مقالات ادبية واجتماعية وفنية
آمال بو حرب
باحثة | تونسية
المقدمة: سؤال الهوية في مواجهة القمع:
في عالم تُختزل فيه الذات إلى رقم في سجلّ السجون أو ورقة في ملفّ المحكمة، تطرح رواية "مددًا.. مدد..." لمراد البجاوي إشكالية وجودية حادّة: كيف يُعقل أن يكون التوأم المتطابق جسديًا نقيضًا أيديولوجيًا؟ وكيف تُختبر براءة الفرد أمام آلة قضائية تبحث عن كبش فداء؟ تستند هذه القراءة إلى الفلسفة الوجودية (سارتر، كامو) ونظرية السلطة (فوكو) لتحليل ثنائية الحرية والحتمية في النص، مع التركيز على عنصر الزمن السجني كتجسيد للاغتراب الوجودي.
التحليل الفلسفي: الزمن السجني كفضاء للاغتراب
1-الزمن المعلّق: بين انتظار البراءة وحتمية الإدانة
يُصوّر النص زمن السجن كلحظة وجودية مجمّدة، حيث يُحاصر البطل بين زمن إداري بيروقراطي (انتظار إخطار المحكمة) يذكّر بمفهوم "العقاب المراقب" عند فوكو، وزمن أسطوري يُعاد إنتاجه من خلال خطاب التوأم حول "الجهاد" و"الطاغوت"، في مشهد يُحاكي صراعًا ميثولوجيًا بين الخير والشر. هنا، يتلاشى الحاضر لصالح انتظار مطوّل، بينما يُستعاد الماضي الإيديولوجي كقدرٍ محتوم. إن الزمن السجني يُلغِي الحاضر ويُعيد إنتاج صراع الماضي في حلقة مفرغة.
2-التوأم كـ الآخر الذي هو أنا: محنة الهوية
يشكّل اكتشاف البطل أن المتهم الحقيقي هو توأمه أزمة هوية وجودية عميقة. فالتوأم، الذي يُفترض أن يكون امتدادًا للذات، يتحول إلى نقيض أيديولوجي، إلى مرآة مكسورة تسائل الكينونة. يطرح النص سؤال سارتر: "هل أنا ما يقوله عني الآخرون؟". ويتجلى ذلك في رفض البطل الاعتراف بأخيه قائلًا: "لست شقيقي"، في رفض ضمني لذنب لم يرتكبه، وهو ما يلامس مفهوم "القلق الأخلاقي" عند كيركغور. هذه اللحظة لا تُشكك فقط في براءة البطل، بل في إمكان تعريف الذات خارج نظرة الآخر.
3-الخطاب الديني كأداة سلطة
يظهر خطاب الأخ التوأم، بعبارات مثل "أحكام الله يا من..."، كيف يمكن للأيديولوجيا أن تحوّل الجسد إلى سجن، كما أشار فوكو في تحليله للعلاقة بين السلطة والمعرفة. المفارقة أن السجينين، رغم تباين موقفيهما، كلاهما ضحية لقوى قمعية: البطل ضحية نظام قانوني بيروقراطي، بينما أخوه أسير خطاب ديني متطرّف. هذا الانقسام يكشف عن آلية مزدوجة للسلطة، حيث تُمارَس على الجسد والعقل معًا، وتحرم الذات من إمكان التملص من أحد السجنين.
الخاتمة: السجن كاستعارة للوجود البشري
رواية "مددًا.. مدد..." ليست مجرد حكاية عن سجينين، بل عن إنسانين يُحاكمَان لأنّ كلًّا منهما رفض أن يكون نسخة عن الآخر. في عالم تُبنى فيه الهويات على الانعكاس لا الاختلاف، يصبح حتى التوأم المتطابق غريبًا عنك. المفارقة المؤلمة أن براءتك قد لا تتحقق إلا بسقوط الآخر، حتى لو كان شبيهك البيولوجي. يلمّح مراد البجاوي إلى أن السجون الحقيقية ليست جدرانًا بل يقينيات؛ تلك التي تحوّل الإنسان إلى متهم باسم التشابه. وكما كتب كامو في "الغريب": "العبث هو أن نطلب الحرية بينما نحن محكومون بالاختيار بين سجنين".
4-الجسد كساحة للصراع الوجودي: بين القيد والتحرر
يطرح النص إشكالية الجسد كسجن مادي ورمزي. فبينما يُقيد البطل جسديًا بين جدران الزنزانة، يُقيد التوأم روحانيًا بأغلال الأيديولوجيا. هذا الثنائي يذكرنا بفكرة ميرلوبونتي عن "الجسد كوسيط للوجود". فجسد التوأمين المتطابقين يصبح:
-وعاءً للتناقض: اتحاد بيولوجي مقابل انفصال فكري.
-حقل معركة: حيث تُخاض حرب الهوية ليس بالكلمات بل بالوجود المادي نفسه.
المفارقة تكمن في أن التماثل الجسدي الذي كان يجب أن يكون مصدرًا للتضامن يصبح أداةً للتعذيب النفسي، مما يعكس فكرة سارتر عن "الجحيم هو الآخرون" في أقسى تجلياتها.
5-العبثية القضائية: محاكمة الوجود لا الأفعال
تحويل المحاكمة إلى طقس عبثي يذكر بمسرحيات بيكيت، حيث:
-البطل يُحاكم على هويته (كتوأم) لا على أفعاله.
-النظام القضائي يلعب دور الإله الغائب، في إشارة إلى نيتشه حول "موت الإله" وفراغ السلطة.
اللافت أن إجراءات المحاكمة تتبع منطقًا دائريًا: الاعتراف بالذنب يسبق التحقيق، والبراءة مشروطة بإدانة الآخر. هذا الانزياح عن العدالة التقليدية يعكس أزمة القيم في عالم ما بعد الحداثة، حيث تصبح الحقيقة نسبية والعدالة مجرد أداء بيروقراطي.
6-الصمت كلغة وجودية: ما لا يُقال في النص
يُشكل الصمت في الرواية لغة موازية:
-صمت البطل: رفضه الدفاع عن نفسه ليس استسلامًا بل احتجاجًا على عبثية النظام.
-صمت التوأم: إصراره على تكرار شعارات جوفاء يكشف عن فراغ الخطاب الأيديولوجي.
هذا الصمت المشحون يذكرنا بتحليل هيدجر للصمت كـ"مكان تتكشف فيه حقيقة الوجود". ففي اللحظات التي يعجز فيها الكلام، ينكشف العبء الوجودي للذات: العزلة المطلقة حتى مع وجود المرآة البشرية (التوأم).
7-الزمن الدائري: سجن التاريخ وأسطورية التكرار
يعيد النص تشكيل الزمن كدائرة مغلقة:
-التوأم يكرر خطاب الأصوليين كما كررته أجيال سابقة.
-المحكمة تكرر إجراءاتها كما لو كانت طقسًا أبديًا.
هذا التكرار يذكرنا بفكرة نيتشه عن "العود الأبدي"، لكن في نسخة مشوهة حيث يعيد التاريخ نفسه كمهزلة. الرواية تسائل: هل نحن سجناء حرفية النصوص أم سجناء عجزنا عن اختراق دائرة الزمن؟ الجواب قد يكمن في تلك اللحظة التي يرفض فيها البطل أن يكون نسخة عن أخيه، محطمًا بذلك قيد التكرار.
الخاتمة: السجن كاستعارة للوجود البشري
"مددًا.. مدد..." ليست مجرد رواية عن سجينين، بل هي مرآة مكسورة تعكس أزمة الوجود الإنساني في مواجهة أنساق القمع المتشابكة. عبر تشريح ثنائية التوأم، يكشف البجاوي أن أخطر السجون هي تلك التي تُبنى من اللغة (خطاب الأخ)، والزمن (انتظار المحاكمة)، والجسد (التطابق البيولوجي). في هذا العالم، حتى البراءة تحتاج إلى ضحية، وحتى الحرية تفترض اختيارًا بين شكلين من العبودية. ربما تكون الرسالة الأكثر قتامة هي أننا جميعًا، مثل البطل وأخيه، نسكن سجونًا من صنعنا: إما أن نكون سجّاني أنفسنا، أو ضحايا لسجانين لا نراهم. وكما كتب كيركغور: "القلق هو دوار الحرية"، وهنا يصبح القلق نفسه السجن الأخير الذي لا مهرب منه.


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي