loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

خطاب جماليات القبح ، اجتراح اسلوب تقشير المعنى

breakLine
2022-07-02

* براد الموتى ، مجموعة نصوص مسرحية للكاتب علي العبادي
 

عقيل هاشم / كاتب عراقي

 

شكلت الدراسات الثقافية منعطفاً مهماً في منهجية مابعد البنيوية ، وجاء ذلك في معرض التحول الجذري في دراسة الآداب والفنون وما أفرزته الممارسات النقدية المختلفة كظهور النقد النسوي، والتحليل النفسي، ودراسات الجنوسة وغيرها..
تبنت الدراسات الثقافية بظهورها توجيه نظرة تشككية إلى المجالات التي تدخل فيها كلمة (الثقافة) وكلّ ما يمكن له أن يندرج تحت هذا المسمى. فساءلت الدراسات الثقافية العلوم المنتمية إلى الحقل الاجتماعي، وعلوم الإنسان، واستجوبت ممارسات النقد الأدبي التقليدية وممارسات النظرية الجمالية..
وقد عنيت تلك المنهجية بالتعبير عن مبادئ الوجودية، وعدم جدوى الوجود الإنساني في كونه شيئآ وبلا قيمة أو معنى؛ فما كان من أدباء تلك الحركة إلا أن تجاهلوا القواعد التقليدية «المنطقية» للشخصيات، والحوار، وتسلسل الأحداث، والشكل الدرامي..
وكان واحدًا من المواضيع التي انشغل بتصويرها هو فرضية أن جميع مشكلات الإنسان تكمن في فكرة الخلاص ؛ فعلى الإنسان الاعتراف باستحالة الوصول إلى فهم كلي وشامل يتجاوز قدرة الإنسان على الفهم..
إن تجربة الكاتب علي العبادي في هذه النصوص التجريبية والتي عودنا دائما على ان تحدث صدمة فكرية للمتلقي ,فقد حاول استشراف النص المركب والمغاير ، مطلقاً العنان لمجموعته المسرحية ، لارتجالات خلاقة وممنهجة، قصد التعبير عن آمال ومآسي الإنسان في عالم معولم وسريع التحول.. لقد نجح إلى حد كبير في استنطاق انساق مضمرة من حيث هي ذاكرة حية تختزن العديد من المفاهيم الحجاجية. مفسحاً المجال لإبراز طاقات تعبيرية اسهمت الى حد كبير في إنجاح نهجه الكتابي..
أن مفهوم النص في حد ذاته لم يعد يخضع لنفس آليات الكتابة الدرامية المعهودة في السابق، وهنا تحديداً، نتساءل - رفقة باتريس بافيس في آخر دراسة له عن مفهوم الكتابة هل لا يزال الناس يكتبون نصوصاً من أجل المسرح؟ نصوصاً تقرأ كأدب وينظر إليها من حيث هي سابقة للإنتاج المسرحي، هل لا تزال تلك النصوص تحمل صفة درامية أم أنها أصبحت ما بعد درامية ومختلفة جذرياً عن تلك التي سبقتها؟
بطبيعة الحال المسرح في نشأة مستمرة، ويتوفر على قابلية داخلية للتجاوز وإعادة البناء، انطلاقاً من تفاعله مع محيطه الثقافي المتحكم في إنتاجه وترويجه .
وإن بروز حساسيات فنية جديدة تدعونا كمتتبعين لمقاربتها بأعين مختلفة عن تلك التي ورثناها عن النقد التقليدي . فمتابعتنا لما يكتب من الحساسيات الفنية الجديدة التي تؤثث الجسد المسرحي راهناً، وهذا جزء من أهداف الدراما .
وضمن منهجية الحساسية الجديدة هو توظيف للغة الساخرة وأحيانا البذيئة القصد منها خلخلة النسق الثقافي والتي تكشف قدرته الكامنة في بث نسق تهكمي في نصه. ذلك واضحا في كل نصوصه وتلك قدرة متحصلة بين التجربة الشخصية للكاتب والإدراك الفني ، التي تميز الموجة الجديدة من الإبداعات : اللعب بكثافة العلامات المسرحية وتنوعها، انفجار البعد الحقيقي من خلال هيمنة الفعل الدرامي، استفزاز السرد الأحادي والتطور الخطي للأحداث.
أهم ما يميز هذه المرحلة، التي تلزمنا بتقويض كل المقولات الكبرى، وبالتمرد على كل مقولات الحداثة وقيمها ورفضها.هي الايغال في التمرد والانحراف في كتابة النص.
وبما أن الفن عموما والمسرح على وجه الخصوص “كمنتَج فني جمالي، ومنتج للفكر الإنساني، وحامل له من خلال الكلمة والرموز والدلالات التي تحملها عناصر العرض المسرحي لا يمكن أن نتصوره منفصلا عن الواقع في مختلف جوانبه الفكرية.. والثقافية والاجتماعية والسياسية.
اقول لم يعد النص ملتزماً بأبنية فكرية، أو فنية واضحة، ومحددة، أو تابعة لشكل، أو مذهب له تاريخ خاص، ولكنه يجسد مغامرة تجريبية في اقتحام ما يسمى بالشكل، أو إعادة تأويله في سياق جديد. الكتابة عند العبادي صيرورة تنتج فيها الدوال وجودها التعددي، أو المختلط من حيث الإحالات الفكرية، والفنية في حالة تداخل مركب ربما دون مرجعيات تستلزم الحضور ؛ فالنص يغيب أبنية الشخوص، وآراءهم، وإرادتهم من خلال التفاعل المعقد بين الهوية ، وتداعيات متناقضة من الأفكار، والتيمات الفنية.
ومن ثم فإنه لا يمكن فصل الحدث عن التحولات الجمالية لعناصر النص من هدم مركزية الحدث، والفضاء؛ فالعمل يحوى عناصر تقع بين أطياف الافكار، والتناثر الجمالي .اذن هو المكمل الجمالي البديل عن الوظائف التقليدية، والأفكار الواضحة؛ بالنتيجة هو تمرد على تصاعد الصراع، والحدث بالإيغال في القراءة الجمالية الجديدة لمكونات العمل الفني.
إرتبطت كتابات العبادي ومنذ بواكيره الأولي بالكتابة المغايرة للسائدة وان يختط طريقا له من حيث فهمه للحداثة وقيمها الفكرية والاجتماعية فما لا خلاف عليه كان لها منذ البداية إرتباطها بالهموم الانسانية ومحاولة كسر التابو الثلاثي المحرم.
صحيح أن الكتابة الدرامية الجديدة تهدف إلى إلغاء المعنى وإمحاء القيمة من النص، لكن ما قرأناه من نصوص لمسرحياته، أراه يشير إلى موقف أخلاقي من المجتمع، لكن لا يقول ذلك صراحة، وهذا التردد تارة نجده واعياً لدى المؤلف، أو غير واع عند آخرين. وكأن المؤلف نفسه، يقصد الوقوع في منطقة التردد ليحمي نصه من المساءلة، تاركاً للقراء وللنقاد أن يقولوا ما يشاؤون. إن تواصل النص مع المجتمع غير ملموس،
إنّ هذا التشكيك، وانهيار المسافة بين الذات والموضوع هي محاولة لتأكيد عناصر التشظي والتشتيت والتقويض. وهذا التوجه يجعل الحقائق الأبدية والثابتة في جدل محموم وسط الاضطراب والتغيير الذي تتعرض له المجتمعات الإنسانية. ويلاقي هذا الاشتغال صدى غير مقبول، لكننا إذا نظرنا إليه من زاوية غير ثقافية، سنجد فيه تعبيرات عن الامتداد الاجتماعي للمسرح في الحياة.
وكان من بين هذه التصورات, الشعور بالتداعي والتشظي، والحنين إلى الماضي، والتشوش، مما يُفضي إلى انفصال عن القيم [الأدبية] التقليدية، كالعمق، والاتساق، والمعنى، وسط دوامة عشوائية من الإشارات الفارغة. وبذلك لا يقوم أدباء ما بعد الحداثة بالتشكيك في الأشكال الأدبية التقليدية وتجاوزها فحسب، بل ويعيدون تعريف اللغة نفسها من ألفاظ وإشارات ومعاني، فيتولد عن ذلك كله إحساس -ما بعد حداثي- بعبثية الوجود.
يمكن أيضاً أن نستخلص عدد من السمات الحداثية هذه النصوص التي تميزت بمناقشتها وطرحها للعديد من القيم مثل الوجودية و إشكالية الإغتراب عن الواقع أو الفصام الاجتماعي , واليكم النصوص :
نص "قيء" :
تطالعنا شخصية (الرجل /المراة) اما المكان خربة .
المراة في الشارع وحوارها مع الرجل – (مرة حارس الشاب الذي ينقذ الجرحى ساعة الانفجار – ثم يعود حارسا –صاحب المنزل – السياسي – واخيرا رجل دين).
الاشتغال كان على ثنائية – الماء – الوسخ .
اما المظلة اكيد لها دلالات – اما لحماية الرجل من المطر والبلل ثم دلالة الحماية من جهة اخرى ..
فكلّ أثاث النصّ رموز تحمل معاني مسرحية ممتلئة بمحمولات فكرية .
اشتغل العبادي بشكل كبير على خاصية "التّقشير" والتّي تعدّ مركز قوّة كلّ عمل إبداعي، وبخاصة الكتابة المسرحية، فلكلّ شخصية وتحولاتها لها دلالة مفتوحة على التّأويل، كما أنّ لكلّ ملمح من ملامح شخصياتها قوة تأثيرية تدفع بالقارئ وبطريقة جمالية نحو تشكيل رؤية ورؤيا حول هذا العمل الإبداعي. فالمميّز في هذا النصّ المسرحي "قيء" هو ترك كاتبه لتلك المساحة من حرية التّخييل والخلق لدى المتلقي.
نص "عزف نخلة" :
فقد اقتصر الكاتب على وصف الملامح النّفسية لهذه الشّخصيات "الام- الرجل- المهد" ، مع توصيف لخطاب الامومة المفقودة ، وهذا ما جعل الكاتب يغوص في تهويمات النّفس البشرية شيئًا فشيئًا، وأكثر فأكثر، وذاك في نظرنا هو الأهمّ؛ وهو أنّها تعاني وتقاسي المشاكل والأزمات نفسها، ايضا نجد ظاهرة تقشير الشخصية من رجل الى "رجل القبيلة – رجل الدين...الخ" ثم حي /ميت.. وكأنّ الكاتب يقول لنا إنّ الشرّ والقسوة ليس لهما ملامح محدّدة، فالملامح مختلفة والنّظام المعتمد والمهيمن واحد... لقد أبدع الكاتب في تصوير هذه الشّخصية المسيطرة أيّما إبداع، حيث جعل "المهد" مقابلًا لـ: مكان قذر والم- صراخ وتغوط" ، فهما وجهان لعملة واحدة، إن غاب أحدهما يحضر الآخر، فالمهد يحمل معه كل الغموض والأسرار والتوجّس، فالكاتب قد ترك مساحة كافية ليشتغل عليها خيال متلقيه.
نص "براد الموتى" :
يستخدم الكاتب في نصّه تقنية "الداتشو" لترسم صورًا عديدة للانتعاق من "سجن العربة"، وتوظيف الكاتب المتكرّر للفظة "جثة " بشكل لافت فعلًا للنّظر يؤكّد هذه الفكرة، النص رسّخها. لسياسة تكميم الأفواه أضحت السّياسة المهيمنة هنالك أبعاد تخييلية وهي كثيرة أضفتها على النصّ المسرحي كون الجثث الثلاث جميعها ذكورا ثم انها تتكلم وتتحرك بفعل المحمولات الفكرية ،
نص "حينما تعزف اللاءات" :
"البطارية للساعة" رمز راسخ للحياة بعد الموت وعلاقة ذلك بالمقدس والمدنس، اعتقد هو وجه من وجوه ما يعتري للإنسان وما يشغله يوميا كون القادم ملجأ للآمال والأحلام، هناك تولد الأحلام، وهناك تدفن الآلام؛ وهذا ما جعل الساعات متوقفة ومستعدة لدفع الثّمن بحياتها على أن لاتتسبّب في أذى حركة الزمن.
نص "حذائي" :
المتتبّع لنصوص العبادي يجد أنّ للاشياء حضورًا واضحًا، وهنا نجد "الحذاء" المكان لعيش الانسان بالرغم من عفونته ، وهذا الرّمز سيفتح بالتّأكيد الشهية أمام خيال القارئ من أجل وضع عدد لا متناه من التّأويلات والدّلالات؛ هذا الحذاء الذّي دارت حوله ولأجله حروب طاحنة، وسُفكت لأجله دماء زكيّة كثيرة, لكن وللأسف تعيش الفقر والعوز، يا للمفارقة العجيبة، ويسوق لنا حكاية الاسطورة "كلكامش" وعشبة السلام لا الحياة.
نص "الحقائب السود" :
رسمت دلالة القطار "الزمن " تقشير حركة الزمن على هيئة حقائب سفر في محطة – مرة حقيبة طفولة – اخرى حقيبة الانتظار – كذلك حقيبة اخرى واخرى وهكذا عوالم مخفية داخل حقائب سفر .جعلت للنص بعدًا دراميًا مميّزًا ألقى بظلاله على مفهوم الاغتراب ككل، فكلّ حقيبة له دلالة خاصة كان لها الأثر العميق في نفسية المتلقّي فلكأنّنا حقائب بالانتظار..
نص "انا لست مجنوناً" :
هنا وفي هذا النص رسم الكاتب لوحة سريالية عن الجنون ، وصوّرها بكلّ احترافية وإبداع: مشهد ضمّ مشهدين متباينين كلّ التّباين بين "الاول والثاني" هنا نجد صراع وجدل بين ثنائيات لاتلتقي ابدا "نورمشرق /ظلام معتم ، حقيقة ناصعة /كذب مزيف ...الخ، وكأنّ كل واحد محدق ومتربّص للاخر على الدّوام، ينتظر فقط اللّحظة السّانحة من أجل الانقضاض على الاخر.. فكلّ من يحاول ان يجادل بالحقيقة مجنون وسيدفع الثّمن غاليًا، بالقتل، أو التّشريد، أو النّفي. وكان هذا آخر نص اختتم به الكاتب مجموعته .
من خلال عرض هذه النصوص نجد أنّ الكاتب لديه جمالية خاصة تنتج عن طريقة تشكّل مكوّناته اللّفظية والدّلالية، وعملية التشكّل هذه قد ارتقت بأفكاره ومعانيه من مستواها اللّغوي إلى الدلالي,واستخدام رموزه إبداعًا خياليًا، بل وخرافيًا، بدءًا من المكان وعلاقته بالشّخصيات المتناسلة والمتحولة دلاليا.

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي