مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حسان الحديثي | شاعر عراقي
لا نوم في حمدان حتى ينام النخيل، سعدي يوسف لا يشبه شاعراً عربياً آخر، كما قال درويش، هو أحد الشعراء الكبار الذين قادهم الشعر الى التمرد على تعالي اللغة الشعرية والى تأسيس بلاغة جديدة؛ ظاهرها الزهد وباطنها البحث عن الجوهر ليصبح الشعر في قصيدته هو الحياة.
إنه شاعر العراق الاول -حسب درويش- ابن البصرة وقرية حمدان وأبي الخصيب؛ غابةِ النخل الأشد كثافة في العالم.
لم اقرأ ولم أعرف أحداً من الشعراء العرب اكثر من سعدي يوسف ترحالاً وتنقلاً بين المنافي حتى صار شعرُه مدونةً حقيقيةً للمدن والامكنة والاسفار، ولم أعرف شاعراً عربياً اغزر من سعدي يوسف؛ فقد بدأ بديوانه البكر القرصان الذي طبعه في بغداد 1952 ولم يتوقف عن الكتابة حتى موته بقرية هارڤيلد بلندن بعد ان وضع مائة وأربعة عشر كتاباً على ارفف المكتبات العربية والعالمية كما أخبرني، مع مئات القصائد والجمل والعبارات في قلوب وعلى السنة الناس.
ميزة الفن انه يصنع الاسطورة، جَيْكور؛ القريةُ التي قال عنها السياب:
خرائبُ فانزع الأبواب عنها تغدُ أطلالا
خوالٍ قد تصكُّ الريح نافذةً فتُشرعها إلى الصبح
تطل عليك منها عين بوم دائب النوحِ
ولكنها -اي هذه الخرائب التي وصفها السياب- ظلّت في خرافة الفن البهيجة، وصارت أعلى من الواقع الحقيقي لجيكور "القرية"، لانها اصبحت رمزاً خيالياً سائحاً جوّاباً في ذاكرة الناس، وكذا الامر مع "نهره الصغير" بويب.
هذا ما قاله سعدي يوسف عن السياب وعن خَلْقِه للرمز.
سعدي يوسف استطاع صنع الاسطورة هو الآخر: فـ"حمدان" قريتُه التي ولِد فيها هي الاخرى أصبحت رمزاً متكرراً في شعره يشير الى هيكلٍ مجازي في الذاكرة، انا انظر لها نصباً شاخصاً في أدبه، أكاد أراها في قصيدة ليل حمدان التي كتبها عام 1955:
إننا في ليلِ حمدانَ نقولُ:
نم إذ نام النخيلُ
عندما تُشرق في قريةِ "حمدان" النجومُ
تُطفأُ الأكواخُ والمسجدُ والبيتُ القديمُ
انه النومُ الطويلُ
تحت همسِ السَعَفِ الشاحبِ: الموتُ الطويلُ
إنها حمدانُ سلٌّ ونخيلُ
والسَّلُّ مفرد سِلال؛ وهو وعاءٌ يُصْنَع من الخوص او القصب يحمل فيه التمر عند اهل الريف..
لو لم تنفلتِ المفردة من قيدِ الواقعية وتنطلق خارج مدارات الحقيقة، لو لم تتوسع المعاني بالكناية وبحور المجاز، لما استطاعت اللغة ان تكون أُماً رؤوماً للشعر والبلاغة.
المجاز، يا لها من مفردة عجيبة فيها من السعة ما لا نستطيع لمَّه وحصرَه، وفيها من الروح الشاعرة ما يغرف منه الشعر منذ نشأته الى آخر قصيدة دون ان ينقص منها شيء، واني لاسأل نفسي: لو رُفع المجاز من الشعر هل سيبقى من الشعر شيء؟ ... نعم، ربما سيبقى ما يتخلف من جاف الحطب ويابس الخشب.
كنت معه مرةً، في شقته التي مات فيها بقرية هارڤيلد التي أحبها وتآلف معها وأعطاها كثيراً من إحساسه وشعره وأعطته كثيراً من روحها ومفرداتها، كان حينها يُسمعني دورَ غناءٍ لمطرب مغربي يقرأ المواويل بطريقة قريبة من المقام العراقي، او القدود الحلبية، فسألته عن المجاز فأجابني بصوت فيه نزق: المجازُ لفظٌ، ولكنَّ الحياةَ اصبحت كلها مجازاً.. قالها ونفضَ يده بقوة شأن من ابتلت كفه، وكانت شفتاه ترتجفان كسعَفة بصرية في نوء تشرين.
احسست ساعتها انه يعيش حالة حنين واشتياق لحمدان والبصرة وبغداد ودمشق وكل المدن التي عاش فيها وتركها.
بئس العمر حين يتقسّم على المنافي والبلدان وبئست الحياة حين تتحول الى مجاز ...
وكذا الرمز، فلو لم يبرز "الرمز" في الشعر العربي الحديث لفقَد أحد اهم أركانه ولبقي ناقص الروح قلق المهجة اعرجَ المسير، ولو لم يكن مكتشفوه ورواده وبُناتُه الاولون أهلَ معرفة باللغة ودراية بفنون الأدب، لوُلِد هذا الفن كسيحاً معاقاً مشوه الملامح، كحالِه اليوم.
الشعر اشتغال دائم، ومحاولات متكررة، وصناعة لا تتوقف، سيما الحديث، وليس كما يحسبه كثير ممن يقرؤه -بل وحتى ممن يكتبُه- انه خبط عشوائيٌ ومحض تراكيب للمفردات وسباحةٌ حرة في فضاءات من تيه وخيالات من ضياع ينتج عنها قصيدة ومعنىً ورمز.
لاجل ذلك لم نجد بعد الجيل الأول من يبتكر الرمز، وأظن ان الشعر الحديث خسِرَ، او سيخسرُ ركناً مهماً من أركانه بخسران ابتكار الرمز عند شعراء الحداثة من الجيل الثالث بعد جيل الرواد....
كانت اللغة همَّ سعدي يوسف الأول، وشغلَه الشاغل، وكان مؤمناً بأن اللغة مادةٌ الشعر، ولا شعر بغير لغة عالية، وكان يعيب على الشعراء الجنوح الى غير العربية الفصيحة في الشعر بل هو أشد المحاربين للشعراء الشعبيين، ولعله يعذر الشاعر الذي ينظم ما يتناغم ولغة الشارع بشرط ان تكون اللغة فصيحة، لأجل ذلك قال عن نزار قباني: لقد أوصلَ نزارٌ، القصيدةَ العربية، ببهاء فصاحتِها، إلى الناس (فتَياتٍ وفتياناً) وهكذا تألّقتْ نصوصُه أغانيَ، لقد أوصلَ القصيدةَ الفصيحةَ بامتيازٍ إلى الأغنية، إلى ما تحفظُه البنتُ والفتى. ثم يضيف فيصفه انه لم يكن "شاعرَ عاميّةٍ" لم يدمِّرْ ذائقة الناس كما فعلَ الشعراء الشعبيّون.
لينتهي -في مقال له طويل- بقوله: لقد تعِبْتُ على الفصيحةِ عشراتِ السنين لأروِّضَها.
ولعل هذا ما عناه وأشار له درويش بقوله: هو احد الشعراء الكبار الذين قادهم الشعر الى التمرد على تعالي اللغة الشعرية والى تأسيس بلاغة جديدة.
هذه حقيقة لمسناها في شعر سعدي يوسف، ورأيناها في نثره ايضاً، لابد من قراءة نثر سعدي يوسف، لن تكمل الصورة عند قارئ سعدي مالم يقرأ نثرَه وبيانه ويقف على بنائه للعبارة الأدبية، ولن تكتمل متعة المتلقي ما لم يشعر ويحس باسلوب سعدي يوسف وهو يختزل الزمن في عباراته ويتنقل في المكان دون ان يُشعِر القارئ بالفجوة والانتقالة بين زمنين او مكانين مهما تباعدا، فهو ناثر جزل قدر شاعريته وربما أجزل.
لم يكتب سعدي عن القيلولة في لندن، فهو ان قال في البصرة:
أنا أقدرُ أن أفتحَ جَفنَيَّ دقائقَ
لكني لا أقدرُ أن أستافَ
في بستانِ البيتِ، قديماً وبعيداً، في البصرةِ،
كانت أزهارُ الخشخاشِ
وعندَ مُـسَنّاةِ الماءِ تفوحُ روائحُ من سَـمكٍ وطحالبَ.
كنا أحياناً ننهلُ من ماءِ الطَّلْعِ
أتعرفُ كيف تكونُ القيلولةُ تحتَ غصونِ التينِ؟
وكيف تكونُ بَواري المَدْبسةِ؟
الليلُ سيهبطُ مثلَ ضبابٍ أزرقَ في "حمدانَ".
سيمتدُّ اللبلابُ المُزْهِرُ في الدمِ، سوف يكونُ شميماً
فلن يستطيع القارئ ان يجد قيلولةً لسعدي في شعره بلندن، لقد قال لي مرة انه يأوي الى الفراش عند العاشرة في لندن فهل هو نفسه سعدي الذي قال:
إننا في ليلِ حمدانَ نقولُ:
نم إذ نام النخيلُ
سعدي يوسف شاعر يتأثر بالمحيط وتتغير مفرداته بتغير البيئة التي يعيش فيها، وتتحول اجواءُ القصيدة بتحوله من مدينة لاخرى ومن مجتمع لآخر فتنعظ المسناةُ والطحالب والمدبسة والحلفاء في حمدان والبصرة، وتبين الارصفةُ ومماشي الحديقة والغابة وشجرة السرو في باريس ولندن، سيتلمّس ذلك من يقرأ اعماله الشعرية ويقف في مسيرة قراءته على مفردات سعدي بين البصرة وبغداد، ثم الجزائر ودمشق وبيروت حتى ينتقل الى الضفة الأخرى من الابيض المتوسط الى باريس ولندن.
الشعر لدى سعدي يوسف مثل الشارع الذي نزل فيه بالعاصمة الصينية "بيجين" فوصفه قائلاً: يهدأ ولا ينام، الشعر عنده يهدأ ولا ينام.
الشعر لدى سعدي يوسف مثل بيروت في قول محمود درويش:
كأننا اجدادُنا
نأتي إلى بيروت، كي نأتي الى بيروت...
كذلك سعدي يوسف؛ يكتب الشعر كي يكتب الشعر
رحل سعدي يوسف في لندن بعد ان تداولته المنافي وشطت به الأسفار والامكنة، مات بقرية صغيرة اسمها هارڤيلد، على سرير طبيٍ تحته جهاز يبث الاوكسجين إلى رئتيه المتعبتين.
رحل سعدي يوسف في شقة صغيرة ملآنة بالكتب وعلى حيطانها الكثير من اللوحات والشهادات، وفي الزاوية القريبة من الشباك المطل على الشارع نخلة؛ كان يشعر بجانبها بالأمان حين يغني:
ويْلِي على الشطآنْ
ويلي على أهلِ الحِـمى والشانْ
ويلي على أهلي
ويلي على جسر المسيّـبِ
والزبيرِ، وقريتي حمدان
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي