مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علي رضا الحائري / كاتب عراقي
الشعر هو ميدان أصدق المشاعر والقضايا وأشدها تطرفاً، وهو ذلك الغصن الذي من شأنه أن يكون الملجأ الوحيد لطير العواطف والأحاسيس الجياشة وعشهِ الآمن فلا يمكن أن يعبر عن ما يخالج النفس وما يمسك بخناقها وما يصطلي بين الأضلع غير الشعر، وما سواه من لوحات ومسرح وموسيقى هي تعبيرات مشفرة وصامتة وخجولة تقصر عن البوح كما الشعر وصراحته في ذلك، وليستْ أنواع الشعر وفنونه تقف بنفس الصف والأهمية، ولا يحمل عليها بحكم واحد مطرد، بل تتمايز فيما بينها على أساس الإسلوب والقضية فكلما التزم الإسلوب بالأصالة ومثّل المضمون قضية مقدسة يكون أعلى الأساليب وأقدسها في التعبير وهذا النمط الذي يؤكد على قداسة المضمون وطهارته من التملق والبُعد عن المآسي الإنسانية، التي تكتفي بالاستغراق في المشاعر الفارغة و المتخيلة، ويؤكد بأن الشعر الذي يعبر عن الواقع وعن قضاياه الأساسية التي من شأنها أن تغيره للأفضل هو سلاح المظلومين والمضطهدين، أولئك الذين تشكل حياتهم ملامح القضية، تلك القناديل العالية التي إذا ما إنطفأت نارها الظاهرية تكفلتْ حرارة الإنطفاء بأن تشعر فتيلة الملايين من الشموع المناضلة التي سيكتب لها التاريخ بأن تضيء نار قضيتها ارجاء هذا العالم الدامس، وفي إطار التعبير عن حياة تلك القناديل يقف لون من ألوان الشعر و طائفة من طوائف البشر في المقدمة لا لأن المصيبة تخص رموزهم و أثرتْ على ماضيهم و حاضرهم بل لأنها الأصدق و الأعمق تعبيراً عن تلك المصيبة.
يقول الكاتب أحمد أمين في "ضحى الإسلام" في خصائص و مميزات الأدب الشيعي :"الحق أن حركة التشيع أغنت الأدب العربي إلى حد كبير، وكان الأدب الناتج عنها أدبًا غزيرًا قويًا؛ وسبب ذلك أن الموقف الذي وقفه الشيعة من طبيعته أن يلهب العاطفة ويهيجها ويثيرها، والعاطفة أكبر دعامة من دعائم الأدب، فإذا أثيرت وهاجت وكان بجانبها سلطان طلق، وبيان ناصع، فهناك الأدب الحي والقول الساحر. كان للشيعة عاطفتان بارزتان قويتان يرجع إليهما النتاج الأدبي الشيعي عاطفة الغضب، وعاطفة الحزن؛ فأما الغضب فإنهم اعتقدوا أنهم سلبوا حقهم وغصبوه، وأُخذ منهم ظلمًا وعدوانًا، فغضبوا لذلك، ودعتهم ثورة الغضب أن يقولوا وأن يقولوا كثيرًا في هجاء غاصبهم، وفي بيان حقهم، وفي شرح مظلمتهم، وفي وجهة نظرهم، وفي إظهار حججهم، إلى غير ذلك.
وأما عاطفة الحزن فإن الدولتين العباسية والأموية أخذتاهم بالعنف، وعاملتاهم بأقسى مما يعامل الكفرة والملحدون؛ فمن حين إلى حين تحدثان فيهم مجزرة. ولا يكاد يجف منهم دم حتى يسيل دم، وتفننتا في ذلك، فقتلُ وصلب، وإحراق وتذرية، وإماتة بطيئة في السجون بحرمانهم من النور والهواء، والأكل والماء، وكل هذا وأقل منه يستنزف الدمع ويذيب القلب، وكل هذا وأقل منه ينطق الأبكم، فكيف إذا وقعت هذه الأحداث لنفس ثائرة ولسان طلق وبيان جزل. لقد بدأت هذه الأحداث بمجزرة الحسين وآل بيته، فكانت القصائد الباكية، والخطب الرائعة، والأقوال الدامية، صدى للدماء المسفوحة، والجثث المطروحة، وكانت ذكراها تبعث في كل جيل حزنًا، فيبعث الحزن أدبًا وتتابعت الأحداث فتتابع الأدب، فكان لنا من هاتين العاطفتين الغضب والحزن أدب حي غزير، فإن ثارت العاطفة الأولى أخرجت أدبًا قويًا ثائرًا، وإن ثارت الثانية أخرجت أدبا حزينًا باكيًا، فاجتمع في أدبهم القوة والضعف، واللين والعنف."
ولا يختلف في صدق هذا الوصف اللسان المعبر عنه سواء كان عربياً أو فارسياً أو تركياً و غيرها من اللغات التي تتحدث بها القوميات التي تدين بالتشيع بل قد يكون غير العرب _ وخاصة الإيرانيين _ أكثر تعبيراً عن هذه العاطفة وذلك لكون الشعر تعبيراً وإنعكاساً لطبيعة النفس، فمن يلاحظ الأعمال الفنية الإيرانية سواء كانت الغنائية أو الشعرية و غيرها من الفنون التعبيرية يجد بأنها تكشف عن روح رقيقة متمردة لا تقبل بالمألوف و لا تأبه بحدود معينة فيرى تطرفها في التعبير و محاولتها العنيفة بالتصريح على الرغم من رمزية لغتهم، فتجد نتاجاتهم الأدبية تستعر منها نار العشق الروحاني البريء الذي لا ينظر إلا لمحبوب واحد ينظر إليه بخجل عبر ستار المعنى و الروحانية التي تحكم طريقة تفكير هذا الشعب و تميزه عن غيره، هذه الميزة التي يمكن أن تلاحظ من خلال كلامهم وبيوتهم وطريقة اختيار الألوان و طرق التعبير بل و تبدو حتى في وجوههم، هذه الخاصية الضاربة في الأزل و التي أغنتْ الفنون الإسلامية.
ولهذا نجد أن الأعمال التي تنتجها هذه الطبيعة المتميزة و هذه النظرة الخلابة الى الوجود تتميز عما سواها من الأعمال، بل قد تتميز فيما بينها بقدر ما تكون قريبة من فطرتها الروحية، فمع أن الأعمال الشعرية التي طرحتْ في مجال المراثي الدينية كثيرة و متنوعة لكنها تتميز فيما بينها من حيث "نقاوة النظرة الروحية" و " المشهد الروحاني" فبرزتْ على طبق هذا المعيار أعمال فريدة من نوعها مثل " دوازده بند" للمحتشم الكاشاني و مرثيات امير معزي و الخباز الرازي و حزين اللاهيجي و الفياض اللاهيجي و وحشي البافقي و قصائد صامت البروجردي في ديوان " اشعار مصيبت " و كتاب" الروايات و المصائب " و بعض رباعيات بابا طاهر الهمداني وغيرها، و لكن تقف في مقدمة هذه الأعمال ديوان المراثي" آتشكده" لحجة الإسلام الشيخ محمد تقي التبريزي المامقاني رجل الدين و المحدث و الشاعر المتخلص في شعره بـ "نيير" ( ١٢٦٨ .هـ.ق) و الذي كان يجد النظم باللغة العربية و الفارسية و (التركية _ الآذرية.
ومعنى كلمة "آتشكده" هو " معبد النار" و هو تمثيل لحالة القلب المحزون لمصيبة سيد الشهداء، يتكون هذا الديوان من ٤١ فصلاً يحتوي كل فصل على قصيدة تتحدث عن محطة من محطات كربلاء و تصوير فني _روحي مأساوي لحادثة من حوادثها الدامية، تتفاوت القصائد فيما بينها فمنها من تصل حدود المائة بيت و منها ما يقل عن ذلك ولسنا هنا بصدد عرض ترجمة كاملة و إنما الهدف هو انتخاب بعض الصور التي مثلها "نيير" في هذا الديوان، فيعرض في المقدمة الأسباب الإلهية التي تطلب وصول الوجود إلى الكمال بواسطتها و كان منها هو قبول فرد أن يقلى هذا البلاء لا لكونه نوعاً من "الفداء" كما هو في الفكر المسيحي و إنما هو شرط نيل "الشفاعة"، فمع أن صامت البروجردي قد تعرض لهذا المشهد في الفصل " ٣٤" من كتاب " الروايات و المصائب" و هو بأن الله قد عرض على الناس وهم على هيأة الذر في عالم الذر و خاطبهم (من منكم يقوم فيشتري رقاب الناس من العذاب و يخلصهم بنفسه، فعمَ السكوت على جميع تلك الذرات و لم تتفوه بـ "لا" أو "نعم") فيعرض" نيّر " في البيت (٢٨) من الفصل الأول جواب الإمام لذلك النداء الإلهي و فيه إعلان لقبول الشهادة و الذي يقول فيه :
لم يجب أحدٌ على ذلك النداء إلا قتيل الحق الحبيب إبن الحبيب.
ثم بعد هذا عرض الله على الإمام بأن هذه الشفاعة مشروطة و شروطها بأنه يتعرض لكل ما سيتعرض إليه من أنواع البلاء في أرض كربلاء فكان جواب الإمام حسبما يصوره نيير:
قال مليك سرير الإرتضاء ذلك ،بأن كل ما قلته، فأنا راضٍ به جميعاً، فترك المال و ترك الروح و ترك الاهل،حينما تكون أنت محبوبي فقط فهو سهلٌ، سهل، فأنا من نفسي لا أملك شيئاً منها فهي منك،و كل ما تقوله فأنا طوع أمرك فقال الحق : يا شمع محفلي المضيئة فلتطبْ نفساً فأنا فدية دمك، و عن كل ما لهذا العهد الوثيق من أجر من قِبلنا، هل تريد أن نحدثك عنه، فقال الملك الصادق : أنا يا ذا المنن في طريق الوفاء إليك لا أريد منك سواك.
وبهذا يكون قد تم العهد والميثاق بين الله وبين الإمام في عالم الذر و قد تعرضتْ لذكر طرف من ذلك كتب الحديث عند الفريقين ليس هذا مقام ذكرها، ثم يعرج "نيير" في الفصل الثاني إلى خطبة الإمام بأصحابه في ليلة العاشر من المحرم ننقل أطراف منها حيث يقول:
قال ذلك الملك المعصوم يا أيها الأصحاب أن الموت قد مال إلينا، و هذا الحسين و هذه هي أرض كربلاء، ومن كل الجهات تمطر رصاص البلاء،ورائحة الدماء تأتي من هذا الجبل وهذه الصحراء فارجع ما من تريد العودة،ارجع فلن تكون هدفاً السيوف و السهام،و القدم ليس مقيدة، فهذا الليل وهذه الصحراء الفسيحة التي أمامنا، فارجعوا يا رفاقي واجمعوا عدتكم، فعمل هؤلاء القوم أهل الجفاء معي،و كل من سواي هو في مأمن من هذا النزاع،فقد قطعتُ عهداً مع ملك الوجود بانني وأهلي لكي نمضي من
هنا سعيدة انتِ سعيدة يا أرض كربلاء فهذا أنا و هذه مطر سهام البلاء جئت نحوك بشوق للقاء أخذنا من هنا عطر من الحبيب جئت لأجعل جسمي وروحي قربانا لأجعل الوطن أبعد من الجسم و الروح، جئتُ لتغرق أوصالي بالدماء، فهذا ما يريده المحبوب قمري الوجه، و غداً في هذه الصحراء المهولة ستسمعون صراخ أحفاد الرسول وعندما أكمل الملك كلامه خرج الغرباء و بقي الحبيب، قال الأصحاب : يا حياة قلوبنا، إن آلام عشقك هي علاجنا، و أن خيوط نسيج أرواحنا بين يديك فوجودنا نابع من وجودك فكيف يمكن للظل الانفصال عن الشمس، أنى للصدأ أن ينفصل عن الصوت، وكيف للحي أن يعيش بلا روح، فحياة بدونك ينبغي أن يذرف عليها بدل الدموع بدماً، أنغفوا على الساحل آمنين بينما أنت تغرق في بحر الدماء لا و حق البيت هذا لا يكون فليت لنا مائة الف روح لنجعلها نثاراً أمامك فداء لروحك يا حبيبنا فلا توصد الباب في وجهنا أيها الملك، فالخلوة ينبغي أن تكون من الغرباء لا من الأحباب والأصحاب، أرواحنا حيرى وهي مثل العجوز العاشقة فلا تعرض بوجهك عنا يا يوسف نحن سعداء بزفراتنا الحارقة وأعيننا المخضلة بالدمع كيونس بالبحر، و كإبراهيم الخليل في النار، لقد سرنا خطوات في صحراء البلاء، و دسنا باقدامنا على الدنيا و ما فيها.
وينشد قائلاً في الفصل الثالث واصفاً بلسان الحال محاججة الإمام الحسين لمعسكر ابن سعد :
والملائكة من أجل دفع عين السوء عنه تلتْ على وجهه سورة قل هو الله أحد، عرض الحجج الناصعة على القوم الجاحدين، سليل المرتضى ذاك، و سبط المصطفى فقال قولوا لي الآن من أنا ألست محبوب صاحب القول الفصل وإذا كنتم لا تعلمون أيها القوم الألداء، فأنا ابن قائد معركة احد،جدي ذلك النور الأول، الذي انبجس منه وجود الأنبياء، وأمي بضعة الرسول الطاهرة،فهي في الحسب الزهراء، وفي العصمة البتول،من أنا؟ أنا قرة عين علي صاحب النص الجلي في الخلافة دمي هو ثار الله الأزلي فمن يكون ذلك الذي يُحل دم ثار الله؟، هل ابتدعتُ في الدين بدعة، أم ارتددتُ عن الدين يا أيها القوم الرعاع.
ينظم في الفصل الرابع قصيدة يصور فيها حديث نفس الحر بن يزيد الرياحي و اصراره على التوبة و اظهار الندم إلى أن يقول:
قال هذا وأراد قصد المليك، ووجه وجه التوبة صوت وجه الله،قالت له النفس : تترك الدنيا و المال و قال العقل : الآن فكر في العاقبة، قالتْ النفس : تترك النقد مقابل النسيئة، فقال العقل : هذه النسيئة أفضل من مائة نقد،قالت النفس : تمتع في حياتك، قال العقل : العمر انتهى، فحان وقت الإنتباه، وبين هذه النزاعات بين النفس العقل العجوز أصبحت النفس مغلوب على أمرها و صار العقل هو المرشد المسيطر، هبط العشق على رأسه مع مائة ذريعة وشدة من أمامه و أخذ بركابه،أعلتى ظهر فرس حظه السعيد وقال الآن لأمضي بدون تريث حتى أصلَ بيت الحبيب، فالوقت قد تأخر و الطريق بعيد يا فتى، وأخشى أن تكون القافلة قد فقلتُ راجعة وضع روحه على يديه و مع مائة نوع من العجز و الذل وضع رأسه على قدمي سلطان الكل قال(الإمام) بحيرة : يا أيها الأسد الشجاع الذي لا يوجد من يضاهيك في الشجاعة، ما الذي دهاك الآن لكي ترتجف كهذا، فقال لقد رأيتُ شيئاً عجيباً أمامي، رأيتُ نفسي بين الجنة والنار ولا أعلم هل أنا من تلك أم من هذه قال هذا وكان كلامه وفعله عملاً واحداً، قال لن البيع الحبيب بالدنيا، و ذلك الذي باع يوسف ببضع دراهم أحرق بيدر عمره بحظه التعيس،فوجه العاشق وجهه دون روية صوب المليك و بالندم قال يا باب الله، لقد أقبلت مع مائة عذر إلى بابك،إقبلني على الرغم من أنني اتيت بدون موعد، أنا تائب فافتح الباب بوجهي فالله يحب التواب جئت مقصراً على أملٍ بالعفو،فاعفو عني عاجلاً على الرغم من أنني جئتُ متأخرا فلا تفتح عن رقبتي طوق المنة، وخذني حيثما تريد، وعندما سمع الملك ذلك التضرع والندم الذي اظهره وضع طوق العبودية على رقبته وقال : أقبل في التوبة ثانية، وخذ خط الجواز من عفونا، عُد فليس من أحد من الاحرار والعبيد قد رجع يائساً من هذه الاعتاب،ولو جئتَ بمائتين جرم عظيم فلا تحزن لأنك قد أقبلتَ على الكريم، تعال فسواء جئتَ متأخراً أو مستعجلا فنعم المقام الذي قصدته آتياً، فقال : يا من الملوك خدام على بابك لقد صرت في البداية شوكةً في طريقك، فاعطني الرخصة حتى أجعل روحي فداء لخدام بابك أيها المقتدى.
يصف" النيّر " شجاعة الإمام وكيف يحدث نفسه بالشهادة قائلاً بلسان الحال :
ما دام كان ذكره موجوداً فلا ذِكر لي،و طالما كان وجوده موجوداً فلا صرخة تُسمَع مني. ثوبٌ ملأتْهُ سهام العالمين، فأصبح ذلك الثوب الخلِق وجودي بأجمعه. سأجعل من ذلك الثوب جُبّة الشوق، يا من تُسدد سهامك صوب بدني. قد أصبح الربيع يوم عشقي فأين رضوان خازن الجنة ليأتي و يأخذ من بستاني الزهرة المدّثّرة بالرداء (الروح) إلى جنة الفردوس. إنّه يوم العهد فخُذ درعي أيّها العقل حتى لا يتوهّم العدوّ أنّي نقضتُ العهد.و ليس يَليق بقتيل العشق أن يُلبَسَ الكفن، أيُّها العدوّ اللئيم لا تَقُلْ عَبثاً إنّي بحاجة إلى كفن.
إلى أن يقول :
يناديني هاتفٌ من الغيب: أين الشمر، فقل له أن ما تفعلونه هو مصداق لعهدي القديم. لقد ضاق صدري فعجّلوا يا خيرة الرماة، حطّموا لي هذا القيد وعجّلوا برحيلي إلى الموطن. لقد ملأ العشق قلبي قيحاً حتى فارت دمامل الجرح من بدني.
ثم ينظم بنظرة ماورئية تكشف عن حقيقة الإمام التي تتسامى عن حدود الجسد و إن ما حدث لها في كربلاء هو تنزيه لحقيقة الإمام النورانية من هذا القفص العنصري فيقول في مواطن متناثرة من الديوان كما في الفصل الثاني عشر في وصف توسط الإمام في معسكر الأعداء:
لقد أصبحتْ وسط مركز الميدان نقطة توحيد رب العالمين.
ثم ينظر بعين المعنى لتقطيع الأعداء لجسد الإمام فيقول :
سر توحيد الله الودود، أصبح مجرداً من الإضافات و الحدود.
ثم يعرج على صورة سقوط الإمام من على فرسه بعدما اثخنته الجراح و سماعه النداء من جناب الحق (تعالى) فيقول :
وحين هوى ملك الدين من فرسه بسهم الحقد،جاءه النداء من سرادق العرش، يا فارس صحراء بلائنا الأوحد، إنّ حريم لقائنا أصبح مهيّأ لك. فعجّل لمعراج العشق في ليلة الإسراء هذه ، و أهلًا ببراق الشوق إلى خلوة منزلنا. فأنت لنا ونحن لك، وعهد أن يكون فناؤك ببقائنا. جُدتَ برأسك من الشوق واشتريت لقاء الحبيب، فليس مغبوناً من دفعنا نحن دية دمه. إنّ عيوننا من الأزل في انتظار مقدمك، و كان أنبياؤنا يمهدون لمقدمك الطريق، : فلا تغتمّ إن ألهب العطش كبدك الحرّى، فإنّ لك ماء رحمتنا التي لا انتهاء لها.و إن قطع الأسافلُ منك يداً فلا تحزن، وحلّق بزغب السهم إلينا يا طائر اليمن. ولقد بسطنا لك أجنحة الملائكة فراشاً، لئلّا تؤذي بدنك كربلائنا. فالخليل لا يغتمّ لفداء الحبيب، و يكفي أن يكون ولدك الأكبر ذبيح مُنانا. أين نوح، فليقدم إلى صحراء المحنة و لينظر إلى سفينة المنكسرين في بحر بلائنا.و موسى الذي سمع من جبل الطور جواب «لن»، فليقدم مرّة اخرى إلى محلّ تجلّينا بنينوى و إن نجى المسيح من خشبة البلاء، فقل له لينظر إلى خشبة كربلاء و إلى مبتلانا،لقد نسخ حديثك ذكر الأوائل و السابقين، يا من ضحّي بنفسه في عهد الأزل في قضائنا.
و بعدها يصف حال العالم العلوي بعدما عرجتْ روح الإمام إلى بارءها و كيف أن الجميع قد أبدى الجزع على هذه الفجيعة :
بنفسي انت،فقد أنسى فداك في طفّ مارية اضطراب القيامة والنشور. فالملائكة تجلس ساهمة واجمة بحجاب الملكوت، والحور تنشر ذوائبها المشوّشة في القصور. غوغاء الجنّ والشياطين يملأ سمع السماء الزرقاء، وسطح الغبراء يَضجّ بولولة الوحش والطيور. لقد غرق نوح في بحر الحيرة و الدهشة من شفتك اليابسة الظمأى، و تحسّر حيثُ صبرتَ أيّوبُ الصبور. يُتَمتِم المرتضى ب «لاحَوْل و لا قوة إلا بالله» بقلبٍ مستعر، والمصطفى حيران بفؤاد مغموم مسجور. لقد تطاول أهل كوفان لنهب الحرم، بينما ضجَّ كلُّ ظبي منهنّ وهو ناحبٌ مذعور.كان الانبياء غارقين في التطلّع، والملائكةُ مبهوتين،و كان الشمر طافحاً بالاماني، و كنتَ منهمكاً مشغولًا في الحضور.
و يقول في موضع آخر على نفس المنوال :
يا من جرت علي مصابك نواظر الحور بدماء القلوب، بفقدك صار جميع العالم مأتماً إلى يوم ينفخ في الصور، و قل للعيون أن تصبح بحاراً من الدماء، ولقد نسخ قتلك من القلوب الفرحة و السرور. فقل لمصابيح الأنجم كلّها أن تصبح نادبة باكية، و نصبت الظلمات و النور سرادقات مأتمك. حين ترسف قدم السجّاد في الأغلال، و يغفو التاج علي رأس يزيد، فسُحقاً لرأس الملك و تعساً للتاج و القصور. ديرُ راهبٍ نصرانيّ، و رأسُ سبط الرسول المدنيّ!! آهٍ لو طعن الإنجيل و الزبور في القرآن. مَن يُرينا – إن سالفاً أو آنفاً – مضيّفاً يرقد في قصره، في حين ينام ضيفه في التنور؟ من سمع رأساً بلا جسد يتلو آية الكهف؟ و من رأي في مشكاة التنور آية النور؟!
ونختم بأفجع المصائب وهي مصيبة دخول سبايا آل محمد إلى الشام و ورودهنّ على يزيد والرؤوس على الرماح فيصور هذه المأساة قائلاً :
أمست نجوم سماء الدين على أرض مدينة الشام، وكأنّ السماء قد سقطت على الأرض فها هي نجوم السماء المتلألئة على الأسنّة تصدّ هجوم حزب الشياطين صدّ الشهب والرجوم للشياطين. وقد اجتمع أهل الشام مخضّبين فرحاً لرؤية وجوه آل أبي تراب المخضّبة بالدماء. وها هو الإمام السجّاد فخر العظام الكبار كالمصحف في أيدي أذلاء الكفار. فمدينة الشام وعترة الرسول الطاهرة كلاهما في أسر ابن هند المجهول. وكأنّ الإمام السجّاد في ذلّ القيود كالمسيح في كنيسة اليهود. التفت الإمام السجّاد والسبط المستطاب إلى أسود القلب معاتباً. وقال: ويحك أيها السيّئ الحظّ الجهول! بالله ما هو ظنّك بالرسول. إذا ما رأى المخدّرات باديات حاسرات على هذا الحال العجيب؟ آه ماذا أقول فلساني أخرس ويراعي مكسور يقطر دماً؟! لما أحدثت ضربة عصى الحقد على أكتاف السجّاد، ومن بعدها على موضع قبلات المصطفى!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي