loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

كيلو شعر الغرابة والاستحالة

breakLine

 

 

أحمد الماجد || شاعر سعودي


لم يكن الممكن محورا شعريا يستجلب الانتباه على مر الإنتاج الشعري العربي أو العالمي بقدر ما انفعل الإدراك مع غير المدرك والممكن مع الممتنع ليتفاعل مزيج كيمياء الدهشة مستحضرا القصيدة بأرفع معطياتها. فاستُثمرت المتخيلات الخارقة في الأدب كاستعارات معنوية تنوب أحيانا عن ذكر النفي القطعي وعن المستحيل المنطقي وعن الجزم الحاسم. وجاءت أيضا كأيقونة يستدعيها الشعراء في استعاراتهم وتشخيصاتهم الخارقة كأداة للتعجب أو الاستحالة أو الهذيان إحالةً لما لا يدرك. في وقت مواز يحاول المجهر الحفر تحت شجرة المخيال الشعري وفحص مديات جذوره ومصادرها الثقافية المحتملة باتجاهات عشوائية متصلة وغير متصلة ببعضها.

الفرزدق:
كَأنّ المَطايا، إذْ عَدَلْنا صُدُورَها
بَعْثْنَا بِأيْدِيها الحَمَامَ المُطَيَّرَا

طَيّارَةٌ كَانَ للحَجّاجِ مَرْكَبُهَا
تَرَى لهَا مِنْ أداةِ المَوّجِ أعْوَانَا

ابن الخياط:
إلى عضُدِ المُلكِ امتطيتُ غرائِبًا
محرَّمَةٌ إلا علَيَّ ظُهُورُها

المتنبي:
وضاقت الأرضُ حتى كان هاربهم
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
فبعدَه وإلى ذا اليوم لو ركضتْ
بالخيلِ في لهوات الطفل ما سعلا

وكأنها نُتِجت قيامًا تحتهم
وكأنهم وُلدوا على صهواتِها

فكأن أرجلها بتربة منبجٍ
يطرَحْنَ أيديها بحصنِ الرانِ

ظل الإنسان يبحث في ذاته وما حوله عن البطل الخارق الذي لا يقهر أو الكائن الأسطوري الذي يبرر خوفه من المجهول وتوجسه من الغيب وهواجسه حول العالم الخفي والأصوات الغريبة والظلام وهوسه واحتفاءه بالحكاية واستساغته للتقديس والإذعان والتمجيد. فراح يستثمر الخرافة لدفع العدو ولتوبيخ الطفل وتخويفه أو لتعويض الإخفاق والنقص الجماعي أو للتسلية والتشويق أو للتحرش بالماوراء. سينما قديمة تتقلب بين الرسم والكتابة والإنشاد والقص.

لم تكن الأسطورة الخارقة مختصة بزمان أو مكان دون آخر بل تفرقت هوياتها بين الأمم والحضارات المختلفة. تفنن نساجوها بتأليفها من خيوط مشتركة أحيانا بين الحقيقة والخيال وبين الأديان والموروثات الشعبية والجمال والقبح. خلطة متعددة الروافد والأطر يوقدها شغف العقل وولع القلب بالتسلية والإبداع والخلق الفكري والخيالي والتوظيف الفني الجاد والفكاهي كمحاكاة لغرائب الطبيعة وإعجاب الإنسان وإكباره وتلمسه للمحسوس وغير المحسوس. وعلى غير ما يشتهيه الواقع ظل الشعر جامحا يختلق المجازات الخارقة ويقهر المباشرة فكانت خيول الخطوب والوقت والشعر مخلوقات شعرية مندفعة على الصحاف والألسن:

المتنبي:
ولما قلتِ الإبلُ امتطينا
إلى ابن أبي سليمانَ الخطوبا

أبو العلاء المعري:
مَطِيّتيَ الوَقتُ، الذي ما امتَطَيتُهُ
بوِدّي، ولكنّ المُهَيمِنَ أمطاني

البحتري:
وَحَسْبُ أخي النُّعمى جَزَاءً إذا امتطى
سَوَائِرَ مِنْ شِعْرٍ على الدّهرِ خالِدِ

أما الحصان الطائر فظل كائنا محتفى به تراثيا سواء في الحكايات الشعبية أو في التراث الديني كدابة متخيلة للمعراج المعنوي للنبي ص اسمها البراق. وبينما ينحدر الحصان الطائر من التراث الإغريقي تحت مسمى "بيغاسوس" أو من التراث البابلي والآشوري بحصان مجنح له وجه إنسان أو من أخبار مملكة سليمان النبي، قام الشعراء بامتطائه وتوسيع مضامير أخباره بمقتضى احتياج الفكرة بموازاة توصيف المعقول بغير المعقول وافتراع الأغصان ونفض غبار المتخيل عن جذوره الحضارية التاريخية في نفس الشاعر ووعيه.

ابن الزعاق البلنسي:
بأقبَّ ما طارتْ قوائمُهُ به
إلا اشتهى طيرانَهنَّ التّدرجُ

الشريف الرضي:
ولمّا استطار البغيُ فيهمْ أطرتَ في
طِلابِهمُ من ذي الجيادِ السَّنابكا

القرآن، الحديث، الأساطير، الأسفار، العلوم، الفنون، مصادر تشكل وعي الشاعر العربي ولا وعيه، تنهال من منخاله الخيالي وتنعجن خميرة ثقافية وتنضج خبرةً وتنتفخ دلالات. وبقدر ما تعتمل تلك الخيوط بذلك النسيج تختلف المقاسات حسب المتلقي وتتطلب وعيا ولا وعيا موازيا لنقض غزلها وتفكيك عقدها المتشابكة. يقول خليف يوسف في كتابه تاريخ الشعر في العصر العباسي في معرض حديثه عن أبي تمام: "ونظرا لاتصاله بثقافات عصره المتنوعة، قرآن وحديث وفقه، أو فارسية أو يونانية أو هندية، أصبح شعره مستغلقا صعبا في بعض جوانبه على أصحاب الثقافة البسيطة، واحتاج إلى جهد كبير لفهمه". وأضاف: "والحقيقة أن الغموض والتعقيد في شعر أبي تمام لا يرجعان إلى غموض الفكرة أو التواء العبارة، وإنما إلى الجمع بين العقل والعاطفة والثقافة والفن، مما لم يألفه نقاد الشعر العربي".

وكان من بين أوفر روافد المخيال الأدبي الواسعة ما ورد في الأخبار الدينية وأحوال الصالحين في الدنيا والآخرة ومنه ما جاء في كتاب العقوبات لابن أبي الدنيا: "كانَ دَاوُدُ فِي مِحْرَابِهِ يَوْمَ عِبَادَتِهِ، فَجَاءَ طَائِرٌ رَأْسُهُ وَجَنَاحَاهُ مِنْ ذَهَبٍ". ومما جاء في تحفة الأحوذي: "إِنْ أَدْخَلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَمَا تَشَاءُ أَنْ تَرْكَبَ فَرَسًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ لَهَا جَنَاحَانِ تَطِيرُ بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ". ومما ورد في الموسوعة الحديثية: "إنَّ الجنةَ عُرضتْ عليَّ، فلمْ أرَ مثلَ ما فيها، وإنها مرتْ بي خَصلةٌ من عِنبٍ، فأعْجَبتني، فأهْويتُ إليها لآخذَها، فسبقَتني، ولو أخذْتُها لغرَستُها بينَ ظهرانَيْكُم". ومما ورد في بستان الواعظين لابن القيم: "قال ابن عباس: وذلك أن ولي الله في الجنة على سرير، والسرير ارتفاعه خمسمائة عام، وهو قول الله عزوجل (وفرش مرفوعة)، قال: والسرير من ياقوت أحمر وله جناحان من زمرد أخضر، وعلى السرير سبعون فراشا حشوها نور، وظواهرها السندس، وبطائنها من استبرق، ولو دلي أعلاها فراشا ما وصل إلى آخرها مقدار أربعين عاما، وعلى السرير أريكة وهي الحجلة، وهي من لؤلؤة عليها سبعون سترا من نور..". ومما رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفرا يطير مع الملائكة".

لحق بتلك الروافد ما حدث من توظيفات لحقت بكائن البراق والبساط الطائر والحصان المجنح واستعارات كثيرة لدواب طائرة متخيلة كامتطاء الريح والليل والهواجس والمنى والإبلاغ والعزم، واستعارة سروج الخيول أوطانا كما فعل أبو تمام وتبعه بذلك المتنبي؛ هامش: اتكأ المتنبي على صورة أبي تمام.

أبو تمام:
خليفةُ الخضْرِ لم يرْبَعْ على وطنٍ
في بلدةٍ فظهورُ العيسِ أوطاني

ابن الرومي:
جعلَ اللهَ مهربا
وامتطى الليلَ مَرْكبا

إذا امتطى الريحَ سار منشمِرًا
سيانِ مَدحيكمُ وسَياره

أجاوزُ بيتاً بعد بيتٍ وأمتطي
هواجسَ فكرٍ بعدهُنَّ هواجس

ابن حمديس: 
ثَناؤُكَ في الآفاقِ أَركَبَني المُنَى
وَغَرّبَني عَنْ مَوْطِني المُتَباعِدِ

وجدتُ جناحَ عصفورٍ جناحي
فأصبح للعُقابِ به احتقارُ

أبو فراس الحمداني:
فكانَ ثباتهُ للقلبِ قلباً
وَهَيْبَتُهُ جَنَاحاً للجَنَاحِ

حسان بن ثابت:
فطاروا شلالاً وقد أفزعوا
وطرنا إليهمْ كأسدِ الأجمْ

أبو الشمقمق:
وبغلةٌ شهباءُ طيارةٌ
تطوي ليَ البلدانَ في السيرِ

ابن مقبل:
يكادُ برِجْلَيْهِ يَطيرُ ، وبَطنُهُ
بَطِيِّ رِداءِ الراكبِ المُتَلَبِّبِ

إذا استُثني تأثير الحضارات البعيدة رغم أرجحيته على المخيال الشعري العربي فلا يمكن أن يفلت من تأثير الحضارات المتراكمة التي أحاطت وتوسطت المنطقة العربية وانغرست فيتاميناتها في الجسد الثقافي الموروث بكل خرافاته وأساطيره وانفعالاته وميازيبه التخيلية من فينيقية وآشورية وسومرية، وبابلية وفرعونية وأمازيغية وغيرها، وصولا إلى تشابك الإرث الإنساني مع بعضه وصعوبة فصله قديما وحديثا.

استغل الغرب عبر أدبه وعبر أفلامه السينيمائية لاحقا ملحمة جلجامش التي تنتمي للحضارة العراقية القديمة وطوروا عليها وجدولوا منها الكثير من الملاحم والقصص والحكايات، ولم يتأخر الشعراء عن توظيفها بما يخدم أو لا يخدم خط سير القصيدة. الأمر الذي يضعف الادعاءات السائدة بأن هوية التوظيف الأسطوري الخارق في الشعر هجينة على الشعر العربي على منطق "هذه بضاعتنا ردت إلينا".

أبو تمام:
مستجمعٌ لا يحلُّ الريثُ عقدتَهَ
فيهِ ولا يَمْتَطِي إبلاغَه العَجَلُ

ابن الرومي:
ولما أنختُ العزمَ ثم امتطيْتُه
إلى الماجدِ القمقامِ رأسِ القماقمِ

ابن المعتز:
لا يمتطي حفظاً ولا يمسي لهُ
طَرْفٌ بمِروَد رَقدَةٍ مَكحُولا

ابن النبيه:
شام حساما وامتطى أشقرا
فأي برقيه به أسرعُ

ابن دريد:
وسيانِ منْ لمْ يمتطِ اللبُّ شعرهُ
فيملكُ عطفيهِ وآخرُ مفحمُ

الشعر العربي الوريث الشرعي لقصص ألف ليلة وليلة وكتاب العظمة والقصص القرآني لبحر مذعنا للعصا ينشق إلى طودين، لعصا تتحول أفعى حقيقية، ولمملكة سليمان النبي الذي يعي حديث النمل ويتحكم بالريح ويجند الجن والطيور ويحرك الموجودات بأسرع من طرف العين ويعاند الزمان والمكان ويخرق قوانين الطبيعة واقعيا. وريث نبي يتخذ الحوتَ محرابا فيسرب القرآن دعاءه في أذن الخلد. وريث رؤيا يوسف وتأويلها ورؤيا العزيز وتأويلها المقابل الذان توازيا وتقاطعا مع روح الشعر وانتساج القرآن وأثره الضارب في أردية اللغة ومعاطف الأدب العربي كانفجار بياني ورؤيوي داخل المخيال. لم تخل أصول الشعر العربي من توظيف الخوارق والمبالغات الأسطورية. فهذا حصان امرئ القيس مثلا لا يقل غرابة وخرافة عن الحصان الطائر، حصانا مدبرا ومقبلا معا كانهيار صخري إلى أن تكتمل قطعُ صورة الفرس باستعارات متتالية لو استعملت واقعيا لأنتجت مخلوقا مشوها:

امرؤ القيس:
مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معا
كجلمود صخر حطه السيل من علِ

له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ
وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفلِ

على أن أسطرة المخلوقات واستعارة الأوصاف الخارقة لم تقف على الخيول فقط بل تفنن العرب في أسطرة الناقة والاحتفاء بها بأوصاف خارقة للواقع ومسترعية للتأويل حيث يقول الأعشى عن مخلوق يدر الحليب من كفيه:

مُتحلِّبَ الکفَينِ مِثلَ البدرِ قَوَّالٌ وفاعلُ

ويقول سحيم عبد بني الحساس عن الثور الوحشي الأسطوري الخارق:

ينحی تراباً عن مبيت ومکنس
رکاساً کبيت الصَّيدَ نائي دانيا

وهكذا يفلت لجام المخيال العربي القديم ليكون لبنةً سالفة جامحة لا تقبل النكوص والتقهقر إلى ثلاجة اللغة ومجمدة المدياتِ، مفلتةً خلاقةً تزيي الكلام المتأوه والمتعجب بالأساطير والخرافات الإيجابية باتجاه الاندهاش الإحساسي الذي يستبطنه الشاعر تجاه المفاعلات التي يراها، فتتدافع الكائنات المختلقة من اصطبل الكلام إلى مراعي المجاز الممتدة:

الأبيوردي:
وطارَ على إثرهِ فامتطى
سَراةَ نَهارٍ صَقيلٍ ضُحاهْ

جذبتَ بضبعي فامتطى الشُّهبَ أخمصي
فَلَمْ أَنْتَعِلْ إلا جُدَيّاً وَفَرْقَدا

لا تتعبنَّ فدونَ ما أمَّلتهُ
خرطُ القتادةِ وامتطاءُ الكوكبِ

السري الرفاء:
حنَّ إلى أرضِ العِراقِ فامتطَى
مطيّةً تسبَحُ في اللُّجِّ اللَّجِبْ

الشريف الرضي:
كأنّهمْ بعد ما استمطوا جنائزهمْ
لم يَمْتطوا صَهَواتِ الخيلِ والإبلِ

إذا ركبوا جنحًا أشابوا عذاره
وإنْ يمتطوا صبحًا أعادوا الضّحى وهنا

عِندَ أقنى مِنَ البُزَاةِ عَتِيقٍ
تَرَكَ الطّيرَ وَاقِعَاتٍ وَطَارَا

مِنَ القَوْمِ طارُوا في الفَلا كُلَّ طَيْرَةٍ
ومدوا الى الأحساب بوعًا وأذرعا

وطارَ بقلبي طائرُ البَيْنِ عن يدي
على أنَّني ما جُرتُ يومَ النَّوى قَصْدا

محيي الدين ابن العربي:
حتى انتهيتُ إلى ماشاءه وقضى
تركتهُ وامتطينا رفرفَ الدررِ

يغار على الأسرار أن تلحق الثرى
ولا تمتطيها الزهرُ وهي نجومُ

تفنن الشعراء في السباحة بعيدا بمخيالهم وفتح احتمالاته على المستحيل وما بعده فلم يكتفوا بالبناء على ما لا يحدث إصرارا على سلخ طائر الواقع وخلق أشياء مزدوجة الحقيقة والخيال. مصراع مجاز لا يحكمه المنطق بل تنسجه اعتمالات العلامات والروابط بين المحسوس ونقيضه، فالمعادلة الصحيحة شعرا أن لا يتساوى الطرفان وأن يقهر ويقمع الرياضيات والمنطق على مذبح الواقع.

مهيار الديلمي:
ما استوطن البيدَ لولا أنه رشأٌ
وما امتطى الليلَ لولا أنه قمرُ

وقد امتطى سابورُ غاربَها
متمسِّكاً بمغارزِ الرَّحلِ

و لا كذبا طارت به الريح طيرةً
فأقعصه أن طأطأتْ عاصفاتُها

طاروا بمجدهمُ وقصـ
ـرٌ بالنجومِ مطارُها

ابن معتوق:
ما لاحَ فوقَ سريرٍ مثلهُ قمرٌ
وَلاَ تَمَطَّى جَواداً قَبْلَهُ جَبَلُ

ابن هانئ الأندلسي
وبَعُدْتُ شَأوَ مطالبٍ وركائبٍ
حتى امتطيتُ إلى الغمامِ الريحا

الحكم ابن أبي الصلت:
ما خلت ريحا قبله امتطيت ولا
أبصرتُ برقًا قبله مركوبا

أحمد شوقي:
وَإِنّي لَطَيرُ النيلِ لا طَيرَ غَيرُهُ
وَما النيلُ إِلّا مِن رِياضِكَ يُحسَبُ

المتنبي:
طارَ الوُشاةُ على صَفاءِ وِدادِهِمْ
وكذا الذّبابُ على الطّعامِ يَطيرُ

المعري:
يبغي التشبّثَ، بالأوقاتِ، جائزُها
هيهاتَ ما الوقتُ إلاّ طائرٌ طارا

ابن المعتز:
إذا ما رأوهُ طارَ جمعهمُ معًا
كما طَيّرَ النّفخُ التّرابَ عن الجَمرِ

ابن الرومي
طارَ الحِمامُ وغاص مُقتدرًا
فأماتَ حيَّ الطير والسمكِ

السري الرفاء
مُسَلِّمٌ وسِباعُ الطَّيرِ حائمةٌ
يخطَفْنَ ما طارَ في الآفاقِ أو سَرَبا

الفرزدق:

سارُوا على الرّيحِ أوْ طارُوا بأجنِحَةٍ
سارُوا ثَلاثاً إلى البَحّارِ من هَجَرَا

يكاد يمسكه -عرفانَ راحته-
ركنُ الحطيمِ إذا ما جاء يستلمُ

رجلٌ يطير على إثره ضحاه، والضحى راكب يمتطي النهار، قدمان تنتعلان الجدي والفرقد، كوكبٌ يُمتطى. السمكة مطية أو الخيل سابحا. الجنائز خيول تمتطى. أناس يركبون جنح الليل فتشيب عذاره ويمتطون الصبح فيعودون والضحى متعب. فرسان يمتطون خيولا من رفرف الدرر. الأضواء فرسان تمتطي خيول النجوم. قمرٌ يمتطي الليلَ خيلا. الشمس الغاربة راحلة تمتطى. جبلٌ يمتطي جوادا. ابن هانئ يطير ويمتطي الريح. الريح فرسٌ والبرقُ حصان. شاعر يعتبر نفسه طيرًا. الوشاة يطيرون. الوقت طائر. الجيش يطير كالتراب أو الرماد عن الجمر. الموتُ طائرا. سباعٌ طائرة تحوم. الموتُ طائرٌ يقف على يد الشاعر ثم يطير. رجلٌ يطير والنجوم له مطار. الوكر نفسه أصبح طائرا. يسيرون على الريح ويطيرون بأجنحة. جدارٌ يمسك بيد رجل.

النابغة الشيباني:
ولقد سمعتُ بطائراتٍ في الدجى
شُرُدُ النهارِ وما لهُنَّ جَناحُ

جرير:
سأشكرُ أنْ رددتَ عليَّ ريشي
وَأثْبَتَّ القَوادِمَ في جَنَاحي

ابن نباتة المصري
وسكنتَ قلبًا طار فيك مسرةً
أرأيتَ وكرًا قطُّ أصبحَ طائرا

قد طيروني وإن أخرت مطلبهم
طاروا إليكَ ذرافاتٍ ووحدانا

ابن الفارض:
نصفهُ طائرٌ وإنْ صحَّفوا ما
غادروا منْ حروفهِ فهوَ طائرْ

عنترة بن شداد:
حتى أَطيرَ مُسائلاً عنْ عبْلةٍ
إنْ كان يُمكنُ مثليَ الطَّيرانُ

‏تتباين جذور ومصادر ثقافة المخيال العربي ولا تكاد تصفو عن تشابكها الثقافي الطبيعي كحاجة ذاتية لاستحضار وإنتاج الكائن الخارق أو الوصف الخارق وتوظيفها في الشاعرية الإعجازية. فقد تماشت الأساطير مع الشعر العربي منذ الجاهلية وقد عرفها الجاهليون في فكرهم ووعيهم حتى نقل عنهم القرآن الكريم: (وقالوا أساطِيرُ الأوّلين اکتتبها فهي تُملى عليه بکرةً وأصيلا). يقول الدكتور علي البطل حول الحصان الجاهلي: "إنَّ الحصان کان يلعبُ دور حيوان الشمس المقدس، لذلك فهو ينوب عن إله الشمس".

استعار الشعراء الفكرة المستحيلة لتنوب عن التعجب والنفي كقول مبطن عن استحالة الشيء كما استخدمه القرآن الكريم في قوله تعالى (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط).

المتنبي:
بعيني رأيتُ الذئبَ يحلبُ نملةً
ويشرب منها رائبًا وحليبا

تلك الاستعارات المبررة لحصول المستحيل أو عدم حصوله وما يعقب كلمة "كأن" من مشبه به يتفاوت ويفوق المشبه في الصفات الحقيقية. عملية تشبيه الواقع بالخيال تقوم في جوهرها على الأسطرة والخرافة والخرق للطبيعة. أمر يدعي سدنة القديم بموازاته خلو المشهد الشعري السالف منه ورجحان المنطق والعقل على الأسطورة والخرافة والتخييل الغريب. ادعاء لا يصمد أمام شواهد شعرية صارخة على جذور المخيال الشعري والأدبي العربي ورسوخ هذه المواد فيه. تصنيفات ذوقية تجمرك الشعر وتفرز الحمق التخييلي عن الصواب التخييلي باجتزاء يحرر المقيد من سياقه النصي.

المتنبي:
أنا صخرةُ الوادي إذا ما زوحمتْ
وإذا نطقتُ فإنني الجوزاءُ

ودعْ كل صوتٍ غير صوتي فإنني
أنا الطائرُ المحكيُّ والآخرُ الصدى

وعلى مقربة من الشعر لم ينقطع المخيال العربي في الأمثال والخطب عن استعمال الصياغات غير المعقولة للدلالة على التعجب والمبالغة والاستحالة. فالعرب يقولون: حتى يبيض الديك، إذا حجت البقرة على قرونها، عنزة ولو طارت، لو تصل إلى سابع سماء، لو انطبقت السماء على الأرض، لو تضع العالم في بيضة، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، يده بحر، أغرقني بكرمه. صياغات خيالية متهكمة على الحقيقة والواقع للدلالة على استحالة الأمر أو الإفراط منه.

من الصعب وضع حد كنائي حاسم بين الشاعر والقارئ لأن هذا الحد يقع في منطقة تمييع ذوقي لا يمكن تجميده وفق ثلاجة أبعاد نهائية. فهذا أبو تمام يقول في خيل المأمون:

الشرق غربٌ حين تلحظ قصده
ومخالف اليمن القصي شآمُ

بينما يقول المتنبي فيما يبدو كخرافة مستفزة للتأويل، فما هذا الكائن المتواجد في مكانين يبعدان مئات الفراسخ عن بعضهما:

صدق المخبّر عنك دونك وصفه
من بالعراق يراك في طرسوسَ

ينقل عارف حمزة عن الناقد السوري كمال أبو ديب أن نصوصا عربية "مثل كتاب العظمة، ومنامات الوهراني، وألف ليلة وليلة، والحكايات العجيبة والنوادر الغريبة، والسير البديعة من مثل سيرة الهلاليين وسيف بن ذي يزن، بين كنوز الكتابة الفاتنة في العالم، بمثابة درر يندر نظيرها في فضاء الإبداع التخيلي الجموح". من جذور الخيال الخارق والأدب التخيلي في التراث العربي ما ساقه الهمداني في مقاماته من نصوص خيالية فانتازية عجيبة خاضها بطله المتسول أبو الفتح الإسكندري.

وغير بعيد عن هذا الخيال الجامح أدب التكاذبات التي كانت تجرى في أماسي الأنس والتسلية بين الناس حيث يجلس بعض المتحدثين ويقصون من وحي خيالاتهم قصصا ملفقة فاغرة الخيال على أنها حدثت بالفعل فمما ورد في الكامل في اللغة والأدب المبرد: "تكاذب أعرابيان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة، فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابت؛ فقال الآخر: لقد رميت ظبياً مرة بسهم فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي، فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه."

لا ينبغي الخلط بين الشعر الذي يقف على أصالة الإبداع وبين الفقه الديني الذي يقف على أصالة النص المنقول وحرمة الابتداع. فلا يجب أن تعلو سلطة التراث على سلطة الخلق ولا إرضاخ الشعر الحاضر لتأشيرة معنوية من الماضي ولا لأوراق ثبوتية مبتنية على كيفياته الخيالية والتصويرية. فالشعر كائن مزاجي متمرد على السياجات نافر من الثابت منحاز إلى تمييع السقوف والغرق إلى الأعلى.

لا جدوى من ترسيخ حالة الفتور المخيالي ووضع الحد التصوري تحت كابح الممكنات التراثية، على فرض أن يكون الحصان المجنح مقبولا لأنه متجذر تراثيا ومترسخ أسطوريا وقصصيا بينما الفيل الطائر غير مقبول لأنه مستجد ومبتكر ولا يملك حصانة ماضوية. ما يمكن استنتاجه من استعراض الصهيل المخيالي المرتد من التراث أن النجاح في توظيف الفكرة هو مدار قبولها ورفضها لا ماهيتها العقلانية أو الخرافية. وليس للشاعر أن يبقى على حد المصرح به تراثيا فالأصالة للابتكار. وهذه المنطقة من أجلى حدود الفصل بين العقل الديني والعقل الشعري.

لا مصلحة للشعر من إخصاء فحولة المخيال العربي الحاضر وشطب المفاعلات الغرائبية والخوارق من ذهنية الشعراء وترويض انفعالاتهم. كبحا لجماح المجاز وتحديدا لسقفه وتكبيلا للأفكار الشاردة على قدر آلات محدودة الحركة ومحصورة الامتداد وقاحلة الوثب. إخصاء يمحو فارقا منغصا بين الشعر والحساب إلى شعر فيزيائي محسوب بالمليخيال والمجازلتر. إن التمظهر بسدانة التراث وتقزيم قمم الحاضر وتقليم أظافر مجازاته تشويه للتراث وعقر لناقته الطائرة في آفاق الرمل وكثبان السماء. فالوصول إلى مستوى خيالي في التراث يقتضي تواصل الحركة الحاضرة والبناء فوقها والتمدد بمقدار أوسع لا مساو ولا أقل. ختامًا خيال المتنبي الذي لا يختتم:

إنّ المُعِيدَ لَنَا المَنَامُ خَيَالَهُ
كانَتْ إعادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي