loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أسلوبية رثاء مختلف

breakLine

 


د. رحمن غرگان || كاتب واكاديمي عراقي 



                  المقدمة
  أدخل هنا في قراءة مقطّعة شعرية من أربعة أبيات للنابغة الذّبياني, بدا فيها راثيا نفسه, صادرا عن وجدان ينبض أسى,وعاطفة منفعلة بكثير من الغياب, وصادرا- في الوقت نفسه – عن فكر نابض إدراكا, فكر تجربة شخصية , ولكنها عامة من جهة حتمية التحقق, شخصية يحسّ بها , وعامة يرصدها ويراها في الحيوات الأخرى, بما جعل الوقائع اللغوية في هذا النص تكشف عن إحساس تبثه هذه الوقائع اللغوية للتلقي, والمعنى يجري من لدنها في سعة الاستقبال , ويرشح عنها عند بطء التّلقي, ومع السعة وجدان دافق وعاطفة مشبوبة , واضحة القصد, وأحسب هذا النحو من الأداء, والشكل من التعبير, قد أتاحا لفاعلية هذه المقطّعة أن تصل بإحساسالشاعر إلى المتلقي الواعي عن تجربة بخاصة .
وإنّ ثراء وقائع التعبير اللغوي بالمضامين الوجدانية, والبث الفكري المتصل بها, أتاح للقراءة هنا , أن تنتفع من معطيات الأسلوبيةالوصفية التعبيرية التي تدرس في الكلام النوعي ما يرشح من علائق بين اللغة حين تكون كلاما نوعيا والفكر بوصفه معطى الوعي الإنساني الناضج, أو بين البث العاطفي بما يحمل من مضامين وجدانية وبين ذلك الكلام النوعي الذي يعبر عنه. ومن ثمّة فإن الوقائع اللغوية تؤدي وظيفة الحامل الإنساني لكثير من الإحساس البشري المقصود بالأشياء.
وأحسب أنّ القراءة الأسلوبية الوصفية في نص شعري تنطلق من ثنائية ينفعل بها ذلك النص هي : ( اللغة – الوجدان أو العاطفة) و( اللغة الفكر) بلحاظ أن اللغة هنا هي كلام نوعي فاعل, وأجلى ما يكون في الآداب والفنون بما يكون الجسد اللغوي مسافة وصول وحامل توصيل في آنٍ معا لتلك الفاعلية الفكرية أو العاطفية. وهناك تكون القراءة معنية بالكشف التحليلي عن الخصوصية الأسلوبية التي ميزت ذلك النص, بوصفه متبنيا لها بشكل لا تتحقق في غيره, فكأن الكلام غير موجود قبل النص وكأنّ النص يخلق كلامه أو يخلّقه . وكأنّ الإحساس المتفرد من هذا المبدع أو ذاك-  لا يكون متفردا- ما لم يجئ معبرا عنه في صور وقائع لغوية اكتسبت تفرّدها من الاحساس المتفرد أولاً, ومن ثمة فإن الاسلوبية واصفة لذلك ، في راهنه النصي ، لا في وجهه التاريخي ، معنية بالنص في خلال كلامه ولأجله فقط , فهي موصولة بالقيمة لا بالزمن ، مأخوذة بالبعد الفكري والعاطفي لذلك النص, الذي هو هنا قول النابغة الذبياني() :

المـــرْءُ يَأْمَلُ أَنْ يَعِيـْــ   شَ, وَطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضـرُّهْ
تَبْلَى بشَاشَتُهُ وَيَـبـْــ   قى, بَعْدَ حُلْوِ العيْـشِ مــُرُّهْ
وتَخُونُه الأيامُ حَـتـْ   تى, لا يــــــــَرى شَيْئاً يَسُــرُّهْ
كم شامتٍ بي إِنْ هَلَكْـ   تُ، وقـــــــــــــــائــــــــــلٍ: للـهِ درُّهْ
       
وأحسب أن رثاء الذات إثر إحساسها بحتمية الذبول والغياب صادر عن نزوع وجداني وتوق عاطفي للحضور الدائم, وكل ذلك أثرى التجربة الفردية للذات وبثّ فيها وعيا وإحساسا مختلفا، وأداء فكريا دائبا يصف, ويصور, ويسأل, ويواسي ذاته فيما يصل إليه. وقد ذهبت القراءة هنا إلى الذهاب في النص القصير هذا , على وفق معطيات لخارطة طريق من خمسة مباحث هي : 
المعجم الاسلوبي , ذلك ان عناصره الخارجية والداخلية تجيئ منتظمة أو موزعة على وفق أسلوب معين وطريقة معبرة في انتظامها الإيقاعي , وهي جزء المعنى المعبّر , وبعض النهج الذي يسلكه القائل, ومن ثمّة فالإيقاع أسلوب في كلام النص الإبداعي . 
التصوير الأسلوبي, حيث إن الشاعر في القصيدة إنما يرسم الصورة في خلال أسلوب أو أكثر , سواء أكان ذلك بيانيا أم فنيا , وقد يلتزم بثوابت ذلك الأسلوب وقد يضيف إليها, وفي كل ذلك فان التصوير أساليب والصورة في النص أسلوب . 
التركيب الاسلوبي , حيث إن التركيب إسناد أسلوبي يقوم عليه العلم بأسرار بناء الجملة  والإحاطة بأحوالها وقوانينها في خلال نظام نحوي - لساني- شامل خاص بهذه اللغة أو تلك , يقوم في تكوينه اللساني على أساليب مبنية بناء خاصا, سواءً نظرت إليها بعين عالم النحو أم برؤية عالم البلاغة .
البناء الأسلوبي , ذلك أن النص الإبداعي ومنه الشعري إنما ينبني بناءً خاصا هو جزء إبداعه, وبناؤه أسلوب في إنجاز الشكل , ونهج في تشكيله, والبناء أسلوب في تكوين القصيدة هنا حين يكون جسد الكلام بعض المتكلم وروح كلامه , وإثر ذلك فهو أسلوب عمارة النص.            
وفي كلّ من المباحث الخمسة , جهدت القراءة في وصف الأسلوب بما يعبر عنه وينتمي إليه انتماء أسلوب وليس تصنيع كلام , وخصوصية نهج , وليس تقليد أثر, وقيمة خلق , وليس قيد قالب, ولاسيما أن الكلام الشعري هنا خلق وجداني عاطفي يحتقب وسعه فكرا مقصود التجربة.

المعجم الأسلوبي :
معجم النص الشعري أسلوب في اختيار الألفاظ يصدر عن الشاعر؛ سواء أكان شاعرا باللفظ , محيطا بأبعاده إحاطة حسية عقلية مباشرة أم هو يشعر به وفي خلاله ويبث شعوره ذاك إحساسا تعبيريا قائما على الإيحاء والتخييل ولذلك يتميز الشعراء ذوو التجارب الفاعلة المؤثرة كلٌّ بمعجم شعري تميزا أسلوبيا , وهذا ينسحب على الفنون القولية الأخرى , فهو ينطق بالكلمة في سياقها النصي باثا إياها على وفق نهج يختص به , كونه القيمة الأولى في تميّز التجربة حتى يجيء أسلوب بناء الجملة بعد ذلك واضحا فلا أسلوب للشاعر في الصياغة بمعزل عن أسلوبه المباشر أو غير المباشر في اختيار الألفاظ .
الإحساس بالكلمة أسلوب , واختيارها على أية حال أسلوب أيضا , وفي المعجم الأسلوبي للشاعر دلالة على ما يشبه أبوةً منه تجاه اللفظ أكثر منها تبنيا , وهو ما يتيح للقراءة النقدية أن تتأمل وتتدبر وتستشرف مدى احساسه بتلك الأبوة وفي أضعف الأحوال بذاك التبني , لأجل رصد أشكال اتساعها , وأنواع توزيعها, وصولا للمعنى الشعري الصادر عنها , وكشفا عن السمات الأسلوبية التي ترشح عن كل ذلك , وهو شأن في القراءة الأسلوبية معروف ؛ لأنها معنية بتحليل ثقافة أسلوب الكاتب كما تتبدى من خلال النص وممكناته . وهي ليست واحدة عند الجميع في النقد الحديث . وإن بدت عند القدماء نظرة واحدة تكشف عنها شروط من قالوا بها , وبدوا أشبه بالأوصياءعلى الكُتّاب ومنهم الشعراء, , لأجل الالتزام بها , من خلال ما قالوا به من شروط يلزم الكلمة في القصيدة أن تلتزم بها , منها : أن تكون مستعذبة حلوة غير ساقطة ولا مستنكرة وأن يكون لكل أهل صنعة , أو لكل طبقة معجمها الخاص() . وهو شأن يجعل ذائقة الاختيار والإحساس باللفظ موصولتين إلى مصدر ماض واحد, يندر أن تتعدد معه الأساليب في المستوى المعجمي . لأن الشرائط قد تصلح مع المعاجم التقنية في العلوم الصرفة ومع المعاجم الاصطلاحية في العلوم عامة وفي الفنون . أما الكلمة الشعرية أعني الكلمة في القصيدة فيراد لها أن تكون ؛ حرة في بث الإحساس ذات حيوية متعددة الحضور, مكتسبة ألوانا غير جامدة لأنها أسلوب اختيار شاعرها . (( ذلك أن الشاعر بإحساسه المرهف , وسمعه اللغوي الدقيق , يمدّ الألفاظ بمعان جديدة لم تكن لها, وقد يخرق قاعدة مدفوعا بحسه فلا يسيء إلى اللغة وإنما يشدها إلى الأمام )) ().
ولما كان المعجم الشعري أسلوبا في اختيار الألفاظ ونظاما حراُالأبعاد في ذلك الاختيار فقد جاء أسلوبا متعددا ، لي أن أقرأه عند هذا الشاعر قراءة لا أجدها عند غيره فهو تميز شعوري في الاختيار , وإحساس موصول بالمعنى ممتد في الاتساع , يتباين في التوزيع ومعطياته من شاعر لآخر. 
ولهذا (( قد يستعمل الشاعر كل حيل اللغة من البساطة الكاملة إلى البلاغة , المعقدة , فيذكي حرارة عاطفته ؛آنا من خلال الإيجاز, وآنا من خلال الاطناب , وطورا من طريق حذف التفصيلات , وطورا من طريق التكرار ))() وفي كل هذا فإن معجم القصيدة محكوم بلحظة القول؛ مدونا كان أم مرتجلا, لأنها حقيقة نفسية وحضور ذاتي يمدان الألفاظ بإنعاش دلالي, ويغذيانه بما يجعل حضورها أسلوبا , وتعبيرها طريقة , وبثها نهجا . وحريتها ذاتا انسانية تصنع الحياة . 
وانطلاقا مما سبق , فإن معجم مقطعة النابغة توافر على( ثلاثين) لفظة ,توزعت على ثلاثة عشر لفظا اسميّا من الأسماء والصفات هي:( المرء , طول , عيش, بشاشاته, حلو , العيش ,مرّ , الأيام , شيء, شامت , قائل , الله , در) وثمانية أفعال مضارعة هي:( يأمل, يعيش ، يضرّ , تبلى , يبقى , تخون , يرى , يسرّ) وفعل ماض واحد هو : (هلك ) أما الروابط والظروف والضمائر المجرورة فثمانية ألفاظ هي:( أنْ ، قد , بعد, حتى , لا , كم , إن , بي).
لما كانت الأبيات الاربعة منبنية موضوعيا على ثنائية من عالمين متقابلين هما: المحسوس أو إرادة الحواس والمعقول أو إرادة العقل فقد بدت الحواس تنزع إلى الفعل وطول ممارسته والرغبة فيه ، أما إرادة العقل أو الوعي المعقول فقد انقاد لما هو حقيقة ومآل حتمي, وقد كان المحسوس هنا واقعا أما المعقول فجاء حقيقة لأنه ورد في لفظين اسميين هما: لفظ الجلالة (الله) والزمان(الأيام) مع ملاحظة أن لفظ الجلالة مطلق الخير( لله دره )ولفظ ( الأيام ) مسافة انقطاع وغربة وخيانة (وتخونه الأيام ) . 
أما الألفاظ الأسمية الأخرى فهي رهين واقع , إذ هي نبضه , وهي أحد عشر لفظا( الشامت ) وثلاثة أخرى في الدلالة على الإغراء والتفاؤل هي:( حلو, بشاشة , در) وثلاثة أخرى في الدلالة على مجهول باحث عن التعريف هي:( طول , شيء, مر) أما اللفظان الآخران وهما:( عيش , العيش) فهما لفظ واحد تكررها دلالة على سكنه فيهما ورغبته إليهما , وهو الأوضح في المقطعة ( طول عيش + حلو عيش) وأن يجيئ التكرار في اللفظ الحامل للباعث على قول الأبيات أعني(العيش في الحياة) فذلك دال معبر عن نزوعه وتشبثه به وهو سُنة في الحياة وفطرة في الناس . 
ومن ذلك نخلص إلى أن أسلوبه في اختيار الألفاظ غلب عليه الأسمية لأنه مأخوذ بالديمومة فطرة ومحكوم بالموت سقفا حتميا لذلك حين جنح للمعقول بدا مضطرا حتى اكتفى من الدلالة على المعقول بأقل اللفظ ولكنه في سياقه تعبيره عن اختياره وإرادته , ذهب في لفظ كثير منه ما جاء موصولا به إنسانا , وما كان كاشفا عنه نوازع بشرية, حتى كانت الألفاظ المحسوسة في معجمه غالبة حاكمة بالقياس إلى المعقولة , وحين تكرر لفظ في سياق هذا النص جاء صورة لحلم عميق: (طول عيش + حلو العيش) كما كشف أسلوبه أيضا هنا عن المأخوذ بالأمل البعيد, المضطر للواقع الجديد , فهو أسير أمله كسير واقعه , و ملذات الحواس طموح دائم, ولكن الواقع الذي هو بين ظهرانيه مآل حاكم حتما .
وهو الذي بدا مع الألفاظ الاسمية و تكرر مع الألفاظ الفعلية أيضا , حيث جاء الفعل المضارع ثماني مرات في حين ورد الماضي مرة واحدة , في الدلالة على الحكم الحقيقي النهائي (هلك) أما المضارع فواقع مطموع فيه, جاء  في أفعال التوق إليه والطمع فيه أكثر من غيرها في : ( يأمل , يعيش, يبقى, يرى, يسر) أما أفعال الصراع فأقل من ذلك في فعلين هما: (يضرّ, يخون), أما فعل المآل الحقيقي الحتمي فواحد أيضا هو ( يبلى) وحيث جاءت مضارعة فإنه دال على أنه مأخوذ بالراهن من زمن الأشياء وبالمباشر من حيواتها ,وبالمتصل من ممكناتها , منفتح على مساحة من أمل بالغد عريضة. حتى إذا صار إلى المآل الأخير ارتد في البيت الأخير بفعل ماض؛ جامع الدلالة على القصد متصل بضمير المتكلم اضطرار قصد( هلكت). والشاعر في أسلوب اختيار الأفعال غلب عليه راهنه. والشاعر في أسلوب اختيار الأفعال غلب عليه راهنه أو مضارعه المتصف بالأمل في الحياة وشحّ لديه الانقياد إلى الصراع وحتمية الهلاك .
ونهجه في الألفاظ الأسمية والفعلية انسحب إلى ألفاظ : الروابط والظروف وما في شبهها النصي ,فهناك الدوال ذات البث المستقبلي : ( كم, حتى, بعد) لانفتاح الدلالة معها على المستقبل وهناك الدوال الاحتمالية في إيحاءاتها: (أن, إن, قد) لانفتاحها على الفعل بالتأويل أو الشرط أو التحقيق. أما الدوال ذات القطع الحتمي فجاءت واحدة في أداة النفي (لا) وهناك جار وضمير متصل مجرور واحد أيضا( بي) فذهب الشاعر هنا أيضا مع روابط الواقع , استقبالا واحتمالا وتأملا وتحقيقا, ضمن حركية تصل الواقع بأشيائه , ولكنه ذهب مع الغياب الحتمي إلى أداة نفي واحدة هي (لا).

الإيقاع الأسلوبي : 
يمثل الإيقاع النظام الأسلوبي الذي يسري في نسغ كل شيء حي سريان حركة تؤدي وظائف موصولة بتعبير معان معينة , وبث رسائل مخصوصة . ومن هنا فإن الإيقاع في الشعر هو نظام حركة الألفاظ لحظة استخدامها وتلك اللحظة إنسانية ابداعية بامتياز ؛ لأن الإنسان هو الناصّ الباث المرسل لها ومن ثمّة فإنه يمدّ نظام حركة الألفاظ بكيفية في النهج عند الأداء وطريقة في التوظيف عند التعبير وخصوصية من لدنه عند قصده وكل ذلك إنما هو أسلوبه في التكوين الإيقاعي للكلام الشعري, وهنا يكون الإيقاع أسلوبا على تعدد في عناصره وجزئياتها ومكوناته وتفاصيلها وأجزائها, سواء أكانت ظاهرة مباشرة تحدها نظم ومحددات أم غير ظاهرة ولا مباشرة تخص أسلوبه في التعاطي مع الألفاظ وما يبث فيها من نظام حركة لفظي غير محدد بآليات أو محددات سابقة . 
ومع الشعر الوجداني الغنائي ذي العاطفة العالية والإحساس الذاتي بالأشياء وألفاظ التعبير عنها يجيء الإيقاع أسلوبا ذا روافد وجدانية عالية التعبير , يمثل الكشف والتحليل لها وعنها مادة الناقد الأسلوبي , أعني قراءة أسلوبية إيقاعية , لأن تحليل الإيقاع على أنه أسلوب يصدر عن مبدع معين معبر عن عوالم دلالية مقصودة إنما هو قراءة أسلوبية إيقاعية.
وفي أبيات النابغة الذبياني الأربعة هذه يتوزع أسلوبه في الإيقاع على عناصر كثيرة نوجزها في : 
1. مجزوء الكامل عنصر إيقاعي مباشر انتظم الأبيات بواقع أربع تفاعيل في كل بيت, بمعنى ست عشرة تفعيلة في المقطعة كلها, إحدى عشرة منها طرأ عليها الإضمار فجاءت في (مسْتَفْعلن/متْفاعلن) بمعنى(متحرك لساكن ومتحرك لساكن ومتحركان لساكن. ومع الإضمار ترتفع الغنائية بتعدد الحركات وتلونها وهو ما يناسب حال الشاعر لحظة القول, وينتمي لفاعلية الوجدان العاطفي المهيمنة على بث الأبيات في كثير من الحزن وقليل من الحكمة . ثم أن التفعيلة الأخيرة طرأ عليها تذييل بزيادة سبب خفيف على التفعيلة كلها فجاءت( متفاعلاتن) وكان الإضمار حادثا فيها كلها, فجاءت تعاقبات ال( حركة –سكون) ثلاث مرات والـ( متحركان-ساكن) مرة واحدة .وللقارئ أن يؤشر سمتين في أسلوب الوزن هما شيوع الإضمار ومجيء التفعيلة الأخيرة في صورة صوتية واحدة . وهو ما جعل الأداء الإيقاعي متناسبا مع البث الوجداني الذي غلبت عليه نزعة رثاء الشباب الذي عاشه الشاعر, ومآله إلى الحكمة تعلّة مصير بشري معلوم .
2. قافية الراء المقيدة بالهاء الساكنة , الراء المضعفة/ المشددة بدت سمة أسلوبية لإيقاع القافية لأنه انتظم فيها ومعها طريقة إيقاعية واحدة ,وهنا أنظر في القافية متبعا رأي الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يعرّفها فيقول :(( القافية من آخر حرف في البيت إلى أوّل ساكن يليه من قبله مع حركة الحرف الذي قبل الساكن))()فتكون القافية في الأبيات الأربعة هي :( ضرّه + مُرُّه+ سُرُّه + دَرُّه) فهي كلمة في موضعين (مرُّه +درُّه) وبعض كلمة في موضعين آخرين. وقد غلب (الضم) قبل الضمير/ الهاء الساكن في ثلاث قواف لأن( دَرُّهْ) هي الحكمة الوحيدة التي تبدأ فيها بنية القافية( بحركة فتح), وما سبقها(حركة ضم) فالضمة بوصفها حركة هي الغالبة على أحرف القافية يأتي بعدها السكون الذي التزمه الشاعر قيدا على الضمير المتصل ( الهاء ) . والراء في القافية تكرر ثماني مرات في أربعة أبيات وهو الصوت المهيمن على إيقاع القافية . والراء صوت ذوقي ذلقي مصدره ذلق اللسان إي طرفه متوسط بين الشدة والرخاوة ومن خواصه : التكرار والترجيع والتحرك كونه مجهورا. فكأن صورته الصوتية تماثل الصور المرئية التي فيها ترجيع وتكرار فهو في أصوات اللغة العربية دال على المرونة والحيوية والقدرة المتجددة على الحركة () . أما الهاء فمهموس رخو يحيل إلى التلاشي والغياب , وإن خاصية الاهتزاز في صوت الهاء جعلته ذا إيحاءات صوتية بحسب كيفية نطقه , وإن مخرجه من الحلق قريبا من جوف الصدر جعل اهتزازاته عرضة للتأثر بالانفعالات التي تجيش في الصدر من حدّة أو قساوة أو حزن أو أسى أو تهكم أو رقة أو شفافية() لأن النطق به يتيح للناطق كيفيات متعددة , يحمل الصوت إثرها معاني أبعد ، فهو متصل بالأداء كثيرا . ثم (( أن الدقة المتناهية في أنسجة مخرجه في الحلق جعلته اكثر طواعية لإرادة الناطق به , وأسلس قيادا, فمنحت صوته المهتز قدرة فائقة على التكيف مع الحالات النفسية والمشاعر الإنسانية التي تعتمل في نفس صاحبها ومع مختلف المعاني المُعبَّر عنها))() ومن هذا الوصف لمعاني صوتي الراء والهاء اللذين جاءا آخر حرفين في القافية بلحاظ تكرار الراء بالتضعيف وتكرار الهاء بالسكون ؛ نخلص إلى أن أسلوب بناء القافية جاء متناسبا مع المعاني الشعرية فنّا والموضوعية قصدا والجمالية تعبيرا؛ فقد شدد الراء إيحاءً بقيام المرء الآمل على التمسك بالحيوية والمرونة وفائض الحركة وناسب ذلك بصوت الراء مضاعفا , لتتساوى أو تتجاوز صفات الراء مع صفات المرء الآمل, ولما كان المآل يفضي إلى الضعف فقد كان الهاء الساكن نهاية إيقاع القافية حيث التناسب أو التجاور بين الهمس والرخاوة في الصوت والتعبير عن الإحساس بالانكسار و وشك الغياب والغناء الحتمي ؛ صوتا( الراء) و ( الهاء) مع لحاظ تضعيف الراء وسكون الهاء, إنما هو استيحاء نفسي يناسب معاني الصوت فيه طبيعة المعاني الإنسانية التي عاشها الشاعر وعبّر عنها, وتواصلت معها القراءة الآن , فهو يرثي انتقال المرء من القوة إلى الضعف إلى الحكمة ؛ - يرثي- بإيقاع قافية يتضعاففيها الصوت الدال على الجهر والتحرك والشدّة تضاعف ينتهي إلى الهمس والرخاوة والسكون والضعف الذي تتعدد صوره بتعدد حالات الحامل له. وهذا من التعبير عن ثنائية ( القوة – الضعف) في الحياة إلى ثنائية تتابع الأصوات من الدلالة على (القوة) إلى الدلالة على الضعف . وأعرف ان الشاعر لم يذهب لهذا قصدا كما أعرف أن إحساسه باللفظ بدءا من أصواته بإحساس حامل للمعاني , دقيق في التماهي معها لأنه مفطور عليه .
3. إيقاع التقابل في كلِّ بيت فهناك في البيت الأول تقابل بين ما تطمع فيه وما يهرب منك. وفي الثاني بين(بلى البشاشة) (وحلو العيش المؤقت) وهو تقابل بين أندى العمر وأرذله. وفي الثالث بين (خيانة الأيام) و( افتقاد السرور) وهو تقابل بين الثقة بالإيام وغيابها. وفي الرابع بين الشامت والمادح, وهو تقابل بين البهجة بغياب الآخر والتحسر على افتقاده . ولما انتظم هذا الأسلوب بناء الأبيات الأربعة فقد شكلّ إيقاعا أسلوبيا غير مباشر لاتصاله بالمعنى الشعري ومعطياته .
4. إيقاع هيمنة الفعل المضارع سواء حين يأتي خبرا كما : ( المرء يأمل ...)   و( طول عيش يضرّه ...) أم حين يأتي صدر جملة فعلية كما في:             ( تبلى بشاشته) و(يبقى المرء ...) و(تخونه الأيام) إذ جاء هذا نهجا أسلوبيا ذا بث إيقاعي غير مباشر, ولكنه متصل بعناية الشاعر عن التعبير عن لحظته المضارعة , فهو بها مأخوذ, ولديمومتها يفتقد ولمآلها يرثي ويحزن ، كونه ختام ضعف . 
5. إيقاع التدوير المتمثل في بناء الأبيات على نهج من أسلوب واحد هو التقاء الشطرين في خلال كلمة واحدة أو لفظ واحد, في الأول الفعل المضارع         ( يعيـ...ش) جاء الشين بداية للشطر الثاني. وفي البيت الثاني الفعل المضارع ( يبـ...قى ) إذ جاء المقطع الثاني منه   ( قى) بداية للشطر الثاني. وفي البيت الثالث وردت (حتـ...تى) إذ كان المقطع الثاني منها بداية للشطر الثاني . وفي البيت الرابع الفعل الماضي :(هلكـْ...ت) إذ وردت (تاء الفعل) بداية للشطر الثاني ولما كان هذا النمط من الأداء نهجا أقام عليه هذه المقطعة فهو أسلوب ذو أثر إيقاعي لانتظامه في جسد الابيات كلها ثم أنه في ذلك التقسيم أعطى حرف المد سعة والمقطع المفتوح مجاورة للنص المعبر عن الامتداد المفتوح ، فجاور بين ( قى ... من/ يبقى ) وبين ( بعد حلو العيش مرّه) وهو نص يصور عالما مفتوحا؛ وهكذا بين ( تى .. من / حتى) بين ( لا يرى شيئا يسرّه) وهي صورة البيت الذي قبله . وكل ذلك جعل عناصر الأسلوب الإيقاعي مبنية على اختيار نبض إيقاعي يتسع لينتظم جسد النص في كل هذه العناصر الخمسة التي أتيت على قراءتها.


التصوير الأسلوبي :
الصورة في الشعر معطى خيال وتركيب عقلي ذو ممكنات فكرية لا تبتعد عن الواقع , وإنْ بدت للوهلة الأولى مرسومة بكثير من فائض الخيال, لأن الشاعر هناك انتقل من الواقع الخارجي إلى عالمه الداخلي انتقالة كانت الألفاظ هي سفينته في الإبحار , ولكن مرساته تظلم وصولة إلى ضفاف ذاك العالم الخارجي الذي يسكنه, ولهذا فإنه يقول الصورة الشعرية في سياق نصي من (( كلام مشحون شحنا قويا, يتألّف عادة من عناصر محسوسة : خطوط وألوان وحركة وظلال؛ تتحمل في تضاعيفها, فكرة وعاطفة أي أنها توحي بأكثر من المعنى الظاهر, وأكثر من انعكاس الواقع الخارجي, وتؤلف في مجموعها كلاما منسجما))().
وحين نقرأ الصورة الشعرية في ضوء معطيات الأسلوبية الوصفية؛ فإن الذي تذهب القراءة إلى كشفه هو الكيفية التي يكون التصوير أسلوبا منتميا للنص المدروس, مشكلا سمة تميّز في إبداع المعنى الشعري من خلال الصورة وممتدا ذلك التصوير في أفق واحد بحيث يتوزع على جسد النص الشعري ويتغلغل في أعماقه , خالقا أسلوبا مهيمنا في ذلك النص على مستوى التصوير؟ وفي هذه المقطعة توزّع أسلوب واحد على أبعاد رسم الصورة في الأبيات الأربعة , توزيعا مباشرا من جهة الرسم , ومتسلسلا في التعاطي مع المعنى الشعري من جهة التعبير, وممتدا عموديا في جعل التصوير أسلوبا من جهة الأداء. 
وحين نقرأ البيت الأول نقف على أسلوب الترميز عن معنى الضعف, ترميزا بيانيا في خلال أسلوب الكناية عن صفة الضعف ، مع ملاحظة شطري بنية الصورة وهما ( المرء يأمل أن يعيش ) الموصول بالتعبير عن معنى القوة في جملة تقريرية مباشرة . والشطر الثاني ( طول عيش قد يضرّه ) المتصل بالتعبير عن معنى الضعف, إذ  صار المرتكز الذي وقفت عليه الصورة ذات التصوير الاسنادي حيث يسند فعلا لضرر ل ( طول العيش) مجازا ذا علاقة زمنية هي هنا نبض الصور المعبر عن صفة الضعف حتى أن الصورة ؛ من حيث هي جملة , تبدأ اسما( المرء + طول ) وتنتهي فعلا مضارعا( يأمل أن يعيش + يضرّ) وليس فعلا ماضيا, لأن الشاعر مسكون بالراهن مأخوذ به. ثمأن الوجه الظاهر للتعبير في الجملتين يمثل بنية سطحية موجودة لا تنكرها إرادة الراهن, ولكنه وجه يضمر تحته بنية عميقة هي زاد الصورة وراسمها وهي المآل الذي يتحرك باتجاهه القصد؛ أعني: الضعف. 
وحين أذهب مع البيت الثاني أقف عند أسلوب الترميز عن معنى الذبول, ترميزا بيانيا في خلال أسلوب الكناية عن صفة الذبول, وهنا توزعت مسافة الصورة لفظيا على جملتين فعليتين بفعلين مضارعين هما  :( تفنى البشاشة ) و( يبقى المرُّ) وكأنّ تصوير معنى الذبول استدعى تقديم الفعل والأخذ بالجملة الفعلية, وفي التضاد بين الفعلين ( تفنى/تبقى) تأكيد للذبول من خلال المسند إليه كونه مختلفا            ( البشاشة / المرارة) وفي جسد الجملتين من البيت الثاني جاءت البشاشة ثم حلو العيش لفظين سابقين – على مساحة النص- للفاعل ( المر) لأن الصورة عنيت بتقديم الازدهار الذي كان تقديما مضمرا مع هذين اللفظين , لتصرّح بالمسند إليه المعلن( المر) فاعلا لجسد الكلام, وما يذهب إليه من الإيحاء بالذبول. وجاءت صورة البيت الثاني منسوجة على أسلوب صورة البيت الأول في الترميز والتكنية والإسناد وتابعة في المعنى : (ضعف , ذبول ) . ثم يأتي أسلوب رسم الصورة في البيت الثالث على النهج نفسه ؛ حيث يرسم بأسلوب الترميز ملامح معنى الانكسار رسما بيانيا في خلال أسلوب الكناية عن صفة الانكسار, وفي خلال جملتين فعليتين من فعلين مضارعين هما: ( تخونه الأيام) و(لا شيء يسره) ومع تضاد الفعلين       : (يخون, يسرّ) تضادا جزئيا, إلا أن المسند إليه في الأولى محدد ( الأيام ) وفي الثانية غير محدد مفتوح على الأيام ( لا شيء) لأن الشاعر في الجمل الست السابقة كان يصدر عن وعي وفكر منطقيين واضحين متسلسلين . مع ملاحظة أن علاقة الإسناد المجازية هنا علاقة زمنية أيضا, لأن الزمن عنصر فاعل في رسم الصورة هنا في مستواها المضمر بخاصة. ولهذا حين جاء إلى البيت الختامي       ( الرابع ) بقي على النهج الأسلوبي نفسه في التصوير, إذ أخذ بأسلوب الترميز عن معنى الفناء رسما بيانيا في خلال أسلوب الكناية عن صفة الفناء, ولكن الجملة هنا واحدة في أسلوب واحد هو الاستفهام أما الجملة الفعلية فجاءت اعتراضية حيث الاستفهامية الأولى : ( كم شامت بي؟) والثانية (كم قائل : لله دره؟) والاستفهام هنا بقرينة العطف وقد تضمن أسلوبا ثانيا هو التعجب: (لله دره).وفي الصورة إيحاء بكثرة الشامتين( كم شامت؟) وقلة المادحين( وقائل: لله دره !!) بما يجعل صورة الآخر في خيال الشاعر ليست ممدوحة كثيرا , سواءً أكان الآخر العام من زمان ومكان وأشيائهما أم الآخر الإنسان؛ لأن الشاعر يعبر عن صلته بالآخر من خلال حياته المأخوذة بالأمل في العيش وطوله ومسافات ذاك الأمل الذي تفنى البشاشة فيه     ,ويقل طول العيش ويتسع مرُّه, وتخونه الأيام ولا تسرّه حتى يُفضي به الوجود إلى الغياب في فناءٍ ما.
ومن ثمة تخلص القراءة إلى أن التصوير الأسلوبي في هذه الأبيات بني على نهج واحد, وعناصر تصوير متقاربة الخطوات ذات نسق تعبيري واحد تمثل في : 
1. التصوير بأسلوب الترميز في خلال النهج البياني الذي ذهب إلى التعبير عن صفات: (الضعف, الذبول, الانكسار, الفناء) وهو تسلسل أقرب إلى الترتيب المنظم . 
2. كانت علاقة الإسناد في بناء الجملة المجازيةتستند إلى علاقة يهيمن عليها     ( الزمن) كونه فاعلا في البنية العميقة للصور في الأبيات كلها .
3. بُنيت الصور على تقابل بين فعلين مضارعين في كل صورة إلا في البيت الأخير حيث التعبير عن صفة الفناء فقد تقابلت جملتان استفهاميتان لتختتم الأبيات بجملة تعجب, ومع الثلاث كان النسق الاسمي للجملة هو الأساس, لأن الجملة الفعلية( إنْ هلكت) وردت اعتراضية.
4. وكل ذلك جعل التصوير في هذه المقطعة أسلوبا واحدا معبرا عن وجدان حزين, وفكر مأخوذ بالتجربة .


التركيب الأسلوبي :
التركيب علاقات نصية صادرة عن الاختيار صدور بناء وتماسك, وكأنّ الاختيار في بناء الجملة بالقياس للتركيب أشبه بعلاقة اللفظ بالمعنى , إذ يشكلان بنية واحدة يتعذر الفصل بينهما إلّا على سبيل الإجراء التحليلي, لأن علاقاته النصية تكوّن الخطاب. ثم أن التركيب الأسلوبي يمثل (( الأساس الذي يقوم عليه علم النحو الذي هو علم بقوانين , تعرف بها أحوال التراكيب العربية في الإعراب والبناء وغيرهما))() ؛لأن الوعي به يمثل خبرة لسانية تتيح للمتكلم الإحاطة بالأغراض البلاغية أو الإبلاغية التي يعبّر عنها التركيب, ولهذا كان عبد القاهر الجرجاني دقيقا حين قال : (( إن النظم توخي معاني النحو في معاني الكلم))().
 ويصبح التركيب أسلوبا في الخطاب الأدبي ولا سيما الشعر منه ؛ لأن أنماط التراكيب تعدل عن النمط المألوف في خلال علاقات إسنادية جديدة تصدر عنها خواص فنية جديدة, تبعث الناقد الأسلوبي إلى رصد تلك العلاقات وخواصها ووصف اختيارات المنشئ وما تضمره من مسببات ومقاصد , كونها تمثّل الوعي اللساني الفاعل للمنشئ؛ في الإحساس بالتراكيب يتبدّى في ما يستجد عليها أو فيها من إيحاءات وأبعاد دلالية جديدة.  
وفي أبيات النابغة هنا هيمن الأسلوب الخبري وشحّ الأسلوب الإنشائي. في الأبيات الثلاثة الأولى جاء الكلام خبريا. وفي البيت الأخير فقط ورد الكلام الإنشائي  الطلبي في خلال أسلوبي: الاستفهام والتعجب. وقد خرج الخبر في البيت الأوّل للدلالة على التحذير, في خلال جملتين اسميتين هما( المرء يأمل أن يعيش)        و( طول عيش قد يضرّه) وإذا كان الإغراء ممكنا في الأولى, فإن  السياق النصي بحمولته الدلالية التي تذهب إلى معنى التحذير جعل سياق المعنى – في الإخبار- قاصدا التحذير, وفي التقابل بين( المرء وطول العيش) و(يأمل أن يعيش ويضرّه العيش) ما يؤكد غرض التحذير. وفي مجيء المبتدأ لفظا اسميا والخبر جملة فعلية ما يذهب بالأخبار إلى التحذير بشكل فيه من الحركية أكثر مما فيه من السكون . وفي البيت الثاني يذهب الأسلوب الخبري في الجملتين الفعليتين:                   (( تفنى بشاشاته, ويبقى بعد حلو العيش مرّه)) إلى غرض آخر هو إظهار الضعف ,وبخاصة أنهما ينشدان الكناية  عن صفة الانكسار, كما سبق في التصوير الأسلوبي. وفي البيت الثالث يذهب الأسلوب الخبري إلى الإيحاء بغرض التحذير من خيانة الأيام, وفي خلال ثلاث جمل ذات فعل مضارع : ( تخونه الأيام)           و ( لا يرى) و(لا يسره شيء) وفي غلبة الفعل المضارع ما يؤكد غلبة التحذير وكأن المحذِّر منه واقع الآن حتى أنه تقدم المفعول به في جملة ( تخونه الأيام) على الفاعل ( الأيام).
وإذا كان الأسلوب الخبري ينظر في الخبر من الجملة على أنه: (( كلام يحتمل الصدق والكذب لذاته))() فإن النابغة هنا في خلال الترميز بأسلوب الكناية رسم صورا شعرية في خلال هيمنة أسلوب الأخبار بما أضمره من أغراض بلاغية توحي بها تراكيبه وهي ما جعلت احتمالية الصدق الموضوعي الذي يحيلك إليه نبض الكلام وبثه الوجداني عالية وكأنها مؤكدة حتى آل إلى الأسلوب الإنشائي في البيت الأخير في خلال: الاستفهام والتعجب, فالأول أعني الاستفهام , إنشاء طلبي (( يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب))() , والثاني : التعجب وهو إنشاء غير طلبي:        ((لايستدعي مطلوبا))(), وفي الأول ذهب لغرض التعجب وفي الثاني المدح.  
والصورة الذهنية للجملة الاستفهامية ( كم شامت بي ؟ ) إنما خلصت للتعجب , لأنه يضمر أن الشامت لا يضمر الشماتة إلا بعد وقوع المحذور منه ( إن هلكت) وإلا فهو قبل ذلك , ربما ينافقه ويتودّدّ إليه , ولكنه حين يهلك , ما يلبث أن يشمت به. وهو ما يرجع ذهاب الاستفهام هنا إلى التعبير عن غرض التعجب , لأن هذا الفعل شأن سلبي في الناس يبعث على التعجب .
وفي الخلوص من جملة التعجب بالاستفهام إلى المدح بالتعجب إيحاء بمدح الشاعر نفسه , وتأبينه إياها لأنه يمدحها وهو يقول في قيد الحياة , ويؤبنها وهو يتخيلها في الغياب رهن الشامتين والمؤبنين, وفي هذا الخلوص ما يشير إلى صدور الأبيات عن فاعلية وجدان وفورة عاطفة للتعبير عن الإحساس بالحياة موصولة بالآخر وليس بمعزل عنه , ولهذا لم تنفصل صورها الشعرية , وما تذهب إليه الجملة من صور ذهنية عن ذلك الآخر بوصفه شريك الأنا في الوجود وحاملها إلى الفاعلية والإنجاز والصراع والغياب أيضا وكأن صلة ال( أنا) ب ( الآخر) صلة دائم ، هي الأنام بمتغير هو الآخر, ولهذا جاءت الصياغات الاسمية متساوية مع الصياغات الفعلية, فالبيتان: الأول والرابع يتكونان من جمل اسمية أما البيتان الثاني والثالث فمن جمل فعلية , وكأن الشاعر انطلق من ال( أنا) وصار إلى الآخر ومع الأنا جمل اسمية , موصولة بنزعة الثبات والديمومة أو التوق للديمومة , ومع الآخر الجمل الفعلية , موصولة بحالة التغير والتعدد والتنوع أو التوق إلى الإضافة والتجدد في خلال الحركة وأفعالها .
وتلحظ القراءة هنا أن أسلوب التصوير فيما تؤديه الأبيات من صور شعرية وأسلوب التعبير فيما تؤديه الجمل من صور ذهنية يصبان في حقل معان شعرية واحد ويبثان باتجاه واحد.



البناء الأسلوبي :
يمثل البناء الشعري للبيت أو النتفة أو القطعة أو المقطعة أو القصيدة أسلوبا موصولا بتجربة الشاعر, وكما أن المعجم أسلوب في الاختيار والإيقاع أسلوب في بناء نبض الكلام الشعري والتركيب أسلوب في توجيه دلالة النص بحسب حركية السياق النصي لمعطيات الجملة والتصوير أسلوب في رسم مقصود اللفظ على وفق نهج معين , فإن البناء أسلوب هو الآخر, يكون أقله في البيت , وقصيدة البيت الواحد ذات حضور في الشعرية العربية القديمة , لأن بناء القصيدة هناك يقوم على وحدة البيت, وذات حضور في الشعرية المعاصرة بتأثير من الثقافتين الشعريتين: الصينية واليابانية حيث ( قصيدة الهايكو) تبنى أحيانا من سبعة عشر مقطعا صوتيا , وقد ترد في سطرين أو سطر أو نصف سطر .
أما في الشعر العربي (( فإن قصيدة البيت الواحد تعتمد على مفهوم يؤمن بأن الشعر ومضة خاطفة , ولمحة عابرة , ودفقة وجدانية ولحن هارب وأغنية قصيرة , يخلق تعبيره المكثف المركزي الذي يستنفد اللحظة الشعرية ويحيط بها , وما زاد عن ذلك , فهو من عمل الصناعة والاحتراف))()
وهنا يمكن القول: إن بناء المقطعة الشعرية متصل بذلك الدفق الوجداني الذي يسكن لحظة القول و ينجز البناء الفني أسلوبيا في خلال تكامل الألفاظ والتراكيب والصور تكامل شكل واحد ذي نهج متقارب المعطيات واللمسات في الصياغة والأسلوب وفي الأفكار والعواطف , ولهذا ننظر للبناء الفني على أنه أجزاء بل بوصفه أسلوبا من تجربة يصهر الأجزاء في بوتقة واحدة حتى يتعذر معها تعريف البناء تعريفا جامعا مانعا مع أنه أسلوب في إنجاز النص الشعري في شكل معين؛ لأن الأمر واحد في المصطلح الدال عليه ( أسلوب بناء) ومتعدد في التجارب الاستثنائية بخاصة , فلكل تجربة مجساتهاالتي تميزها , والأسلوب , بصمة عين في التجربة , فيها من الرؤية والرؤيا , ما يتعذر معه القول بتعريف يجمع ذلك التعدد المفتوح على التنوع, ولاسيما أن (( كل ما بداخل العمل الفني من أفكار ومفاهيم وموسيقى يجب أن يتخلى  عن طابعه الأساس الذي كان له قبل دخوله العمل الفني وأن ينصهر انصهارا تاما في ذات الفنان, وأن يصبح بعد عملية الانصهار هذه شيئا آخر جديدا, يأخذ فيه كل جزء من أجزاء العمل الفني شيئا من صفات الأشياء الأخرى))() وهذا الأخذ يعني أن الأسلوب في بناء النص هنا دم يسري في مكونات  شكل البناء يجعل نبض الحياة فيها منتميا للدم الجديد أكثر من انتمائه للبناء قبل سريان هذا الدم . 
ولهذا تعمل هذه القراءة هنا على رصد أسلوب بناء المقطعة وليس بناءها أعني ما بثّه النابغة في بنائها من دم تجربته الذاتية العاطفية الفكرية وبخاصة أنه شاعر مفضل على شعراء عصره بكونه (( أوضحهم كلاما, وأقلهم سقطا وحشوا, وأجودهم مقاطع, وأحسنهم مطالع))().
وفي المقطعة تتراكم التجربة للتدبير وتتكثف معطياتها للتأثير في خلال أسلوب بناء متجانس العناصر ملائمها , مترابط الأجزاء متقاربها , يصدر عن ذوق واحد, في التدبر والتأمل , ونهج معين في التفكير وتأويله شعريا, بما يجعل وحدة الروح ذات تجانس, وحرارة المشاعر ذات حضور مؤثر, وهو أسلوب بناء أتاح لولادة مقطعة النابغة هذه أن تجيء سبيكة واحدة.
وبنيت عموديا من البيت الأول إلى الرابع على وفق أسلوب واحد قام زمنيا على حركة الفعل المضارع, ومكانيا على الوعي بالمكان. ومن حركية الفعل المضارع جاء الانتقال من (يضرّ) إلى (يفنى) ومن ( يبقى المرّ) إلى ( تخونه الأيام) ومن ( لا يرى , لا يسرّه شيء) إلى ( الهلاك) وهو تتابع لحركية الفعل المضارع متصلة بالمعنى اتصالا سببيا, يكمل الحدث فيها , بعضه بعضا, وصولا إلى ختام ذلك, حتى أنه هيمن الفعل المضارع على بناء زمن المقطعة وحين قصد الكلام التعبير عن المستقبل جاء الفعل الماضي (هلكت) فحيث قصد المستقبل وما تؤول إليه حاله كان الفعل الماضي, مع استعمال الرابط (إن) وهو رابط دال على الشرط , وحيث قصد الراهن الواقع تحت سطوة ماض مؤثر كان الفعل المضارع مهيمنا , ومردّ ذلك البعد النفسي المقيد بلحظة القول , ودفق المشاعر ونبض الوجدان, وما يتخلل كل ذلك  أو يتخلق فيه من فكر سحب الإحساس بالزمن إلى هذا الأسلوب .
ومن جانب آخر بنيت المقطعة على التقابل بين التشبث باللحظة والضياع أو الغياب, أعني بين ( أن يعيش... وأن يبقى) في البيتين الأخيرين؛ لأن النص بني على هذه الثنائية أعني نزعة البقاء في :طول عيش ، وسطوة الموت في : الهلاك ، وتلحظ القراءة أن جزء أسلوب البناء في الجمل الاعتراضية وهي ثلاث ( طول عيش, حلو عيش, إن هلكت) وهو أسلوب بناء توزّع على ثلاثة أبيات من أربعة غلب فيه التوق إلى البقاء في اعتراضين وتسرّب إلى الجملة الثالثة من خلال كونها شرطية (( إن هلكتْ)) وكأنه يتوق إلى القول : (( لن أهلك)) !!! وهو ذات النهج في حضور الأفعال المضارعة الثمانية , هناك خمسة منها ذات بث إيجابي توزعت على مساحة النص وشكلّت أسلوب اختيار في بنائه هي : ( يأمل , يعيش, يبقى , يرى, يسر) أما ذات البث السلبي فثلاثة : ( يضرّ, يفنى, يخون) ليقف أسلوب البناء المتصل  بالزمن على فعل ماض واحد فقط ( هلك) . 
أما الإحساس بالمكان في أسلوب بناء النص فجاء متصلابالزمان متماهيا معه وبخاصة في أفعال( يعيش, يبقى, يرى) حيثيحضر المكان دالا مكملا للزمان فيها أما الأفعال الخمسة الأخرى فإن حضور الزمان فيها أبعد, وحين يكون التوق إلى الإمساك بالزمان جزء بناء النص, ومهيمنا عليه فذلك متصل بالتعبير عن نزعة البقاء وهي فطرة في الناس , بمعنى أن ثنائية ( البقاء – الفناء ) التي هيمنت على أسلوب بناء النص كشفت عن غلبة الإحساس بالبقاء والانتماء إليه. كما كان التدوير في بناء الأبيات في ألفاظ :( يعي...ش) و(يبْـ...قى) و(حَتْـ...تَى) وفي             (هَلكْـ...تُ) سمة في أسلوب بناء المقطعة على مساحة الأبيات الأربعة, وهو نهج أسلوبي ذو دلالات تتصل بالتعبير عن الثنائية التي بنيت على إيحاءاتها المقطعة كلها(البقاء-الفناء) حتى أن الألفاظ التي وقع التدوير عليها وتوزعت على شطري البيت الواحد, كلها ألفاظ يتقابل فيها دال البقاء مع دال الغياب؛ فالعيش يقابله الهلاك والبقاء يقابله الهلال وحتى حرف غاية تقف عند نهاية حتمية والفعل          (هلكْتُ) من فعل ماض وفاعل هو ضمير متصل, انفصل رسما كتابيا في الشطر الثاني من البيت, وأحسبه  دالا بصريا, وهناك دال كتابي آخر على طمع الهالك في البقاء لا أن يكون فاعلا لهلاكه. وهذه السمة في أسلوب بناء المقطعة ملحوظة كتابيا أكثر منها شفاهيا , ولكنها في عمق الأداء جزء بنائه وسمة في أسلوب هذا البناء .
 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي