loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

استراتيجية الرمز الصوفي في شعر قيصر أبو طبيخ ديوان (وحدك..وحدك) مثالاً

breakLine
2023-05-16

الطالبة صفاء سلمان _ الكلية التربوية المفتوحة


بإشراف النجف الأشرف : د. باسم الحسناوي || كاتب وإكاديمي عراقي

 


إشارة: ما هو مسطورٌ في هذه الورقة هو المبحث الثالث فقط من بحثٍ كاملٍ قُدِّم للكلية التربوية المفتوحة كجزءٍ من متطلبات نيل شهادة البكلوريوس في اللغة العربية


تمهيد:
ليست الحداثة الشعرية حكراً على قصيدة التفعيلة، أو على قصيدة النثر، كما ذهب إلى ذلك شطرٌ من السردية النقدية في العقود القريبة السابقة، فكما يمكن أن تكون قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر قصيدةً حديثةً بلغتها وانزياحاتها ومجازاتها وصورها الشعرية ورموزها، يمكن للقصيدة العمودية أن تكون قصيدةً حديثةً بكلِّ ذلك، تلك قضيةٌ يمكن البرهنة عليها اليوم بكلِّ يسر، من خلال عددٍ كبيرٍ من النماذج الشعرية العمودية التي كتبها شعراء لم يكتبوا إلا الشعر العمودي، وشعراء آخرون كتبوا الأشكال الشعرية الثلاثة، أو شكلين من هذه الأشكال في الأقلّ، بل يمكن لنا أن نجد سمات الحداثة الشعرية متجسِّدةً في الشعر التراثي القديم كذلك، من الشعر الجاهلي إلى الشعر العباسي، ولا ضير في ذلك، ما دمنا نعلم أن الحداثة الشعرية لا تتضمَّن معنىً زمانياً بالضرورة، يجعلها حكراً على حقبةٍ زمنيةٍ دون أخرى، فأيُّ مانعٍ من أن يكون بعض شعر عنترة أو لبيد أو طرفة بن العبد أو المتنبي أو أبي تمام أو أبي نؤاس أو مسلم بن الوليد شعراً حداثياً على هذا الأساس، ما دام هذا الشعر يتضمَّن السمات البارزة للحداثة الشعرية المعاصرة الموجودة في النصوص الشعرية التي تنتمي إلى الشعر الحديث، سواء كان شعراً عمودياً أو شعر تفعيلةٍ أو قصيدة نثر.
ناهيك عن أن تجارب الشعراء الجدد، من فرسان القصيدة العمودية في العراق، لا سيما شعراء الكوفة، أثبتوا أنهم قادرون على تحويل المسار التقليدي للقصيدة العمودية من فضائها التقليدي القديم، إلى فضائها الجديد المكتنز بالرؤى والتصورات والمعاني الحداثية الجوهرية العميقة.
في هذا البحث المختصر، تمَّ تسليط الضوء على المنجز الشعري المهمّ لأحد فرسان القصيدة العمودية في مدينة الكوفة، ممن كان لهم الأثر البارز في تحقيق هذا المسار داخل القصيدة العمودية العراقية الحديثة، وهو الشاعر قيصر أبو طبيخ، على أننا لم نختر أنموذجاً للدراسة، سوى مجموعته الصادرة من دار (تأويل) التي تحمل عنوان (وحدك..وحدك)، فالله أسأل أن أكون قد وفِّقتُ في هذه الدراسة المختصرة عن الشاعر، على أمل أن يقوم باحثون آخرون بدراسة أوسع وأشمل، تستوعب دراسة شعراء بارزين آخرين ممن ينتمون إلى هذه المدينة العظيمة، الحافلة –قديماً وحديثاً- بالشعر والفكر والإبداع. 
المطلب الأوَّل
تلاحم المعنى الشعري مع المعطى الصوفي والإشراقي
لا بدَّ لنا ونحن نقرأ الثلاثيات القيصرية أن نلاحظ التشابك الحاصل بين الشعر وحقول أخرى خارج الشعر، شكلت المادة التي يشتغل عليها الشاعر اشتغالاً شعرياً، من هذه الحقول حقلا التصوُّف والفلسفة، أعلم أن ثمة من  ينكر على الشعر أن يكون ذا علاقة بحقول معرفية خارج الشعر، لكن هذا لا يهمنا، لأننا لا ننطلق في نظرتنا إلى الشعر من منطلقهم هم، إذ يعتقدون أن النص الشعري ليس له من وظيفة سوى أن يكون مدهشاً في تركيبته اللغوية مع توفر عنصري الخيال والإيقاع، نحن لا نعتقد بذلك، ونتصور أن الشعر لا بدَّ أن يكون حاملاً لفكرةٍ يتشكل منها معنى النص، ولا تناقض بين أن يكون النص حاملاً لمعنى، وأن يكون مكتنزاً بالدلالات المنفتحة الاحتياطية، وأن يتم التعبير عن تلك الاحتمالات الدلالية بلغة الإيحاء، وهذه المسألة ليست جديدة في النظرية الأدبية المعاصرة، بل الوعي بها موجودٌ في العصور القديمة، فالنص المكتنز بالمعنى له ظاهر وله مجموعة بطون، نحتاج للاطلاع عليها عبر عملية التأويل إلى مجموعة من الشروط، منها اللغة الإيحائية المستخدمة في النص، ومنها المسبقات الذهنية المنقحة التي ينطلق منها المتلقي إلى تأويل النص، عبر ضوابط تأويلية متفق عليها في علم اللغة وغيرها من العلوم الضرورية لتحليل النص، فإذا كان الأمر كذلك، فإننا يمكن أن نقول إن الشاعر قيصر أبو طبيخ يعتني بهذه العلاقة بين الشعر والأفكار المستمدة من حقول معرفية أخرى كالتصوف والفلسفة، ولا يعني هذا أن الشاعر يستدلّ ويستنبط بالطريقة التي يفعلها الفلاسفة، فهو ليس معنياً بذلك، بل لو فعل ذلك لانتفت الشعرية من النص، ولكنه يقارب الوجود مقاربات ربما كان ظاهرها التنسيق المنطقي بين الأفكار، إلا أن الحقيقة هي أن الشاعر يجعل أطراف القضايا مقدمات خيالية، ليخرج بنتائج خيالية أيضاً تكون وظيفتها كسر أفق التوقع لدى القارئ، ولفت انتباهه إلى أنَّ ثمة علاقات بين الأشياء والأفكار غير تلك العلاقات التي يوجدها عادةً العقل الفلسفي، وربما كان أقرب شيءٍ إلى ذلك تراث السفسطائيين، فالشكل العام لتفكيرهم يبدو أنه منطقي، لكنه في الحقيقة يخرق المنطق العقلي، ويصدم القارئ بنتائج بنيت على مقدمات خيالية، لا تمتّ إلى واقع التفكير المنطقي بصلة، أو قل إن المنطق الجمالي الذي يوجده الشاعر يكسر قواعد المنطق العقلي الذي يستخدمه الفلاسفة، فكلاهما منطق، إلا أن هذا منطق غايته الجمال، فلا تهمُّه الخطوات العقلية التي يسلكها الفلاسفة في البرهنة على الأفكار، وذاك منطق فلسفي، غايته الوصول إلى الحقيقة الصلبة والثابتة التي يقرُّها العقل المجرَّد عن العاطفة، والبعيد كلّ البعد عن فضاءات الخيال.
قصائد قيصر أبو طبيخ عبارة عن أسراب من الومضات الشعرية المتتابعة على شكل ثلاثيات، كل ثلاثية تأخذ قافية وززناً مستقلين، ويجمع بين هذه الثلاثيات في السرب الواحد فضاءٌ دلاليٌّ واحد، ثمَّ تتشابك الأسراب بعناوينها المختلفة في فضاءٍ دلاليٍّ أكبر، يوحِّدها جميعاً، ويجعل منها وحدةً متماسكة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن كل ثلاثية من تلك الثلاثيات يحرص الشاعر على أن يجعل منها ومضة شعرية، تشع بالدلالة الموشورية المتنوعة، إلا أن جميع الألوان تنتمي إلى طيف دلالي واحد، وقد جعلت هذه الخاصية من شعر قيصر أبو طبيخ، شعراً مكتنزاً بالدلالات المنفتحة، بحيث تكون مساحة التأويل أمام القارئ رحبة جداً، ومنضبطة في الوقت نفسه، ضمن السياقات والعلاقات اللغوية التي ترسم هندسة البيت الواحد، لينضم مع البيت الذي يليه، ثمَّ الذي يليه في بناء هندسي محكم، وهنا ينتهي بناء الثلاثية، لتنضم بدورها إلى الثلاثية التي تليها، ثمَّ التي تليها، ضمن البناء الدلالي الهندسي المحكم نفسه، فتتوفر بذلك الوحدة الموضوعية في الثلاثية الواحدة، ثمَّ في السرب الواحد، ثمَّ في الديوان كله، ليكون شرط التلاحم والانسجام متحققاً بين ثلاثيات المجموعة كلها من جانب، وعنوانها من جانب آخر.
المطلب الثاني
الوحدة العضوية بين كلِّ ثلاثيةٍ في المجموعة وسائر الثلاثيات 
في هذه الثلاثيات تتماسك الأبيات في علاقة لا تنفصم، كل بيت مرتبط بالبيت الآخر من خلال رابط دلالي متين، وهذه إحدى السمات الأساسية في ثلاثياته التي تتميز بها عن سواها من الشعر الحديث، إذ يجنح هذا الشعر بطبيعته إلى العشوائية والغرابة، فتفقد الأبيات الشعرية في كثير من القصائد العمودية الحديثة، ناهيك عن شعر التفعيلة وقصائد النثر، ذلك الخيط الناظم الذي يجمع شتات القصيدة، فلا تكاد تجد علاقة دلالية واضحة تجمع بين سطر وسطر، فضلاً عن العلاقة التي تجمع بين مقطع ومقطع، كما يمكن القول ان العلاقة الدلالية بين كل ثلاثية وأخرى في السرب الواحد موجودة بقوَّة، ونترقى فنقول انها موجودة على مستوى العلاقة التي تربط بين ثلاثيات كلِّ سرب وآخر، وصولاً إلى أن يصبح الديوان كله كتلة دلالية واحدة تتحرك في فضاء دلالي ينماز بالوحدة والتماسك، فلنأخذ على سبيل المثال هذه الثلاثية:

هدوءُ الليلِ يملأني غراماً 
وما عندي عن الحبِّ استطاعَه 
فأهرب للصلاة فيلتقيني 
لنقضي ساعةً والعمرُ ساعَه 
ولكني أغار عليه جداً 
لذلك لا أصلي في جماعَه(1)

فنحن نرى واضحاً أن كل بيت في الثلاثية متلاحم مع البيت الذي يليه، حتى تبلغ الثلاثية الذروة في البيت الأخير الذي يشكل المعنى المراد، وهو المعنى الذي يحدث الدهشة الشعرية  التي من الضروري وجودها في الفضاء الشعري المكثف لقصيدة الومضة، إذ كل ثلاثية من ثلاثيات هذا الديوان هي عبارة عن ومضة شعرية مشعة بالدلالة والمعنى الصادم، ثم نجد أن هذه الثلاثية ذاتها لا يمكن فصل دلالتها عن الدلالات المتلاحمة للثلاثيات السابقة واللاحقة، فالثلاثية اللاحقة هي: 
ليكن فدا عينيهِ قربي منهما 
ذق لذَّةَ الغضبِ الشهيِّ بصدِّهِ 
وانظر إليك فقد تراني عندَهُ 
أو قبلَهُ ويطيبُ لي من بعدِهِ 
هيا التفت هذا هواهُ فمسَّهُ 
واقرأ عليه: لوحدِهِ في وحدِهِ(2)

والثلاثية التي هي سابقة عليها، مع أنها في سرب شعري آخر  هي:
بقايا لا بقاءَ لها وروح ٌ
يفتِّتُها دنوُّكَ والبعادُ
وتأخذُني ثوانٍ لستَ فيها 
لأعوامٍ هي السبعُ الشدادُ
أرادوا أن أعيشَ، أردتُ موتي 
وها أنا ذا أموتُ كما أرادوا(3)  

ففي جميع هذه الثلاثيات يتوهَّج المعنى الصوفي الإشراقي، وتتلاحم أجزاؤه، ضمن وحدتين موضوعية وعضوية لا يمكن أن يقال في حقها إلا أنها في غاية الإتقان، مع أن الشاعر نظَّم ثلاثياته لتشكِّل كلُّ واحدةٍ منها فضاءً دلالياً مستقلاً عن الفضاء الدلالي الآخر للثلاثيات المجاورة، السابقة واللاحقة.
ومن هنا يمكن لنا أن نتحدث عن شروط ثلاثة اشترط النقاد توفرها في أي نص شعري لكي يتميز بسمة الجمال، مما حققته النصوص الشعرية الموجودة في ديوان الشاعر، هي:

1-الوحدة: ففي كل ثلاثية تتجسد هذه الوحدة التي لها بعدان، الأوَّل شكلي، يتعلق بالصورة الشعرية والانزياحات والمجازات التي تتعالق فيما بينها محدثةً تلك الهزة الشعرية العفوية التي يشعر بها القارئ وهو يقرأ النص، مضافاً إلى قضايا شكلية أخرى تتعلق بالقوافي غير المقحمة التي تعزز الإيقاع الخارجي، وتتشابك مع الإيقاع الداخلي للنص، مع التنوع الجميل في القوافي على أساس محور الثلاثيات الذي بُنِي عليه الديوان، وكذلك للتنوع الموجود في البحور الشعرية المستخدمة، فلا ينتظم أي سربٍ من أسراب الثلاثيات بوزنٍ واحدٍ مطَّرد، فيتقلب الشاعر بين بحر الطويل والكامل والخفيف والبسيط وسائر البحور الأكثر استخداماً في الشعر العربي التقليدي الموروث، فيكون لذلك الأثر الأسلوبي البارز على صعيد الشكل، والثاني مضموني، وهو ما يتعلق بالمعاني والدلالات التي تتشظى عن طريق تلك البنية الشكلية المكوَّنة من الانزياحات والرموز والصور الشعرية، فيشكِّل المضمون هاجساً قوياً لدى الشاعر، جنباً إلى جنبٍ مع الشكل، وهو ما يمنح الديوان خصوصيته بالقياس إلى الكثير من الشعر الموزون الذي اتخذ سبيل قصيدة النثر في تحديث القصيدة العمودية، فارتكب الشعراء في هذا السبيل الأخطاء التي ارتكبها أغلب شعراء قصيدة النثر ذاتها، وهي الأخطاء المتعلقة بالتركيز على الجانب الشكلي من القصيدة (الصور الشعرية الغريبة، والأخيلة التي تجنح جنوحاً سريالياً، والموسيقى)(4).
2- الانسجام: وهو يعني "ترابط أجزاء العمل الأدبي وتناسبها على وفق متطلبات الموضوع ومنطقه الذاتي، أي يجب أن تكون الأجزاء موزَّعةً في العمل الأدبي على نحوٍ يتجلى فيه التناسق والتناسب بحيث لا يطغى جزءٌ على جزءٍ أو عنصرٌ على آخر"(5)، وهو ما تجلى في ثلاثيات الديوان، بحيث انك عندما تقرأ ثلاثية من الثلاثيات لا تستطيع أن تفصل كلمةً عن كلمةٍ في سياقها المحدد، ولا أن ترفع استعارةً أو مجازاً ما إلا مع التضحية بجزء المعنى العام المتلاحم في أجزائه حتى بلوغ الذروة في البيت الثالث الأخير الذي يلمع منه بارق الومضة الشعرية، لكن يمكن أن يقال إن هذا الانسجام لا يتحقق دائماً في مجموع الثلاثيات التي يتكوَّن منها كلُّ سرب، إذ له عنوانٌ واحد، والحقيقة انَّ مثل هذا النقد وجيه، إذا نظرنا إلى سرب الثلاثيات على أنه يشكل قصيدة واحدة، لكنني لا أفهم الأمر على هذه الشاكلة، فعلى الرغم من وجود عنوانٍ عامٍّ واحدٍ لكل سرب من الثلاثيات، فإن لكل ثلاثية كيانها الخاص من حيث الوزن والصور الشعرية والرموز المستخدمة، يبقى انَّ ذلك العنوان العامّ لا يشير إلا إلى ذلك الفضاء الدلالي الواسع الذي تسبح فيه كل ثلاثيات السرب الواحد، كما ان العنوان الجامع على غلاف الديوان (وحدك..وحدك) يشير إلى ذلك الفضاء الدلالي الأوسع والأشمل الذي تندرج فيه كل الثلاثيات في أسرابها المتعددة.
3-التألق الناتج عن الاستعمال الأدبي الخاص للغة الشعرية، بحيث تهجر اللغة سياقاتها العملية المعتادة، وتتحول إلى كتلة استعارية مشعة، ومن الطبيعي أن يختفي هذا الإشعاع اللغوي من النص عند الترجمة . ولو نظرنا إلى ثلاثيات قيصر ابو طبيخ، نجد أن اللغة الشعرية تنماز بالإنزياح التامّ تقريباً على صعيد كلِّ كلمة في سياقاتها المتعددة، وهو ما حوَّل النص إلى كتلة لغوية مشعة، تمتع القارئ بكسر أفق التوقع لديه عبر مفارقات عفوية أحياناً ومتعمدة أحياناً أخرى، وعبر ما يتمتع به النص من قابلية للتأويل، على أن المعاني الأولية الظاهرية تتمتع بالطاقة الشعرية الهائلة أيضاً، وإنما يضيف لها التأويل والانفتاح على دلالات احتمالية أكثر جمالاً، بلانهائية المعاني الباطنية التي يختزنها النص الإشراقي والصوفي.

المطلب الثالث
الانفتاح الدلالي باسثمار الشحنة الدلالية التي يكتنزها الرمز
 الرمز لغة ثانية، فأنت تنتهي من قراءة اللغة الظاهرية للنصّ، ثمَّ بعد ذلك تبدأ لغة الرمز بالانفتاح على دلالاتٍ أخرى غير الدلالات الظاهرة، وهي دلالات منفتحة لا تنتهي، بحسب الاقترانات والسياقات اللفظية الموجودة في النصّ، فالرمز كلمة في النهاية، يشحنها الكاتب أو الشاعر بمعانٍ لا يتمّ تلقِّيها بطريقةٍ معجميةٍ كما هي الطريقة التي يتمّ تلقِّي معنى الألفاظ العلمية المطابقة لمعانيها في الخارج، ولهذا فإنَّ التعبير عن تلك المعاني والدلالات لا يكون إلا إيحاءً وتلميحاً، إذ تعبِّر المفردة التي أصبحت رمزاً عن معنىً آخر غير المعنى الذي وضعت له، فتدلّ عليه دلالةً غير مطابقية، وإنما دلالة إيحائية، ويبرر هذه الدلالة وجود علاقةٍ عرضيةٍ أو علاقةٍ متعارفة، مع الأخذ في نظر الأهمية دور السياقات اللفظية والمقامية في شحن هذه المفردة (الرمز) بالدلالات الإيحائية المنفتحة في ذهن القارئ، وإلا فإن عملية الانفتاح على تلك الدلالات ليست اعتباطيةً أو جزافيةً كما يتخيَّل بعض نقاد الأدب الحديث، ولو كان الأمر كذلك لأمكن لكلِّ إنسانٍ سواء كان أديباً أو غير أديبٍ أن يخلق نصاً أدبياً رمزياً، ولما كان الأدب الرمزي هو الأدب الأعلى مقاماً من الأدب الذي لا يجنح نحو الرمز في إيجاد المعنى وخلق الدلالة(6). 
الأدب الرمزي الذي يكتب بطريقةٍ اعتباطيةٍ أو جزافيةٍ بحيث لا تساعد السياقات اللفظية والمقامية على تأويله تأويلاتٍ مناسبةً ذات مغزى، لا قيمة له في الواقع، لأنه ليس أدباً دالاً، ولا يكون القارئ مجبراً على الاهتمام بهذا النمط من الكتابة العبثية الخالية من المعنى، أما التذرع بأن المؤلف ليس مسؤولاً عن إيجاد المعنى، وأن القارئ وحده هو المسؤول عن ذلك، فهي حجةٌ واهيةٌ غير مقنعة، إذ ما الداعي لكتابة النص من الأساس، إذا لم يكن مكتنزاً بالمعنى وحاملاً للدلالة، فإن وظيفة أي نصٍّ رمزياً كان أو غير رمزيٍّ هو أن يحمل رسالةً يريد من القارئ تلقيها سواء بالطريقة المباشرة أو عن طريق الإيحاء والتلميح، فإذا كان النص فاشلاً في القيام بهذه المهمة، بل يقال إنه ليس مسؤولاً أصلاً عن هذه المهمة، فقد الأهمية في نظر القارئ، وصار خليقاً بالهجر والإهمال(7). 
الاتجاه الرمزي في الشعر العربي معروفٌ في الشعر العربي سواء في الشعر القديم أو في الشعر الحديث، أما في الشعر القديم فيعدّ الشعر الصوفي والإشراقي المظهر الأبرز لهذا الاتجاه، ولا يتخيَّلنَّ أحد أن تجليات هذا الاتجاه كانت أوَّلية وبسيطة في هذا المجال، بل كانت قوية ومركزة إلى حدِّ أن الشعر الرمزي الحديث تأثر بهذا الشعر إلى أبعد حدّ، خذ على سبيل المثال الشاعر السوري أدونيس، فإنه أبدى حماسةً كبيرةً لتمثل الشاعر الحديث للتجربة الصوفية شعراً ونثراً، ولم تكن تلك الحماسة لأنه يعتقد فعلاً بالمضمون الصوفي أو الإشراقي، فهو رجل علماني متطرِّف، ولديه موقف فلسفي سلبي من كلِّ القضايا الدينية والميتافيزيقية، ولكنه يبدي تلك الحماسة للطريقة التعبيرية عن المضامين الصوفية من خلال الرمز، لكون الرمز قادراً على التعبير عن أعماق الشاعر تعبيراً يعجز العقل الواعي عن فهم حقيقته، وإدراك ذلك الكنه البعيد فيها، ولذا لا يمكن فهم شعر أدونيس بالطريقة التي يتمّ تلقي سائر الشعر غير الرمزي من خلالها، إذ لا بدَّ من إدراك هذه الحقيقة التي تشير إلى أن اللغة الشعرية التي يستخدمها أدونيس هي لغة رمزية بطبيعتها، وتحتاج إلى تأويل مركز أحياناً، لكونها لغة إيحائية، لا لغة تقريرية مباشرة، وبما انها كذلك فإنها بحاجة إلى فكِّ شفرة الرموز المستخدمة في نسيج النص، وكشف علاقاتها والآلية التي تعمل من خلالها لإنتاج الدلالة(8).  
الشاعر العربي لم يمارس التصوف العملي فلم ينعكس على سلوكه وتصرفاته، كما انه لم يعتنقه كفلسفة يرسم على أساسها معالم منهجه الفكري، بل تعامل الشاعر العربي المعاصر مع التصوف بصفته تراثاً شعرياً يقرأه ويتأثر في صوره البيانية وأساليبه التعبيرية لا أكثر ولا أقل، ولهذا يقول محمد عفيفي مطر وهو أحد شعراء مصر البارزين: "ليس بين الشعراء من قال ان تجربته الشعرية نتاج انضوائه تحت علم ((طريقة)) أو تعبير عن سلوك طري"(10) كما يقول الشاعر عبد الوهاب البياتي: "معظم الشعراء العرب المعاصرين لا يمتلكون البنية المادية والروحية التي كان يمتلكها الشعراء المتصوفة، ولهذا فإن رحلة بعضهم نحو الداخل أو نحو الذات كانت رحلة نحو العقم والصمت، وواجهت اليباب والإحباط، لأن هذه الرحلة نحو الداخل تحتاج بجانب البنية الروحية والمادية إلى الرؤيا الفلسفية أيضاً، التي تطرح الأسئلة على الذات، وأغلب الشعراء العرب الآن لا يمتلكون هذا النفس"(11) وعلى هذا الأساس، فإننا يمكن أن نجد شعراء يتبنون الإطار الرؤيوي الصوفي من دون أن تكون لهم هموم المتصوفة، ولا فلسفتهم المتصلة بالعشق الإلهي وما يتفرع منها من مسائل، بل إن بعضهم شعراء يصرحون بأنهم ملحدون، كما هو الحال مع الشاعر العربي السوري أدونيس. 
فالرمز هو "ذلك الشيء الذي يوحي بشيءٍ آخر بفضل وجود علاقة معينة بينهما كما انه إشارة مصطنعة متفق على معناها بين مجموعة من البشر، فيرمز الأسد مثلاً إلى القوة والشجاعة، واللون الأبيض إلى الطهارة، كما تختلف دلالة الرموز من منطقة إلى أخرى، وان معناها يتبدل باختلاف الأزمنة، وهذه الرموز العامة لا تمنع من أن يكون للفنان رموزه الخاصة به التي لا يدرك مراميها ودلالتها سواه"(12) فليس ثمَّة في الرمز جانب موضوعي فقط، بل ثمة جانب ذاتي، بمعنى أن الرمز كما ان له دلالة اتفق عليها المجتمع في بيئة معينة وفي عصر معين، وهو ما يمثل الجانب الواعي أو الشعور عند الشاعر، فإن له جانباً ذاتياً يتمثل باللاوعي أو اللاشعور لديه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المدارس النقدية التي أولت الأهمية القصوى لاستجابة القارئ، جعلت للجانب الذاتي الذي يمثل لاشعور القارئ الدور الأكبر، بل يكاد يكون الوحيد في تأويل الرمز وإضفاء الدلالة عليه، فتمَّ إغفال الجانب الموضوعي في الكثير من التنظير النقدي الحديث، مضافاً إلى إغفال الجانب الذاتي للشاعر، بحيث لم يعد للسياقات اللفظية والمقامية التي يعتني بها الشاعر للإشارة إلى التأويل المناسب لنصه مهمّاً في نظر هذا النقد، وهو ما أدى إلى أن يكون النص الشعري نصاً مغلقاً وعديم المعنى من زاوية القارئ الحديث، الأمر الذي أدى إلى أن تتراجع أهمية الشعر الرمزي الحديث بالقياس إلى الشعر الرمزي القديم الذي تمثله التجارب الشعرية الصوفية والإشراقية خير تمثيل، وما ذلك إلا لأن العلاقة بين الموضوعي والذاتي في الشعر الصوفي والإشراقي محكومة بمعادلة منطقية لا تسمح بأن تنفلت دلالة النص نحو تأويلات مجانية تبرعية لا يتوفر عليها دليل من النص، فالنص هو الذي يحمل المعنى بشكلٍ مسبق، وعلى القارئ أن يرتقي من الناحية المعرفية إلى المستوى اللائق بتلقي النص، كما ان عليه أن يلتزم بالدلالة المتفق عليها من قبَلِ أهل هذا الفن، حتى وهو يمارس حقه في تفعيل جانبه الذاتي أثناء عملية التأويل(13)، ومن المهم أن نشير إلى أننا مهما قلنا إن الرمز يمكن أن ينفتح على دلالاتٍ كثيرة، فإننا لا يمكن أن نغفل حقيقة أن الرمز يجب أن تكون بينه وبين المرموز التي هي الدلالات التأويلية للقراء علاقة تشابه، وإن هذه العلاقة هي التي تجعل تلك الدلالات منتظمةً ومتناسبةً ومنسجمةً بطبيعة الحال.
وعلينا أن ننتبه إلى أن المدرسة الرمزية مرَّت حسب الدارسين بمراحل ثلاثة هي:
المرحلة الأولى: هي المرحلة التي توهَّجت فيها الرمزية وبلغت الذروة، حيث كانت متفائلةً جداً بتطبيق كلِّ نظرياتها، وكتابة الفنّ الذي يجسِّد تلك النظرية.
المرحلة الثانية: مرحلة الرمزية المعتدلة، وقد رجعت الرمزية في هذه المرحلة عن بعض المبادئ التي تعصَّبت لها، وقلَّدت البرناسية والرومانتيكية.
المرحلة الثالثة: في هذه المرحلة انهارت الرمزية لأسباب عديدة يخصّ بعضها طبيعة الأدب الرمزي نفسه، ويخصّ بعضها الآخر أسباباً خارجية ليست هي المسؤولة عنها.الرمزية والادب الحديث(14).
وما يهمُّنا هنا هو أن نقول إن أهمّ تلك الأسباب إنما كان يتمثل في طبيعة الشعر الرمزي، إذ كان شعراً غامضاً مغلقاً، بحيث لم يكن له جمهورٌ من غير الشعراء الرمزيين أنفسهم، ولذا ضعفت همتهم، وشعروا بالعجز ولم يعودوا واثقين من صحَّة المبادئ النظرية التي دعوا إليها، فصار بعضهم يهاجم البعض الآخر، وهاجمت المدارس الأدبية الأخرى المدرسة الرمزية، فأدى كل ذلك إلى انهيارها(15).
المهم في هذه المراحل هي المرحلة الثالثة، حيث علينا أن نستخلص العبرة من هذا الانهيار، فإذا كانت اللغة الرمزية لغة إيحائية مفعمة بالخيال إلى الحدِّ الذي لا يمكن للشعر العربي الحديث التخلي عنها، فإن ما هو ضروري أيضاً هو عدم ارتكاب الأخطاء التي ارتكبتها المدرسة الرمزية ذاتها في الغرب، والخطأ الأبرز هو جنوح النص الشعري الرمزي إلى أن يكون نصاً غامضاً مغلقاً، جعلت جمهور الشعر يبتعد كلياً عن الاهتمام بالشعر الرمزي الحديث، ليس لأنه جمهور بليد شعرياً كما يعتقد بعض شعراء الحداثة، ونقاد هذا الشعر، بل لأن النص نفسه غير قادر على التواصل مع القارئ مهما كان ذكياً وألمعياً في تلقي الشعر الحديث، بدليل أن شعراء القصيدة الرمزية الحديثة لا يجيد بعضهم تلقي نصوص البعض الآخر، فلا معنى للمكابرة والإصرار على الأخطاء المكررة في هذا السياق.  
عندما يتحدث أقطاب المدرسة الرمزية عن مسألة الإيحاء باللغة، فانهم يتطرفون إلى درجة أنهم يستهينون تماماً بقضية الدلالة، ويوجهون الاهتمام الكلي إلى مسألة الموسيقى، فالمهم ليس هو المعنى الموحى به عن طريق المفردات، بل المهم هو أن يتم استغلال الطاقة الصوتية في حروف اللغة ومفرداتها وتراكيبها، ولا تثريب على الشاعر لو أنه أهمل جانب الدلالة تماماً واهتم فقط بالموائمات الصوتية للحروف والكلمات والتراكيب، فإذا تأملنا هذا الكلام جيداً استطعنا أن نحدس النتائج السلبية الكارثية التي يمكن أن تترتب عليه، وأول تلك النتائج هي أن القصيدة الرمزية الحديثة إن أصرت على الالتزام بهذه الفكرة تكون فاقدةً كلياً للمعنى، لأنها ستفقد جميع الروابط المنطقية بين المعاني الإيحائية التي تشع من الكلمات، إذ المهم هو التواؤم الصوتي لا الدلالي، وإذا كان الهدف هو مجرد التواؤم الصوتي أمكننا القول إن الشاعر الأعظم ليس هو الشاعر القادر على ابتكار المعاني ورسم الصور الشعرية المعبرة عن تلك المعاني، بل هو الشاعر الأقدر على رصف مجموعة من الحروف والمفردات والتراكيب التي تتوفر فيها صفة التواؤم الصوتي والموسيقي فقط، وهكذا سيفقد الشعر مبرره للوجود، لأن فن الموسيقى هو الأقدر على أداء هذه المهمة أكثر من الشعر، فأية ضرورة تدعونا إلى أن نكتب أو أن نقرأ شعراً بعد ذلك، فالمدرسة الرمزية تقوم على أساس أن المهم ليس هو ما يقوله الشاعر، بل المهم كيف يقوله، ولهذا المبدأ الذي يعتقد به الرمزيون أصل في التراث النقدي العربي القديم، يتمثل في مقولة الجاحظ المعروفة حول الوجود المجاني للمعاني وجعل العبرة في الصياغة اللغوية فقط، ولقد قامت نظرية النظم الجاحظية على هذا الأساس الشكلي المتغافل عن أهمية المضمون، وهو الأمر الذي أثار حفيظة عبد القاهر الجرجاني، فوضع أصولاً جديدةً لنظرية نظم غير شكلية، تعتني بالمضمون إلى جانب اعتنائها بالشكل، بل تعزي جميع التغيرات التي تطرأ على الشكل إلى تغيرات تحصل على صعيد المضمون، حتى يحدث التطابق بين الطرفين، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن الجرجاني غافلاً عن أهمية الغموض والإيحاء في لغة الشعر، فتحدث عن المعنى وعن ظلال المعنى تحت مسمى المعاني الثواني، لكنه لا يعترف بأن تكون الروابط المنطقية التي تحكم عالم الدلالة بين الألفاظ في سياقاتها الشعرية الخاصة مفقودة، كما هي النتيجة المتوقعة من الالتزام بنظرية الجاحظ.
إن "اللغة الرمزية هي لغة يكون فيها العالم الخارجي رمزاً للعالم الداخلي، رمزاً لروحنا وعقلنا"(16) فإذ ترمز الألفاظ إلى معان وضعية تدل عليها، فإن هذه المعاني العرفية ليست المعاني النهائية التي يدل عليها اللفظ، بل هناك معان أخرى ربما لا تقع في نطاق الخبرة الإنسانية العادية، يمكن أن تعبر عنها تلك الألفاظ عبر علاقة التشابه وآلية المجاز، إن المعاني الغامضة التي ربما تضيق اللغة البشرية العادية عن التعبير عنها بشكل واضح، تلك التي يكون مستقرها أعماق الذات الإنسانية، يمكن الحديث عنها بهذه اللغة، شريطة أن تستعمل استعمالاً رمزياً، فتتحول  الألفاظ إلى رموز، والمدلولات إلى مرموزات، ومن الطبيعي أن يكون الإيحاء والتلميح هو الوسيط الناقل للدلالة بين المبدع والمتلقي عبر النص المؤلف من هذه الرموز، لكن لا بد من الحفاظ على علاقات التشابه في جميع الأحوال، سواء كانت بعيدة لا تدرك بسهولة، أم قريبة يمكن إدراكها بأقلّ جهد، فإذا فقدنا علاقات التشابه، ولم نقم بنصب قرائن مقالية ومقامية تعين القارئ في عملية التأويل، سقط النص الرمزي في هاوية العبثية وضياع الدلالة، وعندما يصل النص إلى هذه الدرجة من الغموض، لا يمكن أن يكون منتجاً للمعنى حتى في نظر مؤلف النص، فضلاً عن القارئ.
ما يهمنا هنا هو تأشير القيمة الدلالية للرمز في شعر قيصر أبو طبيخ، وفي هذا السياق يمكن القول إن الرمز في شعر قيصر أبو طبيخ ليس منقطع الصلة عن المعنى المتفق عليه عند جمهور الشعر التقليدي الموروث، لكنه في الوقت عينه يمتدُّ ويتسع كثيراً في دلالته على هواجس وأفكار تنتمي إلى العالم الوجداني الخاص للشاعر، وهو عالم فسيح جداً، لأنه يتضمن الفضاءات الشعورية والمعرفية الموروثة في تراث السابقين، مضافاً إلى الفضاءات الوجدانية والشعورية والمعرفية للإنسان الحديث، وهذا يحيلنا بدوره إلى الحديث عن قضية مهمة تتعلق بشعر قيصر أبو طبيخ، وهي أن الغالبية العظمى من الشعر الرمزي الحديث، لا يعتني كثيراً بأن يكون له هذا البعد المضموني التواصلي مع التراث أو مع عالم الرؤى والتصورات الفلسفية المعاصرة، وكل ما يريد أن يحققه هو الصدمة والدهشة، وذلك الفضاء الجمالي الذي لا يتعدى البعد الشكلي من القصيدة، فيتضح من خلال الاهتمام بكل تلك الأبعاد الشكلية والمضمونية أن الشاعر لا يعتنق تلك الفكرة، ولا يجسدها في النصوص الشعرية الموجودة في الديوان، فتجد المعنى يحتلّ مساحة مهمة من بنية البيت الشعري في علاقته مع الأبيات الأخرى داخل الثلاثية، وعلاقة هذه الثلاثية مع سائر الثلاثيات كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، فليس الأسلوب هو الذي يقود الشاعر إلى نسج كلمات البيت ورصفها في هيئةٍ معينة، بل المعنى -وإن كان غائماً غير واضح في أعماق الشاعر- هو الذي يقود الشاعر إلى أن يختار أسلوبية البيت ويفضِّلها على أية أسلوبية أخرى، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن أسلوبية الشاعر في الديوان تتناغم وتنسجم وتتناسب مع أسلوبية الجرجاني الذي شاء المطابقة بين المعنى والأسلوبية الشكلية للكلام، وليس مع أسلوبية الجاحظ التي أهملت هذا التوازن، وركزت على الأسلوبية الشكلية، مع إيلاء المعنى أقلَّ الاهتمام.
عندما يقول قيصر أبو طبيخ:
كان اللقاء شديداً كنتُ أفقدني 
وجدتني فيك لما ضاع عنواني 
ماذا تحطَّم؟هات الفأسَ، خذ بيدي 
وانظر لوجهي فالأوثان أوثاني 
وحد إذا شئت كفي واتبع لغتي 
واسجد إذا شئت في محرابي الثاني(17). 
فإنه يجنح جنوحاً واضحاً نحو استخدام الرمز، بل إن لغة النص كلها رمزية تحتاج إلى تأويل القارئ لكي تتكوثر الدلالات وتتعدد بحسب ما تكون عليه الخلفية المعرفية والثقافية لكل قارئ، لكن يلاحظ ان الشاعر يسهل المهمة على القارئ من خلال رسم الصور الشعرية في النص، مع إقامة شبكة علاقات بين الرموز المذكورة في الأبيات الثلاثة، وهي تتمحور كلها حول قصة إبراهيم (ع) المذكورة في القرآن مع قومه الوثنيين، فيجد القارئ السبيل أمامه ممهداً لتأويل النص تأويلات تجعل النص يشع بالدلالات الغنية المتعددة، لكنها على الرغم من تعددها لا تتناقض ولا تتعارض، إذ كل تأويل يمكن أن يتعامد مع التأويل الجديد بلا تقاطع ولا تصادم، وما ذلك إلا لأن الشاعر حدد مسار التأويلات المتعددة من خلال إقامة العلاقات المنطقية بين الرموز، فكل رمز يتشابك ويتلاحم مع الرمز الآخر في علاقة منسجمة تجعل الصورة الشعرية ذات إحالة على ما بإزاء لها خارج النص، وتلك نقطة خلاف جوهرية بين البنية الرمزية للشعر الصوفي القديم والبنية الرمزية للنص الشعري الحديث، لأن هذا الأخير يفضل أن لا يحيل النص إلى ما بإزاء له خارج البنية اللغوية الرمزية للنص. 
البيت الشعري وتبعاً له الثلاثية بالكامل مكتنز بالمعنى مسبقاً قبل عملية التأويل التي يقوم بها القارئ، أو قل إن المعاني العميقة لها وجود بالقوة في النص، وتتحول إلى وجود بالفعل مع عملية القراءة، وهنا لا معنى للحديث عن موت المؤلف، إلا بذلك المعنى الإجرائي العملي الذي يخدم عملية تحليل النص وتأويله تأويلات لا تلتزم بالحدود الدلالية التي أرادها المؤلف بالضرورة، بل تتعداها إلى معان ودلالات أخرى ربما لم تخطر في ذهن المؤلف، وتلك طبيعة أي نص مكتنز بالمعنى، فللشاعر معنى أراد أن يوصله إلى القارئ بالتأكيد، ولذلك كتب النص، لكنه يعلم مسبقاً أن قارئه سوف لن يقف عند تخوم المعنى الذي أراد إيصاله، وسيتعداه إلى معان أخرى بالتأكيد، لكنه يؤطر النص بفضاء دلالي عام لا يسمح للقارئ بأن يقوم بعملية التأويل خارج ذلك الفضاء الدلالي العام، فعندما يقول:
والنورِ يا من أنتَ هوْ لم أحترقْ 
إلا لأتَّبعَ الرَّمادَ لأسمعَكْ 
سرنا سوياً لم يكن أحدٌ معي 
إلا أنا وأنا ولا أحدٌ معَكْ(18).
صحيح أن اللغة الشعرية التي يستعملها الشاعر هي لغة حديثة بامتياز، إلا أن قيصر أبو طبيخ واعٍ لأهمية تحقيق الصلة بين اللغة الشعرية الحديثة واللغة التراثية التي تمتاز بصفات أهمها الجزالة وجودة السبك، فتجد المفردات الشعرية التي كان الشاعر القديم يستعملها في شعره، لا سيما الشاعر الصوفي، يقوم هو باستعمالها أيضاً، بعد أن ينشئ علاقات جديدة بين المفردات، ويدرجها في سياقات تكون مسؤولة عن إنتاج الدلالة الجديدة المبتكرة، هذه الدلالة الأخيرة هي دلالة تنتمي إلى فضاء الحداثة الشعرية بامتياز، لأنها تتحول في ثلاثيات الشاعر إلى رموز يشير من خلالها إلى معانٍ ودلالاتٍ تنتمي إلى الفضاء الثقافي والمعرفي المعاصر، ومع أنه يلتزم بذلك، إلا أنه يأبى أن يكون ملتزماً كلياً بالهندسة النحوية الموروثة كما هي، بل يحاول في الكثير من هذه الثلاثيات التمرُّد عليها تمرداً واعياً نابعاً من استيعابه الجيد لمنظومة العلوم اللغوية، وفي مقدمتها علم النحو، فتراه يقوم بالخرق في هذا السياق، لكنك لا تملك إلا أن توافقه على هذا الخرق، عادّاً إياه نوعاً من الابتكار في بنية اللغة، الأمر الذي يؤدي إلى تجديدها وغرس روح الحداثة الشعرية فيها، فمثلاً عندما يقول:
قصيدة الحجب تتلوني فأسمعها 
فأنتشي حدَّ أني لا أساعدني(19).
فإنه يقوم بإسناد الفعل المضارع إلى ياء المخاطب مباشرةً، على أن المألوف نحوياً هو أن يقول أن أساعد نفسي، وعلى الرغم من أن عدداً من الشعراء السابقين جنحوا في شعرهم نحو هذا الاستعمال كالشاعرين إنسي الحاج وعبد نور داوود، إلا أن قيصر أبو طبيخ فضلاً عن أنه يسير على خطاهم، فإنه يركز هذا النوع من الاستعمال في شعره إلى حد أنه يتحول إلى ظاهرة في الديوان، لا سيما بعد أن نضمَّ هذا الخرق النحوي الابتكاري إلى غيره من الخروقات، فيكون قيصر أبو طبيخ ممن يعمل على إيجاد مثل هذه الاستعمالات النحوية المبتكرة في شعره عن وعيٍ بضرورة تجديد البنية النحوية للغة الشعرية في القصيدة الحديثة، وبالإمكان تتبع هذه الخروقات النحوية الابتكارية في شعر الشاعر من خلال بحث مستقلّ، لكن ما أردنا أن نشير إليه من خلال التنويه بهذه الخروقات هو أن المعروف عن المبادئ التي تقوم عليها المدرسة الرمزية هي أنها أجازت لشعرائها الخروج على القواعد المعيارية للنحو من أجل تحقيق غايات جمالية تتعلق بتركيز الإيقاع في النص الشعري، مضافاً إلى تحقيق الصدمة والدهشة عندما يفاجأ القارئ بمثل هذا الخرق النحوي الذي هو ليس اعتباطياً ولا نابعاً من جهل، وله ما يبرِّره في الذوق النحوي الدقيق، خصوصاً في السياق الشعري، وإنما يفعل الشاعر ذلك، لأن هذا البعد المتعلق بالإيقاع الداخلي على وجه الخصوص، له أثره البالغ في تكوين الطاقة الإيحائية للنص من وجهة نظر نقاد هذه المدرسة.

 


-----
الهوامش:
1- ديوان (وحدك..وحدك)، قيصر ابو طبيخ، دار تاويل، بيروت، ص57.
2- المصدر نفسه، ص58
3- المصدر نفسه،ص54
4- على الرغم من أنهم أهملوا الأوزان العروضية، وقالوا إنهم يكتفون بالإيقاع الداخلي للقصيدة، وهو ما يشكل زعماً لا يمكن البرهنة عليه في أغلب الأحيان. 
5- في النقد الادبي الحديث/ منطلقات وتطبيقات،عبد الرضا علي، وفائق مصطفى، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1989، ص53
6- ينظر: الرمزية والادب العربي الحديث، كرم انطوان، دار تاويل، بيروت-لبنان، ص8-10.
7- المصدر نفسه، ص34.
8- المصدر نفسه، ص80
9- الشعر والتصوف/ الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر، ابراهيم محمد منصور، دار الأمين للنشر والتوزيع، ص9.
10- ينظر:المصدر نفسه، ينظر كذلك: البحث عن ينابيع الشعر والرؤيا، عبد الوهاب البياتي ومحيي الدين صبحي، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1977م، ص19.
11- ينظر:الشعر والتصوف، مصدر سابق، ص9.
12- الرمزية في الفن الحديث، صبري منصور، مجلة عالم الفكر، العدد 3، ص136.
13- ينظر: الشعر والوجود/ دراسة فلسفية في شعر ادونيس، عادل ظاهر، دار المدى، بغداد، 2000م، ص44. 
14- الرمزية في الأدب العربي الحديث، مصدر سابق، ص67-68.
15- الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، د محمد فتوح، دار توبقال، 1999م، ص89.
16- الحكايات والأساطير والأحلام، أريك فروم، ترجمة صلاح حاتم، ط1، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا –اللاذقية، 1990، ص14.
17- ديوان: (وحدك.. وحدك)، مصدر سابق، ص44.
18- المصدر نفسه، ص95.
19- المصدر نفسه، ص5.

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي