loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قراءة نقدية لقصيدة (كما لو أنك في القلب) للشاعرة ماجدة الفلاحي

breakLine
2025-01-24

سعيد محتال
ناقد | مغربي

 

القلب كما هو معلوم رمز المشاعر والعواطف. يشير غالبا في الشعر إلى تجربة عاطفية قوية، أو إحساس بالانتماء. 
"كما لو أنك في القلب" يعكس منذ البداية شعورًا بالراحة والأمان، كأن الشاعرة تشعر بأنها محاطة بالحب والرعاية. 
عنوان يثير فضول القارئ ويدعوه للتفكير في العلاقات الإنسانية وتجارب الحياة العميقة. حيث يحمل في طياته العديد من المعاني والدلالات، ويمكن أن يوحي بأشياء مختلفة حسب السياق الذي استخدم فيه. فالقلب في النص ليس مجرد عضو جسدي، بل هو رمز لمشاعر الحب والاتصال الروحي، وقد يعكس الصراع بين التعبير عن المشاعر والعمق الذي يحمله الحب الحقيقي. ولتحديد المعنى الدقيق للعنوان، من المهم أن ننظر إلى السياق الذي ورد فيه.
بقيت نقطة أظنها مهمة تخص العنوان "كما لو": عبارة توحي بمقارنة بين وجود الشخص في القلب وبين شيء آخر أحال دون حصول الفعل ( إنك في القلب )، مما يضفي عمقًا إضافيًا للمشاعر، تخلق صورة ذهنية أكثر عمقا وتأثيرا. فكلمة "لو"  تعبر عن التمني أو الافتراض، ولكنها لا تعطي نفس القوة التعبيرية للمقارنة الموجودة في العبارة الأولى. مثال توضيحي:
"كما لو أنك في القلب" تعني أن وجود الشخص في قلب المتحدث يشبه وجود شيء ثمين ومهم للغاية، كأنما هو جزء لا يتجزأ منه. "لو أنك في القلب" تعني أن المتحدث يتمنى لو أن الشخص كان في قلبه، ولكنها لا تعبر عن نفس الشعور العميق بالانتماء والترابط. لذا فعبارة "كما لو أنك في القلب" تعد أكثر جمالًا وتعبيراً، مما يجعلها الخيار الأفضل للتعبير عن مشاعر عميقة وصادقة استفتح بها الكلام: 
ولو أن كل ما في القلب يقال 
لأحرق القول فمي
لكنني أقول بصمتي
ما أعجز عن قوله بلساني.

في بعض الأحيان قد لا تكون الكلمات كافية أو دقيقة لنقل ذاك العمق الشعوري، لذا يلجأ المرء إلى الصمت أو الكتابة كأسلوب للتعبير، حيث يرى أن ذلك أبلغ وأعمق من أي كلام. الشاعرة تعبر عن تجربة داخلية عميقة تتعلق بالعجز عن التعبير اللفظي، عن مشاعر غير معلنة، فلجأت إلى الصمت كوسيلة للتعبير عن ما لا يمكن قوله بالكلمات، مؤكدة على قوة الصمت في إيصال المعاني.
وهذه عموما هي وظيفة الشعر، ألا وهي التعبير عن المشاعر، حيث يُعتبر الشعر وسيلة قوية للتعبير عن المشاعر والأحاسيس غير المعلنة، مثل الحب، الحزن، الفرح، والغضب. باستخدام لغة فنية انزياحية، الغاية منها تحفيز الخيال، وتشجيع المتلقي على تذوق المعاني. الشعر في جوهره، هو نظام معقد من الإشارات. يستخدم الشاعر اللغة كأداة لإنشاء عالم مليء بالمعاني والمشاعر، يتسم بالرمزية والدلالات التي تتجاوز المعاني الحرفية للكلمات، بينما دور القارئ هو فك رموزه واستكشاف خباياه. فقولها "أحرق القول فمي" يدل على شدة الحرارة العاطفية التي قد تتسبب في إيذاء المتكلم أو المستمع إن تم إخراجها كاملة. لكن الشاعرة تتستدرك:
"لكنني أقول بصمتي/ ما أعجز عن قوله بلساني"
  انتقال الشاعرة من الكلام إلى الصمت كوسيلة للتعبير.
 الصمت هنا ليس مجرد غياب للكلام، بل هو شكل من أشكال التعبير القوي والمعقد. يتيح للشاعرة القدرة على إيصال معانيها من خلال لغة الجسد والإشارات غير اللفظية. وهذا ولّد التضاد بين الرغبة في الكلام والعجز عنه، وبين القول والصمت كوسيلتين للتعبير.
واستخدام الصمت كوسيلة للتعبير هو استعارة مكنية تعطي عمقًا للمعنى. فالصمت يرمز إلى الكثير من المعاني مثل الحكمة، الاحترام، العمق، والتعبير عن ما لا يمكن قوله. أما تشبيه الحرارة العاطفية بحرق النار للفم فيعطي صورة واضحة عن شدة المشاعر.
تكرر جدر كلمة "قول" أكثر من أربع مرات،  
فلِم كل هذا الإصرار!؟. 
وهل يستحق الأمر ذلك !؟
من الناحية الصوتية  نلاحظ أن هذا الحضور ولّد ما يمكن تسميته 
بالتكرار والاقتران، تكرار كلمة "قلب" في بداية النص خلق إيقاعًا داخليًا ليؤكد على أهمية القلب كموضوع للشعر ، وهذا ما أشرنا إليه من قبل . كما أن اقتران "لو" بفعلين مختلفين في الشطرين الأول والثاني يعطي شعورًا بالتمني والافتراض.
كما ساهمت هذه الكلمات مجتمعة ( قول/ قلب + فم/ الصمت) في إبراز التضاد الموجود بين "أحرق القول فمي" و"أقول بصمتي"، هذا التباين الإيقاعي يعكس طبيعة الصراع الداخلي بين الرغبة في التعبير والعجز عن ذلك.
حيث ساهم الإيقاع المتكرر لبعض الأصوات ( ق، ل، أ، ي..)، والتقابل الصوتي بين المتكلم والمخاطب في تعزيز الجانب العاطفي، حيث يعكس الصراع الداخلي للشاعر وتأثير الحب على قلبه. كما لو أن الشاعرة توجه القارئ إلى التركيز على المعاني الكامنة وراء الكلمات التي ترن بقوة في أذنيه..
دون أن ننسى الجانب الفني، حيث خلق لحنا داخليا يمتع أذن السامع. كما يعكس عمق المشاعر التي تعبر عنها الشاعرة. عموما التكرار والاقتران والتضاد هي أدوات إيقاعية أساسية تساهم في خلق تأثير لدى المتلقي.

فدع روحي تسري نحوك
لأنها لم تعد مني 
ودعني أنتشي بعطر روحك 
فإن روحك تجري في كياني.

تم ربط الفقرتين بحرف عطف الفاء من باب التعقيب، وتشبيه الروح بماء جارٍ يتدفق من الشاعرة نحو شخص آخر دلالة تعبر عن حالة من التعلق الشديد والشعور بأن الروح قد فقدت استقلاليتها وأصبحت جزءا لا يتجزأ من روح المخاطب البعيد/ القريب. وهذا يعكس الصورة ويجسد رغبة الشاعرة في الاتحاد التام مع المخاطب ، وكأن الروحين اندمجتا في روح واحدة. مما يعزز شعور الشاعرة بفقدان جزء من ذاتها، وكأن الروح قد تركت جسد الشاعرة لتلتحق بالمخاطب.
 فهل قوة الحب هي التي تجبر الروح على ترك كل شيء والانطلاق نحو المحبوب:
"ودعني أنتشي بعطر روحك  
فإن روحك تجري في كياني"

صورة شعرية تشبّه روح الحبيب برائحة عطرية تغلف محيط الشاعرة فتملأ كيانها.
هذا ما يعكس تأثير الحبيب القوي على حياة الشاعرة، وكأن روح الحبيب قد أصبحت جزءا لا يتجزأ من كيانها. وكأن الروحين تشكلان وحدة واحدة. يتجلى من خلالهما دور الحب في إعطاء الحياة معنى وجمالا. هنا تتجسد أيضا الوحدة العضوية بين الشطرين الأول والثاني بحيث تعكس حالة من التكامل والترابط بين الروحين.
 وقد لعبت كلمتا الماء والعطر  دورا قويا للتعبير عن معانٍ عميقة مثل الحب والتعلق والوحدة والشوق. لنستحضر في هذا المقام الحضور الصوفي الذي ميز النص بالكامل:
فما أنت واحد كما تدعي 
ولا أنا واحد كما تراني 
ولكننا في الجوهر مفرد
تشظى فبدا منه الاثنان

تجليات صوفية تتجاوز حدود الحب العاطفي التقليدي ليصل إلى مستوى أسمى من الاتصال الروحي. وكأن الشاعرة تعبّر عن فكرة الاتحاد بأسلوبها الخاص من خلال قولها: "ولكننا في الجوهر مفرد". هذه الفكرة أساسية في التصوف الإسلامي، تشير إلى أن كل الأشياء في الكون هي تجليات مختلفة لجوهر واحد، وأن هناك وحدة جوهرية تربط بين كل الكائنات؛ حالة من  الانصهار بين روحها وروح الحبيب، وكأن الروحين هما وجهان لعملة واحدة.
زد على ذلك وصف الشاعرة حالة التشظي التي يعيشها الإنسان، حيث يرى المرء نفسه منفصلًا عن الآخرين، ثم يصل إلى إدراك الوحدة الجوهرية التي تربط بين الجميع: "تشظى فبدا منه الاثنان". يشير التشظي هنا إلى حالة الانفصال الظاهري، بينما يشير "الاثنان" إلى الوحدة الجوهرية التي لا تنفصم.
 فكما هو معلوم لدى أهل التصوف العشق وسيلة للوصول إلى الله ومعرفته، وهذا ما يظهر في اندماج الروحين وتلاشيهما في بعضهما البعض.
-اللغة الصوفية:
استخدمت الشاعرة لغة رمزية وعاطفية للتعبير عن تجربتها الصوفية، مثل:
 "روح"، "كيان"، "جوهر"، "مفرد"، " واحد"، " أحرق "، "تشظى"، " جمرة " ، " تهيج "، "يقين".. كلمات تحمل دلالات صوفية عميقة وتشير إلى الأبعاد الروحية للتجربة. تترابط هذه الدلالات مجتمعة لتشكل معنى أعمق لأفكار النص؛
"فما أنت واحد كما تدعي":
التعقيب بالفاء لا زال مستمرا، للزيادة في توضيح المعنى. كلمة "تدعي" تحمل دلالة قوية على التظاهر، مما يشير إلى وجود طبقات متعددة في شخصية الحبيب، وهذا يؤكده التقابل الحاصل بين " تدعي" و"تراني" : 
"ولا أنا واحد كما تراني"
نجد الشاعرة أيضا تنفي أن هويتها واحدة ثابتة، لكن القصد من ذلك شيء آخر، فكلمة "تراني" تشير إلى نظرة الآخر، وكيف أن هذه النظرة إلى الجزأين قد تكون مشوهة أو غير كاملة: 
"ولكننا في الجوهر مفرد" 
رغم الاختلاف الظاهري بين الشاعرة والحبيب، إلا أنهما في الحقيقة جزء من وحدة متكاملة، كل طرف يكمل الآخر ويشد عضده، وهذا توضحه كلمة "جوهر" التي تشير إلى العمق الحقيقي للإنسان، ما وراء المظهر الخارجي.الوحدة الأصلية قد تشظت إلى جزأين (الشاعرة والحبيب)، ولكن الجوهر واحد:
"تشظى فبدا منه الاثنان".
صورة تعكس حالة الانفصال المؤقت، بينما كلمة "اثنان" تشير إلى الوحدة الأصلية التي ستعود.
وهذا ما يجعلنا نقر بأن النص يقدم رؤية فلسفية عميقة حول طبيعة الوجود الإنساني، يتناوب بين تأكيد الوحدة الجوهرية وبين الاعتراف بالتعددية الظاهرية. فالنص يتناول موضوع الذات والآخر، وكيف أن كل فرد يرى العالم من منظور مختلف. ومن زاوية متقابلة بينهما حاجز بلا سند.. قابل للتشظي والانصهار بين الطرفين..
وها ما جعلنا نقر بتجربة صوفية ( الحقيقة )، قائمة على الوحدة بين الكل في ظل تعدد ظاهري مزيف ( الواقع ). مما يوحي بطبيعة الوجود الإنساني القائم على العلاقات بين أفراد يكمل بعضهما بعضا، وهذا ما يجرنا إلى التساؤل حول الهوية الحقيقية للطبيعة البشرية ، وكيف يرى كل منا الآخر. حالة من الحيرة والبحث عن الذات التي يمر بها الكثير من الناس. فالشعور بالوحدة في ظل التعدد يوحي ويقر بالاختلاف والتنوع، رغم وجود وحدة جوهرية تربط بين جميع الكائنات. هذا التناقض الذي قد يراه البعض بين الوحدة والتعدد يثير في النفس مشاعر معقدة من الوحدة والشعور بالانتماء. وهذا ما نلمسه في الكلمات المستعملة في النص كرموز تحمل معاني أعمق من معناها الحرفي. مثلاً، كلمة "جوهر" ( الحقيقة )تدل على العمق الحقيقي للإنسان، وكلمة "تشظى" تشير إلى حالة الانفصال المؤقت ( الوهم ) .
حالة من التجريد بين عوالم مختلفة( الوحدة والتعدد والجوهر )، تدفع القارئ إلى استخدام خياله لتكوين صور ذهنية لهذا النص، ويحفزه على التفكير في أسئلته الفلسفية العميقة. كون اللغة الشعرية المستخدمة لعبت دورا حاسما في خلق هذه التجربة الفنية، القائمة على الرموز والتجريد لتوصيل المعاني المستترة.
فيمكن مثلا تقديم نموذج من المفاهيم التي تحتاج إلى بلورة
التعددية في الوحدة،
النص هنا لا يقدم رؤية ثنائية بسيطة بين الوحدة والتعدد، بل يشير إلى وجود تفاعل ديناميكي بينهما. فالشخص الواحد يحمل في داخله تعددًا من الأفكار والمشاعر، وفي الوقت نفسه يشعر بالانتماء إلى وحدة أكبر.
وهذا يجرنا إلى فرضية البحث عمن هو المخاطب في النص ؟
هل هو الحبيب !؟ 
أم الإنسان !؟ 
أم الشاعرة ذاتها!؟
سنترك ذلك للمتلقي ذاته ليغوص معنا قليلا في فضاء النص الرحب؛ وماذا عن الطبيعة العابرة للهوية؟ هل النص يخوض غمار البحث في الهوية وأنها  شيء متغير ومتطور يتأثر بالتفاعلات الاجتماعية والثقافية، أم هي حالة ثابتة تحتاج إلى استقرار؟.
يمكن قراءة النص على أنه تعبير عن تجربة روحية، حيث تبحث الشاعرة عن الجوهر الحقيقي المستتر وراء السراب؛
"فإذا نظرتَ فبعيني ترى
وإذا تكلمتَ تكلمتَ بلساني
أو راودتك فكرة فهي لي 
أو شعرتَ فمن فيض وجداني."

التلازم النفسي بين الشخصين مستمر، لكن هذه المرة من زاوية المتكلم/ الشاعرة، حيث تصف حالة من الاندماج الكامل مع الحبيب، لدرجة أن كل ما يفعله  أو يفكر فيه هو انعكاس مباشر لما يجري في نفسية الشاعرة.
كما أن هذا المقطع يشكل جوهر العلاقة العميقة التي تربط الشاعرة بالمخاطب. وشدة القرب بين الطرفين حيث وظفت فعل الكلام: ( إذا تكلمتَ تكلمتَ بلساني )، حيث تقدم صورة واضحة عن اندماج الوعي والإحساس بين الحبيبين : ( نظرت - تكلمت.. ) ، لدرجة يصعب فيها تمييز أحدهما عن الآخر حتى على المستوى الشعوري: ( راودتك- شعرتَ ).
هذا ما يدل على نظرة الشاعرة للمخاطب الذي يحمل نفس المشاعر والأفكار التي تحملها الشاعرة، وأن الكلمات التي ينطقها هي تعبير عن أفكار ومشاعر الشاعرة.
هذا يدل على أن هناك تواصل بين الطرفين بواسطة العين واللسان، غير أن هذا التواصل بين الحبيبين يتم على مستوى أعمق من التواصل الحسي، بل يصل إلى مستوى الاندماج الروحي ( فمن فيض وجداني ).
هنا نعود إلى التساؤلات السابقة حول طبيعة الذات والآخر، والعلاقة بينهما. هل الذات فرد مستقل، أم أنها جزء من وحدة أشمل وأعم؟ هل نحن أمام الواحد المتعدد !؟ 
أم الواحد المشترك الممتد إلى الآخر!؟. مازلنا نرى ونسمع عن ذوبان الأنا في الآخر/ المخاطب.
نحن الآن نتجاوز عتبة الحديث عن الحب بين شخصين، بل أمام علاقة جوهرية تصل إلى ما هو أشمل وأعم. يمكن أن نستشف ذلك ، والتأكيد عليه من خلال ما ورد في النص؛ بداية كنا أمام أفعال لها ارتباط بالقول:
" ما في القلب يقال "
" لأحرق القول " 
" أقول بصمتي " 
" أعجز عن قوله "
أما في هذه الفقرة الأخيرة  فالشاعرة صارت تتحدث عن الكلام :
"وإذا تكلمتَ تكلمتَ بلساني " 
وهناك فرق كبير بين القول والكلام.
يقول ابن مالك في ألفيته
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
بمعنى اللفظ المركب من كلمتين فأكثر بمعنى الجملة التي تعطيك معنى تاما مع إضافة أي شيء آخر. أما القول فأعم يشمل الكلمة والجملة. فكل كلام يقال هو قول بمعنى أن " الكلام هو المعنى الموجود في أو ذات المتكلم: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) الكهف 109، أما القول فهو صياغة الكلمة أو المعنى بقالب لغوي وبلغة محددة: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) 31". النطق واللفظ.. والكلام والقول، محمد نوار، مجلة البلد، 23 فبراير 2021.
فعندما يصير المخاطب يشعر  ويرى بعين المتكلم، أو يتكلم بلسانه، فهذا يعني أن الكلمات المنطوقة  هي تعبير عن أفكار ومشاعر الشاعرة عينها.
بل حتى الأفكار التي تراوده هي في الحقيقة أفكار الشاعرة ومشاعرها. مما يدل على أن الخطاب مباشر وموجه للشاعرة ذاتها، وربطهما بالشاعرة يدل على أن الشاعرة هي مصدر كل ما يشعر به أو يفكر فيه القابض على السراب.
لكن ما العلاقة القائمة بين الطرفين؟. يشبه هذا المقطع بعض الأفكار الصوفية حول الوحدة بين الخالق والمخلوق، وبين النفس والكون.
لكن النص ذو طابع رومانسي، يحيلك إلى مشاعر وجدانية بين طرفين حصل بينهما تجانس تام في الفعل والقول، ورغم ذلك نقر بوجود بعض اللمسات الصوفية ( فمن فيض وجداني )، أو كما سيأتي بعد هذه الفقرة حين تقول الشاعرة:

"ولست أدري أأنت في السماء نجم
ينير ليلي ويقود أقدامي؟
أم أنك في القلب جمرة 
تهيج شوقي وتهز أركاني؟

لكنني أعلم علم اليقين أننا 
أنا وأنت، روح توأم
والجسمان منفصلان"

فعلا نحن أمام علاقة فريدة من نوعها !؟ حتى إن الشاعرة نفسها بدأت تراوضها بعض الأسئلة عن المعشوق الغائب/ الحاضر كيفما كانت طبيعته.. وهو الذي ترى فيه الشاعرة مصدر إشعاع ينير طريقها، وكأننا أمام شيخ ومريده:

" أأنت في السماء نجم "
" أم أنك في القلب جمرة "

حيرة كبيرة، وحالة من التيه والبحث عن المعنى في هذه العلاقة . الشاعرة تتساءل بقوة عما إذا كان هذا الحب كالنجم الساطع الذي ينير دربها  ويوجه مسارها نحو الهدف، والذي يعد أملا لها ومرشدا في وجه الظلام ، أم كالجمرة المتقدة المليئة بالشغف والحرارة، والتي تثير شوقها وتزعزع كيانها. باعتبار أن الجمرة تمثل الجانب الجسدي والعاطفي للعلاقة البشرية..
ما يلاحظ هو أن النجم يضيء بينما الجمرة تحرق. وهذا ما ولّد تضادا يعكس حقيقة التوتر الحاصل وغير المعلن بين السعادة والألم اللذين تشعر بهما الشاعرة. فهذا التضاد يظهر أيضا في الجمع بين السماء والقلب، إذ يمثلان تقابلا واضحا بين العالم الخارجي والعالم الداخلي، بين الروح والجسد. كل هذا للتعبير عن العاطفة القوية التي تشعر بها الشاعرة في هذه الأثناء، والتي قد تدمرها في أي وقت، هنا يمكن طرح سؤال يتماشى مع الأجواء المشحونة بالعاطفة القوية، هل المخاطب في النص هو مصدر الإلهام والطمأنينة، أم مصدر الألم والشوق؟ فالجملتان إنشائيتان استفهاميتان، كما يثير مشاعر الاستغراب والتعجب لدى المتلقي.. كما تعكس حالة من الحيرة والدهشة التي يشعر بها العاشق. فهي تعبر عن جمال العلاقة الإنسانية وتناقضاتها، وتدعو من خلال هذه التساؤلات القارئ للتفكير في طبيعة هذه العلاقات وأثرها على النفس البشرية.. في الوقت الذي نجد فيه الشاعرة بعد استدراكها الآتي:
" لكنني أعلم علم اليقين أننا 
أنا وأنت، روح توأم
والجسمان منفصلان "

على يقين مطلق أن حقيقة فيما تقوله، حقيقة لا تقبل الجدل. تؤكد على وجود علاقة وثيقة بين الشاعرة وحبيبها "أننا"، علاقة تتجاوز حدود الجسد والزمن والمكان المعبر عنها سابقا بالسماء والقلب.
"أنا وأنت، روح توأم"
هذه العبارة الأخيرة تعبر عن فكرة أن الشاعرة وحبيبها هما جزء واحد من روح واحدة، وأن هناك رابطة روحية عميقة تجمع بينهما. فرغم أن الجسدين منفصلان، إلا أن الروح واحدة، وهذا ما يعبر عن فكرة الوحدة في التعدد التي طرحناها سابقا.
"والجسمان منفصلان" جملة تضاد الجزء السابق،  وتؤكد على أن الجسدين موجودان في مكانين مختلفين ( كما لو أنك في القلب). هذا التناقض بين الوحدة الروحية والفصل الجسدي هو ما يعطى للمقطع بعدا جماليا، فالارتباط الروحي أسمى وأجل.. وكأنهما وجهان لعملة واحدة. رغم الانفصال الجسدي، إلا أن الروح الواحدة تجمعهما. موظفة بذلك العديد من ادوات التوكيد لإيصال هذا المعنى، مع الزيادة في تكرير نفس الكلمات والأصوات.
فتكرار كلمة "أننا"  واتباعها بالضميرين " أنا و" أنت "يعطي إحساساً بالتأكيد على الوحدة بين الشاعرة والمعشوق. وأن الشاعرة تضمر رغبتها الشديدة في اللقاء بالمحبوب، وتترك القارئ تائها بين دلالات فقرة:

"فعد إلي متى شئتني
وأرح القلب مما يعاني
أو خذني إليك كما أردتني 
فارغة من ذاتي ككلام فارغ 
من المشاعر ومن الضمائر والمعاني."

التكرار  اللفظي والصوتي ما زال حاضرا فأفعال مثل " عد "و" أرح" و "خذني" تعزز من قوة الرغبة والتعلق بالمحبوب، رغم البعد المضمر المتستر وراء إرادة ومشيئة الشاعرة. لكن فعل المعاناة بات مصرحا به الآن:
"وأرح القلب مما يعاني"، 
وهذا ما يعبر عن حالة من الاستسلام التام للحبيب
"فارغة من ذاتي" " ككلام فارغ من المشاعر ومن الضمائر والمعاني". استعارة الجسد بالوعاء الفارغ في السطر يعبر عن حالة الشوق الشديد والتعلق العاطفي، والرغبة في التخلي عن كل شيء من أجل اللقاء به، 
وأنها في نهاية المطاف على استعداد أن تقضي معه كامل الوقت المتبقي من العمر. وأنها على استعداد للتضحية بكل شيء من أجله. وعبرت عن ذلك بقولها "فراغة من ذاتي" ، تريد بذلك أن تصبح صفحة بيضاء "ككلام فارغ "  يكتب عليها حبيبها ما يشاء، دون أي مقاومة أو تحفظ. حالة من الشوق والحنين والألم يغمر قلب الشاعرة، ولكن في الوقت نفسه تعبر عن سعادتها ورضاها بما لديها " شئتني"، " أردتني" 
لأن غايتها في النهاية هو اللقاء، حيث يُظهر النص حالة الانتظار والترقب للعودة أو اللقاء من جديد، كما يُبرز أهمية الشغف في العلاقة، وأن يكون للحياة معنى. تميزت اللغة المستخدمة في النص بالرقة والسلاسة، ذات دلالة قوية ومؤثرة أحيانا. 
فتنوعت بذلك الصور الشعرية موظفة الاستعارة، والتشخيص، والتكرار، مما أضفى على النص تنوعا دلالايا، غنيا بالانزياحات العميقة التي جمعت بين ما هو مادي وروحي،  فالشاعرة تنتقل بكل سلاسة بين العالم المادي (الجسد، الحواس) والعالم الروحي (الروح، القلب)، مما خلق عمقًا وتنوعًا في المعاني.
كما جمع الانزياح بين ما هو فردي وما هو كلي للتعبير عن حالة من الانفصال والوحدة، وفي الوقت نفسه عن حالة من الاندماج والوحدة مع الكون. لتضعنا بذلك الشاعرة في حيرة بين اليقين والشك حول طبيعة علاقة حب مفترضة. هذه الانزياحات مجتمعة جعلت النص غامضا وجذابا، تدفع القارئ إلى التفكير والتأمل في معانيه المختلفة. مادام هناك في النص ما يعزز من قوة العاطفة التي تعبر عنها الشاعرة وتتمسك بها، كي تجعل النص أكثر تأثيرا.
عموما، نحن أمام عمل فني راق ذي شاعرية رفيعة، وأفكار عميقة، وانزياحات قوية تزيد من جماله وأصالته.

( القصيدة )

"كما لو أنك في القلب"

ولو أن كل ما في القلب يقال 
لأحرق القول فمي
لكنني أقول بصمتي
ما أعجز عن قوله بلساني

فدع روحي تسري نحوك
لأنها لم تعد مني 
ودعني أنتشي بعطر روحك 
فإن روحك تجري في كياني

فما أنت واحد كما تدعي 
ولا أنا واحد كما تراني 
ولكننا في الجوهر مفرد
تشظى فبدا منه الاثنان

فإذا نظرتَ فبعيني ترى
وإذا تكلمتَ تكلمتَ بلساني
أو راودتك فكرة فهي لي 
أو شعرتَ فمن فيض وجداني.

ولست أدري أأنت في السماء نجم
ينير ليلي ويقود أقدامي؟
أم أنك في القلب جمرة 
تهيج شوقي وتهز أركاني؟

لكنني أعلم علم اليقين أننا 
أنا وأنت، روح توأم
والجسمان منفصلان

فعد إلي متى شئتني
وأرح القلب مما يعاني
أو خذني إليك كما أردتني 
فارغة من ذاتي ككلام فارغ 
من المشاعر ومن الضمائر والمعاني.
 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي