loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

خُبز على طاولة الخال ميلاد المجتمع كفرن، والإنسان كرغيف من الخبز

breakLine

 

 


محمد سمير ندا || كاتب مصري

 

للوهلة الأولى يبدو أننا أمام رواية تستجوب مفاهيم الرجولة في المجتمعات العربية، خصوصًا المنغلقة منها كالمجتمعات الريفية والبدوية وما يماثلهما، وهو أمر لا يجانب الصواب في العموم، لأن هذا العمل السردي يشرّح التعريفات الدارجة للرجولة من خلال عدة مواقف يتعرض لها بطل الرواية وترد على ألسنة محاوريه، وبالتبعية يسلط النص الضوء على ازدواجية المعايير التي تحاكم الأنثى وتغض الطرف عن الرجل، وكما ركزت الرواية على أسباب اضطهاد (وربما احتقار) المرأة وفقًا لأحكام الأعراف والتقاليد وتشريعاتهما، فقد تفادت مناقشة القضية ذاتها من المنظور الديني، الذي تعد تفاسيره المغلوطة رافدًا أساسيًّا يغذّي الأعراف وتنهض عليه التقاليد، الأمر الذي لا أعرف هل يحسب للكاتب، أم يؤخذ عليه (يأتي هذا في ظل توتر أنباء عن سحب وزارة الثقافة الليبية لتهنئتها للنعاس، أول روائي ليبي يفوز بالبوكر، لأن روايته تسيء للذات الإلهية والمعتقدات الدينية، الأمر الذي يضعنا -إن ثبتت صحته- أمام كارثة بكل المقاييس)
بيد أن هذه الرواية، التي يتصدّر الخبز عنوانها وغلافها (رغم تحفظي على اعتماد عنوان من خمس كلمات كان من الممكن اختزالها حسب رأيي)، تُصوّر العالم برمته كفرن كبير ينضج فيه الإنسان (الخبز) وفق مقادير محدّدة وأجواء تسهم في تكوينه وتحدد ملامح شخصيته.  
لي مأخذ أخير على الغلاف، وهو إفصاحه عن وجه البطل، الأمر الذي يفرض نوعًا من الوصاية على مخيّلتي كقارئ يحب أن يُشكّل ملامح الشخوص كما يستخرجها من بين السطور.

ميلاد والخبز: خالق أم مخلوق؟

عندما يتحدث ميلاد عن كيفية تحضير الخبز، يتحدث بشغف عاشقٍ، ووله مريد صوفي، ربما لا يكون ميلاد على سجيته إلا وهو مطمور بالدقيق، ويداه مخضبتان بالعجين والخميرة، ممارسًا فعل الخلق الخاص به. يتلقى عن الأب الغليظ -الذي يرى أن تكميم المشاعر الأبوية أحد مظاهر الرجولة، فيكتفي بأن ينهر ويعاقب دون أن يقوّم أو يأتي بأي فعل تربوي مفيد- مقادير الخبز، وهي مقادير ماديّة ملموسة، ومقادير غير ملموسة تسهم في إنضاج العجين في رحم الحياة المفتوح على الأفق، الوقت والهواء عاملان مهمان في صنع الخبز إذن، وهكذا، مع توالي الفصول وتعاقبها على مطارح/أفران حياتية خُبزت وعُجنت وتخمّرت فيها شخصيّة ميلاد، تتبلور الفكرة الرئيسة لهذا العمل؛ إذ أن ميلاد هو الخبز الذي تصنعه المجتمعات العربية المنغلقة على نفسها، وانطلاقًا من هذا الإسقاط الهام الذي أجاد الكاتبة دمجه في بنائه السردي، يجوز للقارئ أن يطرح مئات التساؤلات عن ماهية المكونات الني تستخدمها المجتمعات العربية بغية إنضاج خبزها؟ وفي أيّة أفران حياتيّة وبيئيّة تتخمّر هذه العجينة الآدمية التي تكتمل مقاديرها السبعة بنفحة إله يبث في العجين قبسَا من روحه؟

بنية المكان والموروث الشعبي

أحببت تقسيم فصول العمل وعنونتها وفق المطارح والأمكنة التي تناوبت على ميلاد إبّان نشأته وحتى تمام نضجه. بداية بالمخبز ونهاية بالمطبخ، وما بينهما المعسكر ودار غزالة وبيت العائلة والبراكة. كما أن استهلال الفصول بأمثال شعبية ليبية جاء ليوثق السطوة الذكورية على العقل الجمعي للمجتمعات العربية وفقًأ للمنطق الأبوي والمفاهيم الجندرية العربية بكل تشوهاتها وعيوبها.  كان من الملفت في هذا النص الروائي تصوير الأماكن كأفران يسهم كل منهم في "تسوية" عجينة ميلاد، الولد الوحيد لأب لم ينجب من قبله أو بعده إلا البنات. المخبز كان الأكثر تأثيرًا، والـمُشكّل الأساسي لملامح ميلاد التي يتصورها القارئ شبيهة برغيف من خبز الباجيت. كان للمعسكر دور محوري في تطور شخصية ميلاد، وربما كان أهم الأسباب التي دفعته إلى تقديم استقالته من مهام الذكورة التي يطوّق المجتمع عنقه بها كشرط لا تكتمل من دونه مقومات الرجولة، وكذلك الحال في دار غزالة وبيت العائلة والبراكة، كأن الأماكن كلها كانت حريصة على ترك بصمتها في قلب ميلاد، وشمًا يدق على جدران الذاكرة فلا يمّحي، ولا يتوارى خلف ما يراكمه الحاضر.

الخط المهزوز والراوي المتكلم

ما أصعب أن يكلف الكاتب شخصية مهزوزة غير سويّة مثل ميلاد باعتلاء منصته السردية الوحيدة، مغامرة محفوفة بالمخاطر، خصوصًا مع الكشف عن مشهد نهاية يحيل القارئ إلى مراجعة كل ما قرأه وقياس مدى الاتساق بين زمن الحكي والفعل الذي اختتمت به الأحداث. لن أستفيض في هذه النقطة حرصًا على عدم الكشف عن الـ twist الأهم في الرواية والذي نعرفه في الصفتين الأخيرتين فقط.
كان من الصعب أن تصل الفحوى من رسالة مكتوبة بكف مرتعشة إلى المتلقي، لولا أن الكاتب "حكواتي شاطر"، فمع تدفق السرد وتوالي المشاهد والصور المغمسة بنوستالجيا طرابلس بكل تضاريسها وتفاصيلها، يألف القارئ خط الكف المرتعشة، ويقدر على فهم الرسالة القابعة وراء السطور وخلف العناوين الأصلية والفرعية. اعتمد الكاتب على راوٍ متكلم وحيد، وهو محق في ذلك لأننا أمام نص لا يحتمل البوليفونية، ويحيد عن فكرته الأصلية إذا تشابكت أصوات موازية مع صوت ميلاد، بيد أن اعتماده نمط الحكاية الدائرية التي تبدأ من حيث تنتهي، كاشفة رويدًا رويدًا عن حبكتها الرئيسة، مَنَح فضاءً لبضع علامات استفهام راحت تتقافز وراء كلمة "تمت".

كيف خَبَز النعاس "ميلاد"؟ وكيف خَبَز"ميلاد" شخوص حكايته؟

ليست روايتنا هذه أول رواية ترد أحداثها على لسان شخصٍ مختل -أو غير متزن في أفضل الأحوال، فتاريخ الأدب العربي عامر بشخوص مُختلّة، إما حائرة، أو محطّمة ومنكسرة، أو منتقمة، ولأن المساحة الني خصصتها لهذه القراءة غير المتعمّقة لا تتسع لذكر نماذج كثيرة مما أسلفت، فإنني سأكتفي بالإشارة إلى نموذجين من الأدب العربي المعاصر استقرا في ذاكرتي القرائية القريبة، الرواية الأولى هي "فسحة للجنون" للمبدع الراحل سعد محمد رحيم، وهي رواية تحكي سيرة حكمت المجنون الذي فقد عقله في أقبية الأمن العراقي في عهد صدام. في هذا النموذج السردي آثر الكاتب استخدام الراوي العليم ليمنح لحكايته آفاقًا شاسعة تتعد بتنوع زوايا الالتقاط، وهو التكنيك الذي لم يفضله النعاس. النموذج الآخر، وهو الأقرب حسب رأيي لروايتنا هذه، يتمثّل في رواية "العطر الفرنسي" للأديب القدير أمير تاج السر، الذي قدم عبر روايته شخصيّة لا أعتقد أنني قادر على نسيانها في أمدٍ قريب، أعني هنا شخصية "علي جرجار"، الشخص المختل بدوره، الذي يروي حكايته بنفسه على الرغم مما يتضح عليه تدريجيًّا من أمارات الخبل، بيد أن المخضرم تاج السر تحايل على علامات الاستفهام (المحتملة) بأن استهل روايته بفصل من عشر صفحات قدم فيها الراوي العليم مستهل الحكاية، ثم ترك الكلمة لـ "علي جرجار"، ليحكي الأخير تتمة الحكاية ذاتها من منظوره -بتطور أركيولوجيّ للحبكة- لما يقارب مائتي صفحة. وأنا هنا لا أنحاز إلى نص على حساب آخر، بل ألقي الضوء على نصوص عربية معاصرة تناولت حكاية شخص مسّه الجنون لسبب أو لآخر، ولعلني هنا أود القطع بأن تفاصيل الروايات الثلاث، رواية النعاس وروايتيّ رحيم وتاج السر، لا تتقاطع ولا تتشابه في أي موضع منها.
اختار النعاس لنصه إذن مسارًا مختلفًا، وأجاد في بناء عوالمه بشكل لافت، وخلق شخصًا (حقيقيًا أو متخيّلًا؟ لن نعرف حتى الصفحة الأخيرة) وظيفته هي الاستماع إلى ميلاد طوال الوقت، وهو أمر استحسنته كثيرًا. كذلك: أنضج النعاس "ميلاده" على نار هادئة، ومنحه الحرارة اللازمة للاحتراق البطيء، بحيث لا يتحقق الاحتراق الكلي (على سبيل المجاز) إلا بنهاية الرواية، وفي ذات الوقت، أجاد النعاس استخدام الصوت المهزوز والكف المرتعشة في سرد الأحداث، كما كان بارعًا حين دلل على الاعتلال العقلي لبطله عبر سرد كل موقف من خلال خطين متوازيين يقصّان ذات الحدث في سياق زمني مختلف، ذلك للتدليل على ارتباك الراوي وعدم قدرته على لملمة الخيوط، والالتزام بالخط التصاعدي للحكاية. 
وفي سياق موازٍ، كان "ميلاد" يرسم شخوصه مترويّا، وبمنتهى التلقائية والمكاشفة والتصالح مع سائر الموجودات، فميلاد شخص متصالح مع كل شيء، مع نفسه، ومع شخصيته المغايرة للسائد والمطلوب والمفروض. كما أنه شديد التعاطف مع النساء ولا يشعر بالتفوق أمامهن إلا مرغمًا أو ثائرًا مدفوعًا. ولعل الشخصيات الأكثر نضجًا في فرن "ميلاد" هي زوجته "زينب" وأخته "صالحة"، وأمه، ثم يأتي بدرجة أقل: الأب في البدايات، وابن عمه "عبسي"، والرجل اليهودي وابنته في تونس، مرورًا ووصولًا إلى شخصية مريم أو المدام.

سلبيات النصّ

كانت الحبكة الدائرية التي ترتكز على الحاضر مستعيدة تفاصيل الماضي تدريجًا حتى تلتحم الصفحة الأولى بالأخيرة جيّدة في ظاهرها، بيد أنها تركت تساؤلات لدى بعض القراء عن قدرة الراوي على قص هذه التفاصيل، على الرغم من تلعثمه الذي أجاد النعاس رسم تفاصيله. إذ أن النهاية تأتي لتكشف عن شخصٍ غير سويّ هو أبعد ما يكون عن رجاحة العقل، كما أن التفاصيل التي وردت على لسانه في الصفحات الأخيرة، والتي جرت بعد بلوغ الرواية نقطة ذروتها المفاجئة، ربما لا تتسق مع شخصية ميلاد التي عرفها القارئ طوال ثلاثمائة وخمسين صفحة. 
عن نفسي، لم أجد النهاية مفاجئة أو بعيدة عن الواقع، بل إن العوامل كلها كانت تمهد لها، كان هناك إعصارًا يلوح في الأفق، وبحرًا يكتم غضبته قبل الفيضان، لكن التفاصيل التي تلت مشهد النهاية كما رواها ميلاد، ربما كانت غير منطقية.
الأمر السلبي الثاني حسب رأيي يتعلق بتطور شخصية ميلاد، إذ أنه يتخذ في مرحلة ما قرارًا بترك عمله في مطعم البيتزا والجلوس في البيت راضيًا بتأدية الأعمال المنزلية عوضًا عن زوجته الموظفة. وأنا هنا لا أنتقد قراره، لكن الرواية لم تفصح عن دوافعه، فميلاد لا يجد نفسه إلا بين الدقيق والعجين، فلماذا يقرر ترك مطعم البيتزا والجلوس في المنزل؟ في الحقيقة لم تقدم الرواية تفسيرًا لهذه التحول المؤثر على مجريات النص.

ختام

عودة على بدء، هذه رواية تبشر بميلاد كاتب عربي أتوقع منه الكثير، وهو الشاب الليبي محمد النعاس الذي اعتلى منصة البوكر بروايته الأولى، يقتحم النص أعشاش دبابير الذكورة، ويرشق نوافذ أرباب المنطق الأبوي ومعتنقي الشريعة الذكورية بحجارة الواقع. يحاكم النعاس المجتمعات العربية التي تخبز في أفرانها القمعيّة رجالًا يؤمنون بالتفوق الذكوري غير المثبت أو المبرهن فوق الأرض، ويعاتب نساءً يعتنقن الذكورة فلا يؤمنّ برجولة من لا يجلد المرأة بسياط اليد واللسان، يحاكم البلاد والعباد على مقادير الخلق الوجداني لأجيال تنشأ ونفوسها مشوهة وعقولها متشددة مصمتة أمام نداءات العقل، ينادي بنصرة المرأة من دون أن يمنحها صك البراءة مما اقترفته إزاء نفسها، لكنه يطلق صيحة تحذير (حذرة)، تطلب من الناس جميعًا أن يعيدوا حساب مقاديرهم.
كانت "خبز على طاولة الخال ميلاد" رواية تصوّر معاناة الفرد أمام المجتمع، العقل الفردي المختلف في مواجهة العقل الجمعي المنغلق، وتشرح تفصيلًا كيف ينسحق الفرد تحت وطأة مجتمع قاسٍ لا يقبل الاختلاف، ويعدّه جريمة تستوجب الإقصاء والمطاردة والتجريم.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي