي إلى حالات من الاستيهامات، حالات من تصورات ذهنية كفيلة بإعادة صياغة العالم في صور خاصة لا تتصل بكيفية التفكير الاعتيادية. لهذا غالبا ما نجد جنون المبدع معبر عنه من خلال عمل صاحبه وحتى حياته، فتمتزج الحياة بالعمل وصاحبه في الآن ذاته، ما يصعب التفرقة بينها. وهكذا، كان بول فيرلين مدمنا على الكحول، وعانى أنتونين أرتو من الهلوسة، وكان نيرفال يعاني من هوس حاد وكان بالزاك ثنائي الشخصية (القطب)، كما فيكتور هوجو أو بودلير، وقد تم حجز فوكو في مصحة للأمراض عقلية في بدايات شبابه، وقد قتل صديقه الفيلسوف الماركسي ألتوسير زوجته بسبب جنونه... إن هذه الأمراض، إذا اكتسبت الكثير منها تقييما في مستشفيات الأمراض النفسية، لم تبطئ من إبداعهم، بل على العكس من ذلك جعلتهم أكثر إبداعا واختراقا للمألوف. بل إن عبقريتهم تتأتى من "جنونهم"، من إصابتهم بالجنون، الجنون الحقيقي، كان كفيلا أن يجعلهم يرون العالم بنظرة مختلفة، من بعد مختلف، ألا يفكروا تبعا للنمط والنظرة الاعتيادية، أن يكوّنوا "لانسقا"بل نسقا فوضويا خلاقا خاصا بهم، قد يكون عند بعضهمتشظيا، وقد يكون عند البعض حفرا في أراض ملغومة، وقلبا للقديم عن البعض الآخر، وتمزيقا لما جاء به عصره عن آخرين...

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي