مقالات ادبية واجتماعية وفنية
كلكامش نبيل| كاتب ومترجم عراقي
ذكرت المصادر الآشورية العرب باسمهم في القرن التاسع قبل الميلاد وكانت العلاقة بينهما تتذبذب ما بين الصراعات التي دخل فيها العرب مع الآراميين وملوك إسرائيل وغيرهم، ومع البابليين تارة أخرى، ضد الآشوريين، وما بين تحالفات مع العرب وتعاونٍ أسفر عن دخول مصر في عهد أسرحدون، بل وتوطين الآشوريين للعرب في السامرة، وتعيين عربي مشرفًا على مقر تجاري في غزة.
عن توطين سرجون الثاني لبعض القبائل العربية في السامرة، ووجود قبائل عربية مستقرة في جنوب العراق في عهده، نقرأ في كتاب «سرجون الثاني: ملك بلاد آشور» للمؤرخة الفرنسية جوزيت إيلاي، ما سأترجمه كما يلي:
(بحسب الحوليات الآشورية، واجه سرجون الثاني القبائل العربية في مناسبتين. في عام 715 قبل الميلاد (السنة السابعة من حكمه)، ضرب الملك الآشوري «قبائل تمود والإباديدي والمرسماني والهايابا، وهم عرب يسكنون بعيدًا الصحراء، ولا يعرفون مسؤولًا كبيرًا ولا صغيرًا، ولم يقدموا الجزية لأي ملك». ولا يزال موقع هذه القبائل غير معروف. ثم سبى سرجون الباقين وأسكنهم في السامرة. وفي عام 713 (السنة 9)، هاجم «أراضي أوياداو، وبوستيس، وأجازي، وأمباندا، ودانانو، وهي مقاطعات بعيدة على حدود عريبي «بلاد العرب» الشرقية». ولم يتم تحديد موقعهم أيضًا. من المستحيل تحديد نوع العلاقات بين البدو العرب في الصحراء والمستوطنات العربية في بابل، كونهم في مراحل مختلفة من الحياة المستقرة).
تحالفات وجزية ملكات العرب
كما تذكر المصادر الآشورية ملكاتٍ عربيات حكمن مناطق شمال غرب الجزيرة العربية، وتحالفاتٍ لهن مع ملوك دمشق، تقول جوزيت إيلاي:
(وتذكر نقوش أخرى لسرجون الجزية المُقدّمة من ملوك أو ملكات العرب، بالإضافة إلى الجزية التي قدّمها الفرعون، حيث يقول: «من بيرو ملك مصر، وسامسي ملكة بلاد العرب، وإيتامار من سبأ، وملوك الساحل والصحراء، تلقيتُ الذهب ومنتجات الجبال والأحجار الكريمة والعاج وبذور الأبنوس وجميع أنواع الأعشاب والخيول والجمال جزيةً منهم». فمن هي سامسي، ملكة العرب؟ تشير الهياكل الاجتماعية في مملكتها إلى أن المرأة تمتعت بدرجة عالية من الاستقلال وكان بإمكانها حتى إعتلاء العرش؛ ومن المحتمل أن الملكات كن كاهنات أيضًا. كانت سامسي ضمن التحالف الذي يرأسه راهيانو (رزين) الدمشقي وهزمه تغلاتبلاصر الثالث عام 733 قبل الميلاد في جبل سقوري، في شمال الأردن؛ من بين آخرين، استولى على ثلاثين ألف جمل وعشرين ألف بقرة. ولتنقذ حياتها، هربت إلى "مكانِ عطش مثل الجنية". ويبدو أنه سُمح لها بالاحتفاظ بعرشها تحت السيطرة الآشورية، حيث يقول: «لقد عينت عليها وكيلاً (سياسيًا)». وكان من خلفاء سامسي "إياتي ملكة العرب" التي ساعدت مرودخ بلادان الذي هزمه سنحاريب في حملته الأولى. وهناك تيلهونو، وهي ملكة أخرى خلفتها في حكم العرب، هُزمت في نهاية عهد سنحاريب. كانت سامسي تحمل لقب "الملكة" (شارّات). لقد حكمت مملكة ربما كانت نوعًا من الاتحاد القبلي. وكان اسمها «بلاد العرب" (مات عريبي). ولكن أين موقع ذلك البلد؟ كما تحالفت تيلهونو "ملكة العرب"، في حوالي عام 680 قبل الميلاد، مع حزائيل "ملك قيدار"، الذي لم يكن له أي علاقة بحزائيل، زعيم غامبولو عام 710 قبل الميلاد. وكانت زبيبة، المدرجة ضمن أولئك الذين دفعوا الجزية لتغلاتبلاصر الثالث حوالي عام 738 قبل الميلاد، ربما "ملكة قدري وعريبي" أي بلاد قيدار والعرب. وهذا يعني أنه في ذلك الوقت، كانت مملكتا العريبي (الجزيرة العربية) والقدري (قيدار)، متحدتين وتحكمهما ملكة واحدة؛ وفي وقت لاحق، في عهد سرجون وسنحاريب، تم فصلهما وحكمتهما ملكة وملك على التوالي. إلا أن مملكة قيدار لم تُذكر في نقوش سرجون).
توضّح الحوليات أيضًا غارات للقبائل العربية المرتحلة في وسط وجنوب بلاد النهرين، بل وحتى كلخ (النمرود) شمالاً وجنوب غرب بلاد الشام، وكيف حظر الآشوريون بيع الحديد للعرب، وأتساءل إن كان ذلك بقصد احتكار الاتجار به أو لمنعهم من صناعة الأسلحة. تقول جوزيت إيلاي:
(وتختلف صورة العلاقات الآشورية-العربية في عهد سرجون ما بين النقوش الرسمية والمراسلات. إذ تُظهر النقوش الرسمية إعادة تأكيد القوة الآشورية في جنوب غرب بلاد الشام، على مجموعة من القبائل العربية التي كانت خاضعة بالفعل لتغلاتبلاصر الثالث، فيما تحدثت الرسائل عن تحركات مزعجة للبدو العرب في وسط وجنوب بلاد النهرين وأعطت صورة واضحة عن الصعوبة التي واجهها الملك الآشوري في إبقاء مجموعات البدو تحت السيطرة. ومن أجل منع نهب القرى الزراعية، قرر سرجون إنشاء منطقة محميّة واسعة في جنوب الجزيرة لإبعاد البدو العرب عن مناطق الاستقرار. كانوا يميلون إلى التحرك خارج الحدود ومهاجمة المواقع الواقعة على ضفة نهر الفرات. حتى أنهم وصلوا إلى منطقة نمرود. كان هناك حظر على بيع الحديد للعرب، ربما لربط جميع مصادر الحديد المتاحة مباشرة بالإمبراطورية الآشورية).
ومن جانب آخر، كانت هناك تحالفات تجارية معهم، وما يؤكد وجودهم في غزة وشمال سيناء منذ القرن الثامن قبل الميلاد:
(كانت سياسة الملوك الآشوريين، ولا سيما تغلاتبلاصر الثالث وسرجون، تهدف إلى دمج القبائل العربية قدر الإمكان، أو على الأقل السيطرة عليها وتوجيه تجارة القوافل نحو موانئ البحر المتوسط التي كانت تابعة للإمبراطورية الآشورية. دعمت بعض القبائل التمردات المناهضة للآشوريين واضطر الملك الآشوري لقتالهم من خلال تنظيم حملات على مواقع الواحات ومطاردتهم في الصحراء. حاول سرجون إخضاعهم والحصول الجزية ودعم الممالك العربية والقبائل غير المعادية. على سبيل المثال، عهِد سرجون الثاني بالإشراف على مركز تجاري جديد على حدود نهر مصر (ربما تل الرُقيش، وسط غزة) إلى شيخ لابان العربي؛ وكان هذا زعيمًا لمجموعة من البدو العرب يعيش في مكان غير بعيد عن شمال مصر. وربما كانت هذه القبائل العربية تسكن شمال سيناء. تعكس عدة مصادر الوضع الجيوسياسي في هذه المنطقة وأهمية البدو كعامل لوجستي عسكري. لا تزال القبائل العربية في سيناء غير معروفة جيدًا بسبب غياب النقوش؛ ومع ذلك، توفر العديد من الحفريات بعض المعلومات. كانت سيناء تمتلك موارد معدنية مهمة، خاصة النحاس في الجنوب الغربي، بجوار وادي ناش وفي وادي النصب، والفيروز في سرابيط الخادم؛ وقد تم التنقيب عن هذه المواقع التي استغلها المصريون بشكل مكثف منذ عام 2006).
وعليه، نجد أن جنوب بلاد النهرين، وبابل نفسها، قد سكنتها قبائل كلدية وآرامية وعربية، منذ عهد سرجون الثاني، وأن غزو سرجون الثاني لبابل لم يكن سهلا، ولم يُخضع بالكامل في الحقيقة قوة كبرى منافسة له سوى بابل، نقرأ:
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي