مقالات ادبية واجتماعية وفنية
حسان الحديثي| كاتب عراقي
نعم، عندما تكون معرفتُه بمفرداتها وإحساسُه بأثرها أقلَّ سعةً من شاعريته.
أسأل نفسي: ماذا يصنع الأديب إذا أراد أن يكتب معنىً ولم يجدْ مفردةً في قاموسه تسعفُه وتُشبعُ معناه؟
ببساطة سيختار مفردةً أخرى أقل مما يريد مقام الشعر، فيترهل البناء عنده ويضطرب المعنى لدى القارئ فيذهب ذلك بتأثير الشعر، والحقيقة ان لا مسوغ لكتابة الشعر الخالي من التأثير، مع يقيني أن العربية لا تخذل شاعراً ابداً لأنها تحيط بالكلام كله وتحوي المعاني كلها، ولكن الخذلان يأتي من ضيق قاموس الشاعر، من شحة ما يتوفر من رصيده في بنك اللغة.
من خلال رفقتي لسعدي يوسف وجدت أن هاجس اللغة وقلقها قد رافقاه طويلاً، في الحقيقة كان يعيش قلقَين بشان اللغة؛ الأول منها والثاني عليها، وهو أحد أكثر الشعراء المشتغلين على اللغة في شعره أيضاً، وما من قارىء لشعر سعدي يوسف ونثره الا وسينتبه لهذا الأمر لأنه يشير اليه قولاً وفعلاً؛ فهو يذكره في كتاباته النثرية ويشير اليه في حديثه المباشر ويلتزمه في صناعته للشعر.
كما انه يشعر بقلق من فهم القاريء لما يكتب، لذا تجده حريصاً على تشكيل ما يكتب بعناية شديدة، أما اذا قرأ الشعر أمام أحدٍ فإنه يقرؤه بحرص شديد على إشباع المفردة بحركتها، وإتمام الشطر الشعري بتفعيلاته كي لا يترك أي احتمال لاضطراب الفهم لدى المُتلقي.
ومن جميل المصادفات انني كنت قد بدأت قراءة كتاب "ثياب الامبراطور" للراحل فوزي كريم وهو شاعر وناقد عراقي أقام ومات ودُفن في لندن وهذا الكتاب حصلت عليه من اصل 317 كتاباً آلت لي من مكتبة سعدي يوسف بعد رحيله.
ولا أخفيكم كم هو رائع ان تقرأ كتاباً نقدياً يتكلم عن اللغة والشعر لشاعر وأديب ذكي كـ فوزي كريم، كان قد قرأه شاعرٌ وأديبٌ ولغويٌ قبلك كـ سعدي يوسف، لأنك ستجد إشاراتٍ جديرةً بالاهتمام وتستطيع من خلالها تتبع ما أثاره هذا الكتاب في نفسِ سَلَفِك بالقراءة، فتجد نفسك وكأنك تقتصُّ أثرَ دليلٍ خبير وتمشي على اثرٍ كان قد مشاه خبير قبلك في غابة مزدحمة لتهتدي الى مواطن الروعة والجمال فيها دون عناء، هذا أولاً.
ثم تقع على المَواطن التي أثارته من خلال إشاراته التي تركها على الكتاب. وهذا ما حصل معي.
ومن ضمن هذه الاشارات والدلالات التي وجدتها أقواساً وضعها سعدي يوسف على عبارات لفوزي كريم، منها عبارة يقول فيها كريم: "ما من لغة عظيمة تخلو من شعر عظيم" فاستفزتني هذه العبارة واستفزتني إشارة سعدي عليها ليقيني وقناعتي بها، ولعلمي أن سعدي يوسف شاعر مؤمن إيماناً مطلقاً ان العربية لغةٌ عظيمة.
أضفتُ هذه العبارة الى مجموعة رؤى وآراء بشان اللغة لسعدي يوسف كنت قد سمعت بعضها منه ولمست بعضها من خلال قراءتي لشعره ونثره تشير الى مدى اشتغاله وإعمال فكره في اللغة وما طرأ عليها.
لقد حصل تطور هائل في اللغة خلال الألفي سنة سيما بظهور الإسلام وهو الدين الذي أخذ اللغة العربية مصدراً لتعاليمه بنزول القرآن العظيم هذا الكتاب المقدس بلسانها والذي اصبح لاحقاً مصدراً رئيسياً للغة العربية.
ثم بدخول الأعاجم المحيطين بجزيرة العرب من فرس وترك ورومان وغيرهم من الأمم والأجناس والأعراق الى هذا الدين وما أحدثه دخولهم من تلاقح بين اللغة العربية وتلك الثقافات، ثم تأثير كل ذلك على بعض مفاهيمها ومعانيها، ثم ثأثير ذلك على فنون اللغة من شعر ونثر.
قال لي سعدي يوسف مرة: إن الإسلام أحد أسباب تأثر اللغة، وأحد أسباب اتساع المجاز فيها ليس شعراً وحسب، بل ونثراً ايضاً
أقول: انا اؤيده بما ذهب اليه، وتعليل ذلك أن الإسلام سبب في دخول الأعجمية اليها من جراء دخول الأعاجم في الدين وأثر على اللغة حين أدخلوا مفاهيم لم تكن فيها استقوها من ثقافاتهم وجاؤوا بها من بيئتهم، هذا من جانب.
ومن جانب اخر ان علماء الشرح والتفسير- قد احتاجوا الى لغة بسيطة جداً خالية من الأسلوب البلاغي المعتمد عند العرب كي يشرحوا ويقربوا بها الدين لعقول المسلمين حديثي العهد بالعربية من غير العرب.
وما يجب أن نعرفه في هذا الباب أن الأدب العربي بقي رهين الرؤية الواحدة والذائقة الواحدة والحكم الواحد منذ نشوئه حتى زمن الدولة العباسية بعد أن دخلت الاممُ المحيطة بجزيرة العرب الاسلامَ، فجاءت الينا حاملة علومَها ومعارفَها وآدابَها وثقافاتِها. ولولا دخول هؤلاءِ الأقوام الاسلام ودخول الترجمات معهم لما اطلعنا على فكرِ وأدبِ غيرنا من الأمم ولولا تلاقح الأفكار والثقافات لبقي الأدب العربي رهين الصحراء والبداوة وحبيس القسوة والجفاف.
أما كيف اصبح الاسلام احد اسباب اتساع المجاز:
فاقول: كان الشعر العربي يعتني بالمبالغة وحسن التشبيه والوصف وكان المجاز فيه محدوداً لتحقيق ذلك، ولو نظرنا الى قصيدة جاهلية كمعلقة امرىء القيس والتي زادت على السبعين بيتاً نجدها بين وصف وسرد وتشبيه واقعي من بيئة الشاعر ومحيطه ولغة عصره ولا يتجاوز فيها المجاز بضعة ابيات منها قوله:
ولَيلٍ كَمَوجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدولَهُ
عَليّ بأَنْواعِ الهُمُومِ ليَبتَلي
فَقُلْتُ لَهُ لمّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وَأَرْدَفَ أَعْجازاً ونَاءَ بكَلْكَلِ
إلا ان خوف الشعراء من العقاب والوقوع في قبضة الحدود الشرعية أجبرهم على النفور بالشعر بعيداً عن الواقع بزيادة مساحة المجاز في الشعر للكناية عن كل ما هو محرم من وجهة نظر الدين؛ كالتشبيب بالنساء والتغزل بالخمر وهجاء من يريدون هجاءه، ولكي يستمر كل ذلك زادت مساحة المجاز في الشعر العربي كي ينأى الشاعر بنفسه عن التصريح ويظل خارج دائرة المحظور الشرعي.
وقصة الحطيئة وعمر ابن الخطاب شاهد على ذلك حين سجن الاخير الحطيئةَ لتعرضه وهجائه للزبرقان ابن بدر التميمي في سينيته المشهورة ومطلعها:
وَاللَهِ ما مَعشَرٌ لاموا اِمرَأً جُنُباً
في آلِ لَأيِ بنِ شَمّاسٍ بِأَكياسِ
والتي يقول الحطيئة في هجائه للزبرقان:
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها
وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي
وكذا ما حصل من إقامة الحدود على بعضهم كمقتل بشار بن برد بالزندقة ايام الخليفة العباسي الثالث المهدي ابن ابي جعفر المنصور، وغيرها من أخبار الشعراء الذين وقعوا تحت طائلة الحد والتعزير والعقوبة، ولكي ينأوا بأنفسهم ذهبوا بالشعر في دروب المجاز حتى تفرّع وتكاثر وانتشر في الشعر العباسي ثم الأندلسي ، ومن يدري لعل الشعر الحر ما كان له وجود لولا اتساع دائرة المجاز في الشعر العربي.
أضف الى كل ما تقدم أن القرآن الكريم لم ينكر المجاز في اللغة بل واستخدمه في أماكن متفرقة، فحين أراد الله ان يوصي الابن بأبويه ويقول له: أطعهما وكن ذليلاً لهما في طاعتِك، استخدم أعلى وأسمى وأرق لغة للمجاز، فقال: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
لقد كان الشعر عند العرب طائراً "مجازياً" مقدساً؛ البلاغة متنه والمبالغة رأسه والوصف والتشبيه جناحاه والريش طبعه ومزاجه، ومن يتمكنْ من صهوة الشعر ويستلم أعنته يركبْ آلةً شرسةً تَرفعُ وتَخفض، وتُعز وتُذل، وتُعطي وتَمنع.
ومع كل ما تقدم من اثر الشعر في المجتمع الا ان المجاز اخذه من شخصيته وهيأتِه اللتين كان عليهما والبسه لباس العصر فأبدل طبعَه وغير مزاجَه وانشأه فنّاً آخر غير الذي كان عليه، وبعثه سيرة اخرى ليست كالتي كان عليها.
وهذا هو جمال الشعر ان يكتب بلغة واحساس ومزاج عصره
لأجل ذلك اذا نظرنا للشعر الحديث نجد انه تحول عن أغراضه القديمة فلم يَبقَ فيه ذكرٌ للهجاء والمديح الا شيئاً قليلا ولو اطلَّ أحدُ الجاهليين برأسه علينا من وراء البرزخ اليوم وقرأ ما يُكتب ويُنشد من شعر، لكفر به وبنا، ولجحدَ أحفاده الشعراء ولأنكر ابوتَه لهم....
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي