مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. عمّار الياسري || كاتب وناقد عراقي
شهدت صيرورة الاوطان تحولات بنيوية هائلة سياسياً واقتصادياً وبيئياً وثقافياً وجغرافياً بفعل السيطرة الاستعمارية (الكولونيالية) ، و(الكولونيالية)هي الهيمنة التي تقوم بها دولة معينة أو دول عدةعلى حساب دولة اخرى مما يؤدي الى التدخل في شؤونها الداخلية لسرقة اقتصادها وطمس حضارتها وتهجين هويتها والسعي الى اعادة تشكيل ثقافتها على وفق أهواء المحتل، والاستعمار في اللغة العربية مشتق من الفعل عمر أي السعي إلى تحقيق العمران ولكنه شهد انزياحاً الى معناه الحديث المرتبط بالهيمنة، إذ يرى الباحثان (ميجان الرويلي)و(سعد البازعي) إن (الكولونيالية) تشير إلى "تحليل ما بلورته الثقافة الغربية في مختلف المجالات من نتاج يعبر عن توجهات استعمارية أزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب"() بمعنى ان تمظهراتالفكر (الكولونيالي) لا تقتصر على تشويه الاخر الواقع تحت السيطرة فقط بل حتى لو لم يكن تحت هيمنتها.
يعد الفعل الثقافي الاستعماري (الكولونيالي)من أبرز التجليات التي يخلفها الاستعمار فهو لا يقل شأنا عن الخراب المادي والاقتصادي والاجتماعي والصحي الذي يقع على البلاد المستعمرة، وقد تنوع الفعل الثقافي الاستعماري في التنظيرات النقدية الحديثة إلى أنواع عديدة منها الأدب (الكولونيالي)والمسرح (الكولونيالي) والسينما (الكولونيالية)، وقد اشتغل صانعو الخطاب الروائي (الكولونيالي) على تشويه الأخر الذي وقع عليه حيف الاستعمار فلم يكتف الاستعمار بنهب ثرواته وخيراته واستعباد أفراده، بل عمل على تقديمه نصياً بشكل مخزي ومهين، فالهندي الأحمر عبارة عن همجي قاتل ومتخلف بذيء والعربي نهم الغريزة للطعام والنساء يرتدي ملابس قصيرة مشابهة للأزياء الأفغانية المرتبطة على وفق مخيالهم بالإرهاب والقتل.
قبالة الفعل الثقافي (الكولونيالي) نشأ فعل تقويضي يهدف إلى رفع الحيف عن الشعوب التي وقعت تحت نير (الكولونيالية) وإعادة هويتها المستلبة، وقد أطلق على الفعل التقويضي ما بعد (الكولونيالي) وقد تمظهر هذا الفعل الفكري من خلال الأجناس الأدبية والفنية، فالفكر والفلسفة يجدان في نظرية الأجناس الأدبية والفنية الميدان الأرحب لتجلياتهما السمعية والبصرية.
تعرف ما بعد (الكولونيالية) على إنها نظرية "تعمل على فضح الإيديولوجيات الغربية، وتقويض مقولاتها المركزية على غرار منهجية التقويض التي تسلح بها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا(J.Derrida) ، لتعرية الثقافة المركزية الغربية،ونسف أسسها الميتافيزيقية والبنيوية"()، إن عملية فضح الأيدلوجيات وتقويض مقولاتها يعني خلخلة البنية التسلطية الغربية اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وبيان زيفها وتعرية خطابها عن الدول التي وقع عليها حيف الاستعمار، ولابد أن تسعى الدول التي وقعت تحت حيف الاستعمار إلى إعادة صياغة هويتها الثقافية على وفق رؤيتها الجديدة لا رؤية المستعمر وهذا ما ذهبت اليه الباحثة (غزلان هاشمي) حينما وصفت الحراك الثقافي لما بعد (الكولونيالية) على أنه "رد الاعتبار إلى الحواف والهوامش التي سعت في نضالها إلى خلق مكانة ودور جديدين بزحزحة المركز وإعادة تشكيله أو إلغائه"()، فالهامش لم يعد أسيرًا للمركز وخطابه بل يبحث عن كتابة نصانية جديدة تنتصف لإرثه الثقافي.
تعد طروحات مفكري الأقليات مثل العربي الامريكي (ادوارد سعيد) والفرنسي الأسود (فرانزفانون) والهندي البريطاني (هومي بابا) والبنغالية الامريكية (جايتري سبيفاك) والهندية الامريكية (انيا لومبا) وآخرون، من أهم أدبيات ما بعد (الكولونيالية)،إذ يرى (فانون) إن الاستعمار حينما جعل من الجنس الابيض أو الاشقر متسيداً على الاجناس الملونة خلق اغتراباً في هوية هذه الشعوب، لذا يحاول أن يرسخ في وعيهم المقولة التي تزعم بأن الاستعمار "هو أم تترفق بهم وتعطف عليهم وتحاول أن تحمي أبنائها من بيئة ضارة، بل ترسخ نظرتهم إلى أم تعمل بغير انقطاع على أن تمنع طفلاً فاسد التكوين من أن يؤذي نفسه"()، فالجنس الأبيض يصفهم بالكينونة الفاسدة، لذا لا بد من تقويض ثقافة المستعمر الأبيض التي فرضت بالقوة ولابد من خلخلة ثوابتها وإعادة صياغة ثقافة الشعوب المستلبة، ويرى (فانون) في كتابه (معذبو الأرض) إن عملية التقويض لا تأتي إلاّ من خلال العنف أي "إن أشتداد العنف لدى الشعب المستعمر سيكون مناسباً مع العنف الذي يمارسه النظام الأستعماري"()، فالفعل (الكولونيالي) على وفق طروحات (فانون) لابد أن يقوض بوساطة فعل مضاد يقترن بالعنف يطلق عليه فعل ما بعد (كولونيالي)،وقد وظفت الرواية هذه الطروحات في أعمالها كثيراً،ولو تأملنا رواية (العائد) للروائي (مايكل بنك) نلحظ أن الهنود الحمر تعرضوا إلى شتى العذابات من قتل واغتصاب وسرقة، لكن الروائي سعى إلى تقويض الأشقر الأمريكي المتغطرس (فيتزجيرالد) حينما قدمه لهم بطل الرواية (غلاس) لينتقموا منه في النهاية، وهذه الرسالة تؤسس الى ارساء خطاب جديد يقوض السائد البصري.
في حين كانت الدراسات الاستشراقية لـ(ادوارد سعيد) تشتغل على دراسة التحولات الثقافية التي عانت منها الشعوب المهمشة الواقعة تحت نير الاستعمار، فهو نتاج ثقافتين الأولى أصوله العربية والثانية اندماجه مع الغرب، وقد مهدت له هذه المعارف الطريق إلى قراءة مفهوم الاستشراق، إذ يرى (سعيد) إن الاستشراق "مذهباً معرفياً عن الشرق، شبكة مقبولة تسمح منافذها بتسريب صورة الشرق الى الغربيين"()، ولكن أية صورة نقلت الى المخيال الغربي، صورة الهمجي البعيد عن المدنية والعربي المنغمر في الملذات والمسلم الذي يعتقد أن الجهاد عقيدة سامية في حين هو إرهاب بدأ يستبيح الوجود، ويشكل (سعيد) على الثقافة العربية وقتها ويعني فترة ما بعد الاستعمار مباشرة بعدم القدرة على تقويض تلك الصورة المشوهة على الرغم من هناك من أن هناك اعمال حاولت تغيير تلك الصورة التي رسختها الثقافة الغربية، ففي فيلم (جميلة بوحيرد) المنتج عام (1958) حاول (يوسف شاهين)تقويض الفكر (الكولونيالي) من خلال قصة المناضلة الجزائرية وما قامت به من عمليات بطولية فضلا عن ثقافتها ومدنيتها، كما عمل المخرج على توظيف محام فرنسي للدفاع عنها حتى ان بعض المدن شهدت تظاهرات بعد عرض الفيلم، ولو تابعنا رواية(الخبز الحافي) للروائي (محمد شكري) نلحظ ان البطل الذي اسقطت عليه الفضاء (الكولونيالي)الفقر والجهل والشذوذ قد قوض تلك المفاهيم الاستعمارية وتعلم القراءة والكتابة والثقافة في السجن وتشبع بمفاهيم الثورة ليتحول الى معلم وثوري وروائي وهي سيرة ذاتية للروائي (محمد شكري).
أما (هومي بابا) فقد كانت طروحاته التقويضيةتشتغل على التهجين، والتهجين هو فعالية القوة الاستعمارية وتغييرها للقوى والثوابت الوطنية، وهو الانقلاب الإستراتيجي المتسيد عن طريق إنكار الهويات التمييزية التي تتضمن الهوية النقية والأصلية، ولا يتحقق التهجين إلا من خلال التشويه والعزل لكل الموروثات المعرفية الاصلية وتفكيكها((، ولو تابعنا رواية (الرحلة إلى لورد سبورج) للروائي(أرنست هايكوكس) نلحظ مقدار الاساءة إلى سكان البلاد الاصليين بعد أن عرض البيض على أنهم الاخيار وما الهنود إلاّ مستوحشين وقتلة وقطاع طرق وهمجيين، ولكن استمر نضال الهنود حتى استطاعوا التأثير في الوسط الثقافي والسياسي وتغيير الصورة بعد ذلك، كما في رواية (الرقص مع الذئاب)للروائي (مايكل بليك) الذي يعرض لنا قصة حب بين أبيض وهندية في محاولة لتمدين هويته بعد تهجينها،ولكن الطفرة الرئيسة كانت في رواية(العائد)للروائي (مايكل بنك) الذي كان من صناعة المهمشينليقوض الفضاء الابيض بكل تمثلاته (الكولونيالية).
في حين كانت طروحات (جاتيري سبيفاك)حول التابع وتعني به الفرد الهندي الاسيوي الواقع تحت الهيمنة، وقد حللت ذلك في بحثها الموسوم (هل يستطيع التابع أن يتكلم)، لتقترح على مفكري ونقاد ما بعد الاستعمار التركيز على القهر وتقديم وجهة نظر الناس المقهورين بفعل سياسة التجهيل والتكميم والازدراء والسخرة التي تعرضوا اليها، فالمفكر هو الذي لا بد أن يأخذ دور التابع ويهشم كل الهويات الهجينة التي ارادت طمس الهوية الأم()، بينما قوضت (انيا لومبا) المفهوم (الكولونيالي) من جذوره حينما بينت الأثر الثقافي الاوربي قد استوى على الآثار الأدبية الافريقية والعربية مثل رقصة (المرمة)والكثير من الحكايات العربية()، بمعنى أن تقويض الخطاب (الكولونيالي) يتم من خلال كشف زيفه الثقافي ومن ثم توجيه الضربات إلى نتاجه الاستعلائي، ولو تابعنا رواية (اسمي خان) للروائية والسيناريست الهندية (باثيجا شيباني) والمنتجسينمائيًا عام 2010 نلحظ أن الهامش(رضوان)الذي يعد من الاقليات يسعى لمقابلة الرئيس الأمريكي من أجل أخباره بأن المسلم ليس إرهابياً،كان ينماز بخلق قويم على الرغم من تعرضه إلى السجن والاضطهاد في أمريكا، وقد بين الفيلم الجانب الروحي والسلمي للديانات المزدراة في أمريكا مثل الأسلام والهندوسية، وهذا ما ذهب إليه (هومي بابا) و(جاتيري سابيفاك) و(انيا لومبا).
لقد اتفقت طروحات منظري ما بعد (الكولونيالية)على أن هناك فعلاً ثقافياً يعد فعلاً مضاداً للفعل (الكولونيالي) ويسعى إلى استعادة الهوية المهجنة وتقويض الهيمنة وإعادة تشكيل وعي مغاير لما هو راسخ في المخيال الجمعي للشعوب المهيمنة سابقاً.
المبحث الثاني: رواية قصر الثعلب وخلخةالمركزيات السردية
مثلما بين الباحث في مبحثه الأول من اشتغالالسرديّات (الكولونياليّة) على تشويه الذات العربيّة بشكل عام والعراقيّة بشكل خاصّ، فقد وُصف العربيّ بالمهووس الباحث عن الغريزة والعنف والدماء أو بالدونيّة والاستصغار كما ورد ذلك في روايات عديدة مثل رواية "الغريب" للفيلسوف والروائي الفرنسي (ألبير كامو) ، إذ يقوم بطل الرواية (ميرسو) بقتل أحد الجزائريين دون أيّمشاعر ندم وألم أو رواية "الخوف من الطيران"للروائيّة الأمريكيّة (إيريكا جونغ) التي وصفت العربيّ فيها على أنّه مزواج شَرهِ كما نلحظ ذلك في شخصيّة (بيير) اللبناني زوج أخت البطلة الأمريكيّة الذي قدّم شقيقات زوجته لأصدقائه في الحفل على أنّهنّ زوجاته، قبالة هذا المشهد (الكولونياليّ) اشتغلت السرديّات العربيّة على تفكيك ذلك الخطاب من خلال سرديّات ما بعد (كولونياليّة) كما في رواية "قصر الثعلب" للروائيّالعراقيّ (إبراهيم سبتي) التي عمدت إلى كشف زيف الحضارة الغربيّة وبطلها النموذجيّ المتمثّل بشخصيّة النجم السينمائيّ (كلينت إيستوود) من خلال بطل الرواية المدرّس العراقيّ (محمّد الناصريّ) الذي تقمّص دور أخيه (أحمد الناصريّ)المولع بشخصيّة النجم الأمريكيّ حدّ الهوس ممّا جعله يتابع كلّ أخباره في الصحف ويشاهد كلّأفلامه في قاعات السينما حتى وصل به الحال إلى إرسال مئات الرسائل إلى نجمه الأمريكيّ المحبوب،وبسبب هذه الرسائل تمّ اختياره للتكريم بوصفه المعجب الذهبيّ ولكن ثمّة انفجار حصل في مدينته أريقت معه روحه النديّة، وحينما وصلت دعوة التكريم من النجم الأمريكيّ تلقّفها أخوه وغامر بالذهاب إلى أمريكا ليعيش أجواء هوليود بدلًا من أخيه، ومن خلال المتن الحكائيّ للرواية نرى أنّ الروائيّ لم يعمد إلى طريقة الروائيّ السودانيّ(الطيّب صالح) الذي انتقم من المستعمر من خلال غزوات بطله الجنسيّة مع الشقراوات اللندنيّات، بل جعل من بطله (الكولونياليّ) النجم المحبّب الذي دخل من خلاله (محمّد الناصريّ) إلى المركز (الكولونياليّ) ووجّه له الضربات من الداخل من أجل تقويضه والتمركز مكانه، إنّ عمليّة التقويض لدى الروائيّ العراقيّ لم تلجأ إلى مواجهة العنف بالعنف كما في بعض طروحات المنظّر (فرانز فانون) بل عمد إلى مبنى حكائيّ اشتغل على زمنين، الأوّل في الزمن الحاضر من خلال رحلته إلى أمريكا والمشاكل التي حاقت به هناك، والزمن الثاني كان ماضيًا من خلال استخدام نسق التداعي الحرّ الذي وثّق بهالمعارك التي خاضها البطل ضد المستعمر الأمريكيّسواء في حرب الكويت أم حرب احتلال العراق بعد عام 2003.
لقد وظّف الروائيّ جماليّات سرديّة اعتمدت على المقاربة ما بين أحداث الزمنين في كشف زيف الصورة النمطيّة الراسخة في المخيال العالميّ، ولو تأمّلنا حوار البطل الداخليّ في الصفحة الرابعة عشرة الذي يصف فيه النجم العالميّ "هو الملك المفدّى وكلّ الناس تمنحه الهدايا والعطايا إمّا تملّقًا أو حبًّا" نجد أنّ البطل أضفى هالة كبيرة على نجمه وهي هالة استطاعت السينما الأمريكيّة جعلها حقيقة راسخة في وعي المتلقّي، فالتكرار النمطيّللصورة يجعلها جزءًا من القاموس البصريّ للوعي الجمعيّ، لذا تُعدّ كلّ المحاولات الأخرى لكسر هيمنة هذا النموذج بائسة أمام هذا المدّ البصريّالممتدّ لعقود طويلة، في حين عمد الروائيّ إلى ثلم تلك الصورة الراسخة في المخيال البصريّ من خلال محاكاته للحرب الأمريكيّة في العراق بتقانة المقاربة السرديّة، فصورة مقتل أفراد العائلة الذين حاولوا اجتياز الرتل الأمريكيّ وصورة الطيّار الذي قضى يومه في قتل الجنود المنسحبين من المعركة اشتغلتعلى تقويض الصورة النموذجيّة، فأيّة بطولة تمتزج بالوحشيّة في تعاملها مع العزل تُعدّ بطولة منكوصة كما نقرأ ذلك في الصفحة الثامنة والتسعين "الموت ذاته حاصرني وحيدًا عندما رجعت من الكويت ماشيًا مع آلاف غيري، لاحقتنا أربع طائرات أمريكيّة مقاتلة أمعنت فينا موتًا وخرابًا"،لقد فعّل الروائيّ سارديّة المتلقّي من أجل الوصول إلى معانٍ تُقوّض النموذج الراسخ في الذاكرة.
ممّا لاشكّ فيه أنّ عمليّة الروي تتّخذ وجهة نظر معيّنة، فقد يكون الراوي غير مشارك في الأحداث عارفًا بكليّة السرد أو مشاركًا بمستوى الشخصيّة أو أصغر من الشخصيّة، إنّ تموقعشخصيّة الراوي في بنية الرواية تفرضها ضرورات فنيّة وجماليّة، لذا عمد (سبتي) إلى تقانةميتاسرديّة تجسّدت في نسقين، النسق الأوّل تمظهر في الصفحة الأولى من الرواية حينما أنهى قراءة رواية بطلها (شاهين) ومن خلال بطل الرواية وغزواته الجنسيّة في بلاد الغرب تولّدت لديه فكرة كتابة رواية ينتقم بها من الآخر، إذن المتلقّي يشهد ولادة رواية داخل رواية، والنسق الثاني تحقّق في مستهلّه السرديّ حينما كسر يقين السرد عندما خاطب المتلقّي عارضًا عليه استفهاماته كما ورد في الصفحة الثامنة "هل أحتاج لراوٍ يرسم لي خطواتي في بلاد الثلج والصقيع كما فعل الراوي لشاهين؟ أم سأدع الحدث يكتب نفسه ويدوّن سيرته؟ أم أكتب أنا فعلتي؟"، نلحظ بعدها أنّ الراوي المشارك في الأحداث المساوي للشخصيّة (محمّد الناصريّ) هو الذي يقود آليّات التسريد من خلال مغادرته بنية الميتا سرد إلى التماهي السرديّ ليجعل من المتلقّي متماهيًا معه في وجهة نظره، وقد تشكّل معماره السرديّ من جلد الذات بسبب فعلته الشنيعة التي تقمّص بها شخصيّة أخيه وما سبّبت له من مشاكل وجوديّة بعد كشفه اضطرّ معها إلى الهرب بسيّارة النفايات ومن ثمّ بالباخرة إلى وصفه للنموذج الأمريكيّ وبيئته الباذخة التي صنعتها المؤسّسة الأمريكيّة وصولًا إلى تداعياته عن مقدار الخراب الروحيّ والمادّي الذي سببته الحروب والاحتلالات الأمريكيّة ضدّ العراق ، إنّ التحوّلات السرديّة ما بين الميتا سرد والتماهي السرديّ ومسك بطل الرواية (محمّد الناصريّ) ببنية السرد ساعدت الروائيّ في عقد المقاربات (الكولونياليّة) وما بعد (الكولونياليّة) موقعًا المتلقّي في ورطة نصوصيّة،إذ لابدّ عليه من الخروج من بنية الحلم التي صاغتها المؤسّسة الفنيّة الأمريكيّة في هوليود، وهي بنية انزاحت من الحياة المصنوعة التي تجسّدت من خلال البطل (كلينت إيستوود) الذي لا يُقهر إلى الواقع الذي يحيا به معجبوه، وحسنًا فعل الروائيّ(إبراهيم سبتي) حينما قوّض الحلم الأمريكيّ بحلم بطل روايته (محمّد الناصريّ) الذي فزّ من فراشه مفزوعًا في الصفحة الأخيرة من الرواية.
رواية "قصر الثعلب" فعل ثقافيّ مضادّ فكّك الفعل المركزيّ للسرديّات الغربيّة وأعاد تشكيلها من خلال تقويض سرديّاتها الكبرى الراسخة في المخيال البصريّ للمتلقّي على مدى سيرورة الخطاب الفلسفيّ.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي