مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إبراهيم المصري /شاعر وصحفي مصري
نشر في مجلة الثقافة الجديدة
▪︎▪︎
كوكبُ الشرق:
حين كان الكاسيت لا يزالُ مزدهراً في ثمانينات القرن العشرين، قال صديقٌ إنَّه يجب "رمي أشرطة أم كلثوم من الشبَّاك" وهذا الصديق الآن من أشد المولعين بأم كلثوم، ويعزو البعضُ ظاهرةً كهذه إلى "النُّضج"، بمعنى أنَّ مُستمعاً ما في شبابِه قد لا يتقبَّلُ صوتَ أم كلثوم، ومع نُضجِه في العُمرِ يصبحُ مولعاً بها. لكنَّ السؤالَ الأهم عن بقاءِ صوتِ أم كلثوم وأغانيها حتى اليوم وبعد نحو نصفِ قرنٍ من رحيلِها، وإنْ حسبنا الزمنَ منذ أن بدأت أم كلثوم الغناء في سن الثالثة عشرة، فإنَّ ذلك يعني أنَّ صوتَها عَبَرَ ما يزيد عن مائةِ عامٍ مغنياً التواشيحَ والطقاطيقَ والأغاني القصيرةَ والطويلة، ومرتبطاً بتحولات الأغنية المصرية والعربية في الزمن الحديث، منذ خروج هذه الأغنية من الأداء العثمانلِّي إلى رحابةِ موسيقيين عِظامٍ كسيد درويش ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي وبليغ حمدي وغيرهم.
وقد لا تشكل أم كلثوم "تريند" بالمعنى السائد في إصدارات المطربين الغنائية اليوم، لكنها لا تزال في صدارةِ الزمن الغنائي الممتد منذ بداية القرن العشرين، مع إحياءٍ لبعض حفلاتِها الغنائية بتقنية "الهولوجرام" ومع المستمعين الشباب الذين يدخلون عالمَها يوماً بعد يوم.
وفي هذا يقول الناقد "ويل هيرميس" في موجزٍ عن اختيارِ مجلة "رولنجستون"Rolling Stone الموسيقية الأميركية لأم كلثوم، ضمن أعظم 200 مطرب في التاريخ:
"لا يوجد لأم كلثوم نظيرٌ بين مُغنِّيْ الغرب. لقد مثلَّت النجمةُ المصريةُ على مدى عقود، ولا تزال تمثل، روحَ الوطن العربي الواحد. إنَّ مساحةَ صوتِها من فصيلة الكونتر ألتو التي تمَّحي فيها الفروقُ بين الأنوثةِ والذكورةِ في نغماتِ القرار، كانت تحملُ طيفاً مذهلاً من الأحاسيس عبر أغنياتٍ معقدةِ التركيب"..
وإن كان لا يوجد لأم كلثوم نظيرٌ بين مُغنِّيْ الغرب، فإنَّه لا يوجد لها نظيرٌ بين مُغنِّي الشرق كذلك، وبدون الانتقاص من قيمةِ مطربين آخرين وإبداعِهم، رافقوا أم كلثوم في مسيرتِها الغنائية أو جاؤوا بعدها، فإنَّها وحدها وحتى اليوم "كوكبُ الشرق"
الحُنجرة في مُختبرِ العِلم:
إن كانت أم كلثوم وحدَها، فكيف إِذَن أصبحت كذلك؟
يعطي الكاتب والمترجم التونسي "ونَّاس بن نيَّة" في مقالٍ له على الجزيرة نت إجابةً متصلةً بعِلم الأصوات، ويقول:
"لقد حاول العلم أكثر من مرَّة فهم فردية صوت أم كلثوم وتقديم إجابات علمية مجردة تفسر هذه الهالة العظيمة التي تحيط بها رغم رحيلها منذ عقود. وكانت البداية في سنة 1975 عندما أُجريت تجارب علمية لقياس نسبة النشاز بين الأصوات المصرية المعروفة. وقد أثبتت التجربة أنَّ نسبة النشاز في صوت أم كلثوم لا تتعدى الواحد في الألف من البعد الطنيني الكامل، وهي درجة لم يسبق لأي مطرب أو فنان أن بلغها حتى هذه اللحظة. ثم بعدها بسنوات أكدت تجربة أخرى أنَّ صوت أم كلثوم هو أكثر الأصوات العربية انطباقاً على السلم الموسيقي في معادلاته الرياضية، وقد أثبتت هذه التجربة أنَّ أعلى ذبذبة بلغها صوتٌ إنساني هو صوت أم كلثوم عندما وصل إلى 3966 ونصف الذبذبة في الثانية الواحدة."..
وفي مقالٍ له على موقع "معازف" بعنوان "نظرية الأداء، ونظرة إلى أم كلثوم وويتني هيوستون" يقارن الكاتب والباحث إسماعيل فايد بين بداية أم كلثوم في الإنشاد الديني وويتني هيوستون في الإنشاد الكَنَسي، ويبني تحليله على ستة عناصر أهمها كما يقول:
" زمنيّة الأداء: وهي من أهم معالم تلك التجربة. إذ كانت أم كلثوم تغنِّي لمدة قد تصل إلى سبع أو ثمان ساعاتٍ متواصلة، معتمدة على التوافق العاطفي والإنساني مع المادة المغنَّاة والجمهور. وهو الملمح الذي لازمها في أغلب حياتها الفنيّة بعد ذلك، إن لم يكن الملمح الأساسي لأسلوبها الأدائي. فالمعروف في نظرية الأداء أنَّ الأداء الزمني المجاوز لمدة معروفة مسبقاً والذي يستمر لفترات طويلة، إنَّما هو طريقة أخرى لاكتشاف جميع الاحتمالات الفنيّة الكامنة في أي مادة فنيّة. وبالتالي، لا يمكن الوصول إلى حقائق ومعرفة فنيَّة معيَّنة إلَّا عن طريق فتح المجال الزمني بشكل غير محدَّد مسبقاً..
وفي مقالٍ له على موقع اليوم السابع بعنوان "مقام القداسة على سلم الموسيقى.. حكاية معجزة فنية اسمها أم كلثوم" يقول الكاتب الصحفي حازم حسين عن حنجرة أم كلثوم:
"لا تكمن عبقرية أم كلثوم وتفردها فى حنجرة طليقة كعنان على عنق مُهرة حرون، وقماشة صوت تقطعت سُبل الوفاق بين أهل العِلم فى فرز لُحمتها عن سُداها، فقالوا إنها تمتد ديوانين كاملين.. الديوان بالعربية هو الأوكتاف فى علوم الموسيقى الغربية، والديوانان ستة عشر مقاماً موسيقياً، وقال آخرون إنها فى فترة عنفوانها وانفلات صوتها من كل عقال، حتى الخبرة، خلال عشرينيات القرن الماضى، ارتقت السُلَّم الشاهق إلى جواب الجواب فى نغمة السيكا، دون عناء أو ادعاء، أى وصل صوتها إلى سبعة عشر مقاماً، ولا الحقيقة القاطعة بالأجهزة والقياسات الحديثة بوصولها إلى 3.6 أوكتاف فى بعض مواضع رائعتها "وحقك أنت المنى والطلب" التى أنشدتها بلحن معلمها الأول أبى العلا محمد فى 1926، ولا وصولها فى بعض الأحواز الإعجازية إلى 4 أوكتافات كاملة.. كل هذا ليس سر عبقرية ربة السحر، هناك ما هو أكبر"
"إن شئت أن نفتح كتاب الإعجاز فى ظاهره الفيزيائى، فإليك أيضاً من معجزات الست، أن صوتها يمتد على قسمين من أقسام ثلاثة لأصوات النساء "كونتر ألتو" و"ميتسو سوبرانو"، ولكنها فى كثير من تجلياتها تصل إلى مقام يقع وسط مساحة "رى بيمول"، وهى طبقة "الباريتون" التى تتوسط "الباص" و"التينور" فى أصوات الرجال، فعلتها فى تسجيل "يا ظالمنى" من حفل فندق كابيتول فى بيروت 1954"..
وإن كانت القياسات الصوتية لحنجرة أم كلثوم، عصيَّةً على الاستيعاب، أو يدركها المتخصصون فقط بدقتها العلمية، فإنَّه ما من مستمعٍ للست إلَّا ومسَّته من حنجرتِها لمسةٌ سحريةٌ ترافقُه ما دامَ حيَّاً على الأرض.
إدارةُ الموهبة:
إن قبلنا تلك المستويات العلمية في صوت أم كلثوم، فهل يعني ذلك أنَّه لا يوجد بين البشر مَن يملك صوتاً وحنجرةً مثلها؟
أخذاً بنظرية الإعجاز، ستكون الإجابة، نعم، لا أحد يملك صوتاً وحنجرةً مثل أم كلثوم، لكن ماذا لو أنَّ المعجزةَ تتكرر؟ أي أنَّ هناك مَن يملك أو كان يملك الصوت والحنجرة، ولم تُتِح له الظروفُ مساراً كمسار أم كلثوم، أو نشير إلى المسألة الأهم هنا وهي ما يُعرف بـ"إدارة الموهبة".
يُقال إنَّ مطلع الأغنية الأولى التي جمعت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فيما عُرفَ بلقاء السحاب في الستينات من القرن العشرين، وهي أغنية "إنت عمري" للشاعر أحمد شفيق كامل، كان "شوَّقوني عنيك لأيامي اللي راحوا" وإنَّ أم كلثوم غيَّرت الكلمة الأولى إلى "رجَّعوني عنيك لأيامي اللي راحوا" وفي الإحساس باللغة يمكن أن نلاحظ الفرق بين "شوَّقوني ورجَّعوني" فإن كان الشوقُ ثباتاً في الحنين، فإنَّ الإرجاعَ عودةٌ بالزمنِ كلِّه، وستشكل علاقةُ أم كلثوم باللغة من القرآن إلى الشعر العربي، ملمحاً من ملامح إدارتِها لموهبتها الجبَّارة، وتقول الباحثة الأميركية فرجينيا دانيلسون، في كتابها "صوت مصر، أم كلثوم والأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين":
"لم يكن صوتها السبب الوحيد في نجاحها، فالسبب الحقيقي في نجاحها هو شخصيتها".
وتضيف دانيلسون:
"قصة أم كلثوم هي قصة مطربة ناجحة في مجتمع يتصف بطبيعته المركَّبة، ولذلك فهي قصة متعددة الأوجه، إنَّها قصة فتاة ريفية كبرت لتصيرَ رمزاً ثقافياً لأمةٍ كاملة، وهي أيضاً قصة امرأة تؤدي العمل الذي احترفته باقتدار، امرأةٌ اعتمد نجاحها في مجالِ عملها على بذل جهدٍ مُضنٍ لشق مسارٍ لنفسها وسط الأعراف والمؤسسات الموسيقية السائدة في القاهرة، لقد وجدت وسائلَ للتأثير بل وللتحكم في الأعراف والمؤسسات التي كان لها صلة باشتغالها بالغناء، كما أنَّ قصتها قصةُ تطورِ مطربةٍ قديرةٍ رائعةٍ كان غناؤها وما زال يُنظَرُ إليه على أنَّه مثالٌ معاصر جدير بأن يُحتذَى لفنٍّ عربيٍّ قديمٍ يحظى باحترامٍ عميق"..
وسيُعلِّلُ المختصون عزفَ فرقة أم كلثوم الموسيقية بدون نوتة، بأنَّ الست كانت حريصةً عبر بروفات متكررة على حفظ اللحن تماماً، وذلك لأسبابٍ منها، ألَّا يكون العازفون مقيَّدين بالنوتة، وبالتالي تتيح لهم قَدرَاً من الارتجال أو التصرفات الموسيقية، وهو ما فعله على سبيل المثال عازف الناي سيد سالم في أغنية "بعيد عنك حياتي عذاب" حتى أن أم كلثوم التفتت مندهشة وقالت "إيه ده!"
وإذ كانت أم كلثوم تعطي فرقتها مساحة للارتجال، فإنَّ الفرقة ذاتها كانت على كفاءةٍ عالية في مواكبة أداء أم كلثوم وهو أداء لم يكن يتكرر حتى في إعادة الأغنية الواحدة، ولا في إعادة مقطع في أغنية، وكأنها تسيطر بصرامة على الوعي الكلي لإبداعها الغنائي وتتحرك فيه بما يشبه السِّحرَ في الأداء، ومثال على ذلك مقطع "افتكرلي لحظة حلوة عشنا فيها في الهوى" من أغنية "بعيد عنك" في حفل بعلبك عام 1968، ويمكن الاستماع إلى المقطع على اليوتيوب أو ساوند كلاود بالبحث عن "أم كلثوم تغاريد مخيفة من بعيد عنك بعلبك 1968" وأذكر في علاقة المحبة المشتركة لأم كلثوم أنَّ الصديق الشاعر والكاتب ناصر فرغلي كان يوصيني بالاستماع إلى حفلات أم كلثوم "الطويلة" أي تلك التي لم تخضع للمونتاج، وحتى اليوم لا أزال أحتفظ بتسجيلات لحفلاتٍ كهذه على أشرطة كاسيت، والتي يمكن أن يقال إنَّها "سلطنة مُدَوِّخِة" وأعتقد أنَّ أم كلثوم كان لديها وعي مبكر بموهبتِها العظيمة، وهذا الوعي هو ما قادها إلى إدارة هذه الموهبة كما لو كانت مؤسسةً قائمةً بذاتِها وقد كانت بالفعل كذلك، لتخلق بذلك سلطتها الثقافية والفنية والإبداعية المؤثرة حتى اليوم في حياتنا. ويقولُ الناقد "ويل هيرميس":
"تأثيرها بلا حدود في المطربين العرب، لكنَّه امتد أبعد من ذلك. بوب دبلان اعتبرها عظيمة. بيونسيه قرصنت لحن إنت عمري خلال رقصات جولتها الغنائية لعام 2016. أما روبرت بلانت فأقرَّ أنه حين استمع أول مرة لتحليق أم كلثوم على درجات المقام واستقرارها على نغمة حلوة تستعصي حتى على الخيال الغنائي، كان الحدث جللاً وكأنَّ قنبلةً انفجرت في طريقة فهمه للأصوات."..
اتقانُ العمل:
كنتُ صبيَّاً في ستينيات القرن العشرين، حين بدأت علاقتي بأم كلثوم، كان والدي برفقة أصدقائه يحرص على الاستماع إلى حفلاتِها المُذاعة عبر الراديو، شأنه في ذلك شأن ملايين العرب من المحيط إلى الخليج، وحين أصبح لدي راديو ترانزستور صغير في سبعينات القرن العشرين، كنت حريصاً على الاستماع إلى أم كلثوم عبر إذاعة الأغاني في الخامسة عصرَ كلِّ يوم، وحين أصبح لدي جهاز تسجيل بدأت الاستماع إلى أم كلثوم برفقة أشرطة الكاسيت، ويمكن القول إنَّ أم كلثوم كانت مصدراً رئيسياً من مصادر علاقتي باللغة العربية والموسيقى بشكل عام، ليس ذلك فقط، بل حين بدأت أشاهد أم كلثوم على اليوتيوب، نشأ عندي ما أسمِّيه التدقيق في الأداء، كيف تغني هذه السيدة؟ ماذا عن لغة الجسد حين تغني؟ أين تقف وأين تنطلق؟ وارتبط كلُّ ذلك عندي بمفهوم "الاتقان في العمل" والاتقان هو تمامُ ما نسعى إليه في أي عمل، أو اقتداءً بالآية القرآنية الكريمة "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون".. الآية 88 سورة النمل. وفي هذا تعطينا أم كلثوم درساً لا يُنسَى، إذ الموهبة مهما كانت عظيمة لا تكفي وحدها، ما لم يرافق ذلك إدارةٌ صارمةٌ للموهبة واتقانٌ في كلِّ تفصيلٍ من تفاصيلها من التخطيط إلى العطاء الباذخ في حفلاتِها الغنائية التي كانت تمتد الحفلة منها عدَّةَ ساعات، وهو ما لم يستطعه مغني قبل أم كلثوم أو بعدها.
في كتابها "كل دا كان ليه" الصادر حديثاً عن مكتبة ديوان تقول الباحثة والفنانة فيروز كراوية:
"عرفنا الكثير عن النشأة الريفية لفتاة بدأت علاقتها بالغناء من سن الثالثة عشرة في أسرة توسمت لابنها الأكبر مستقبلاً في مجال التلاوة والإنشاد الديني. لكن اكتشاف الأب لصوت ابنته الجميل جعله يضمها إلى جولاته وابنه في أنحاء ريف مصر والوجه البحري. وسرعات ما تفوَّقت على أخيها لتصبح المنشدة الرئيسية للقصائد والموشحات الدينية ومن خلفها الأب والأخ كبطانة. لتصبح كذلك مصدر النجاح والدخل لأسرتها، وتغدو منشدة ذاع صيتها وزاد الطلب عليها في قرى ومراكز الدلتا لسنوات قبل أن تنتقل إلى الاستقرار في العاصمة في عام 1923.
تخيُّل هذه البداية التي تجمع بين النشأة في مناخ ريفيٍّ محافظ وبين النبوغ الذي يفوق التوقُّع من فتاة يضيء على طبيعة الدراما الشخصية في حياة أم كلثوم. كانت حياة أم كلثوم بين هذه القوسين، كما كان امتيازها كظاهرة فنية واجتماعية يتجلى في فصول حياتها الدرامية، إذ تمتَّعت هذه الفتاة بذكاءٍ شديد، واكتسبت حاسة قراءة المجتمع الذي تخطو فيه وفهم حدوده في سن صغيرة جداً"..
وكثيراً ما يُعزى نجاح أم كلثوم إلى مجموعة الشعراء والملحنين الذين رافقوا رحلتها الفنية والإبداعية، منذ أن انتقلت من قرية طماي الزهايرة حيث وُلِدت إلى القاهرة حيث شقت طريقها الفني وسط تغيرات فنية واجتماعية وسياسية وثقافية ناجمة عن ثورة 1919 وتأثيرها على المجتمع المصري.
وبالطبع فإنَّ لهؤلاء الشعراء والملحنين كرعاتها الأوائل الملحن أبو العلا محمد والشاعر أحمد رامي، تأثيراً حاسماً في مسيرة أم كلثوم الفنية، ولكن في المقابل، كانت أم كلثوم رافعةً هائلةً لإبداع هؤلاء الموسيقي والشعري والغنائي،، وبقدر ما أعطوها، بقدر ما كان حضورها مؤكداً لوجودهم الإبداعي.
وعلى سبيل المثال تقول الفنانة والباحثة فيروز كرواية عن عمل أم كلثوم مع الملحن محمد القصبجي والشاعر أحمد رامي:
"مع أحمد رامي بدأت اختيارات أم كلثوم التي استقرت عن طبيعة الغناء العاطفي تتضح، ومع القصبجي بات هناك معادل موسيقي لرمزية رامي ورومنطقيته. هجرت التقاليد المستقرة عن غناء النساء إلى عالم الرجال. استعارت أشعار رامي دائماً لسانَ الرجل مستبقياً التقليد الذي يميز لغة الأدوار عن الطقاطيق الخلاعية والأغاني المسرحية، ووفرت أفقاً للتعبير العاطفي الأقرب للعذرية والتصوف الذي تنتفي عنه الجِنسانية، وهو ما كان يلائم تطلع أم كلثوم والصورة التي تتمثلها"..
الكلثوميون هم أهلُ الحق:
أكتبُ هذا التعبير "الكلثوميون هم أهلُ الحق" في تدويناتٍ عن أم كلثوم على صفحتي في الفيسبوك، وقد يبدو التعبيرُ إيمانياً بما يعني طائفة واحدة هي أهلُ الحق وما عداها هم أهلُ الباطل، لكنَّني في الحقيقة لا أعني ذلك، وإنَّما أعني إن كان "الحق" موهبة، فقد كانت أم كلثوم كذلك، وإن كان اتقاناً للعمل وإدارةً للموهبة، فقد كانت أم كلثوم كذلك، وإن كان إبداعاً يجمعُ أفئدةَ الناس على قيم الخير والجمال، فقد كانت أم كلثوم كذلك، وأبعد من ذلك، أنَّ أم كلثوم قوةٌ وطنية في تاريخ مصر والعالم العربي الحديث، ليس فقط بإبداعها الغنائي الذي وصل إلى 320 أغنية، غطت مراحل متغيرة منذ صعود نجمها في بداية القرن العشرين وحتى وفاتها عام 1975، وإنَّما كذلك بتأثيرها في التاريخ الاجتماعي والثقافي والنضالي لبلدها، وفي كتابه "أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي" الصادر حديثاً عن دار تنمية للنشر والتوزيع في القاهرة، يوثِّق الباحث الشاب كريم جمال حفلات أم كلثوم ما بعد نكسة يونيو 1967 لصالح جمع التبرعات للمجهود الحربي، ويقول:
"لم يكن شعار "أم كلثوم معكم في المعركة" الذي أطلقته الإذاعة المصرية في نهاية شهر مايو 1967 بعيداً عن الدور الذي لعبته السيدة أم كلثوم طوال سنوات المد الثوري التي أعقبت حركة الضباط في يوليو 1952، فعلى مدار خمسة عشر عاماً هي عمر تلك الثورة وحتى ذلك التاريخ، لم تنفصل السيدة أم كلثوم عن الواقع السياسي في الجمهورية الوليدة، ولم تقف بعيدة عن المتغيرات التي لحقت بالمجتمع بعد الثورة، فشاركت وتفاعلت في كل عيدٍ ومهرجان، وكان صوتها حاضراً في كل مناسبة وطنية أو قومية، وساعدها ذكاؤها الفطري على تطوير قدراتها على ملاحقة التغيرات السياسية، واستيعاب منطق العصور المتغيرة والوجوه المتعاقبة"..
وتقول أم كلثوم عن تلك الفترة:
"أبيت أن أستسلم لليأس بعد النكسة، لم يكن أمامى إلَّا أحد أمرين: فإمَّا أن ألتزم الصمت، وأقبع فى ركن من الانهيار النفسى، وإمَّا أن أمضى بسلاحى، وهو صوتى، أبذل ما أستطيع من جهد من أجل المعركة، واخترت الأمر الثانى، أحسست أنَّنى أكون سلبية لو امتنعت عن الغناء، وأحسست أنَّنى أقف وراء رسالة عبدالناصر، لو غنيت داخل الحدود وخارج الحدود، لأرفع صوتى باسم وطنى، وأجمع ما أستطيع أن أجمع من عدة وعتاد من أجل المعركة، لعلى أرد بعض جمِيل مصر."..
وفي ظني أنَّ أم كلثوم كانت ولا تزال التجلِّي الأعظمَ للعبقريةِ المصريةِ المستندةِ على تراثٍ عربيٍّ وشرقيٍّ في الزمنِ الحديث، منذ تأسيسِ محمد علي للدولةِ المصريةِ الحديثةِ قبلَ ما يزيد عن مائتي عامٍ وحتى اليوم، وستظلُّ كذلك في المستقبلِ المنظور، وبوسعنا القول إنَّه فيما عدا أمَّ كلثوم فقد فشلَ كلُّ شيءٍ في مصر، بما في ذلك بناءُ دولةٍ حديثةٍ قادرةٍ على إطلاقِ مواهبِ مواطنيها وقدراتِهم، وإن كانت أم كلثوم فنانةً عظيمة، فإنَّها كانت كذلك مديرةً صارمةً وعظيمةً لموهبتِها الاستثنائيةِ في الغناءِ والتاريخِ الفني والإبداعي في العالمِ كلِّه وليس في مصر فقط. لذلك، ولأسبابٍ أخرى كثيرة، فإنَّ الكلثوميين هم أهلُ الحق. وإن كان لأم كلثوم وصية، فقد تخيلتُها وقرأتُها كأحد مُحبِّيها هكذا... ...
وصيةُ أم كلثوم:
"تعرفين بالطبع أنَّ أمَّ كلثومَ ماتت، يرحمها الله...، تعرفين أنَّها كانت تغني لنا وحدنا، كنَّا نحبُّها ولا نزال، في مهابتها التي تعطي الكلمات أبعاداً ميتافيزيقية، كما يقول أحياناً شعراءُ الحداثة، تعرفين أنَّنا كبرنا مع أغانيها، تهيئُ ليلنا برحيقٍ شاسع، وبارتجاجٍ في القلب، لا نعرف إنْ كان من الآهات، أو من أهل الهوى،
أو حتى من ذكرياتٍ عبرت أفقَ خيالي، كنَّا صغاراً، وكبرنا مع شمس الأصيل في شعركِ الكستنائي، لم نكن نسمع الأطلالَ كثيراً بدعوتها إلى الفراق، رغم أنَّنا كنا سُكارَى طريقِها المُقمِر، وأحياناً نسمع قصةَ الأمس، رغم رغبتنا الجامحة في السهر معاً برفقةِ المصباح والأقداح، وكم حَلُمنا أنْ نعملَ سُقاةً في حانةٍ اسمها هذه ليلتي، يرتادها النواسيُّ والخيام، غيرَ أنَّ أمَّ كلثومَ ماتت، يرحمها الله...، قبلَ أنْ نستأذنها للعمل في هذه الحانة. تعرفين، الحبُّ غريبٌ هذه الأيام، لا يهتم به أو بنا أحد، سوى مطربين لصوص، يتقافزون كمَن شبَّ في رأسه حريق. ما علينا...، كنتُ أخبرك أنَّ أمَّ كلثومَ ماتت، يرحمها الله...، لكنها تركت وصيةً هي حقُّ الورثةِ بالطبع، هؤلاء الذين سمحوا بهدم بيتها على شاطئ النيل، حيث كنَّا نأمل أنْ نزور أمَّ كلثومَ معاً،
الآن، ما يهمني فقط وصيةُ أم كلثوم...، لقد أوصت بكلِّ شيءٍ للورثة، لكنَّها أوصت بأغانيها لنا وحدنا،
وبشكلٍ خاص أغنية "إنت عمري"..
.jpeg)

.jpeg)


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي