loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قراءة في رواية (الحب على طريقة أينشتاين) للكاتب طارق الشناوي

breakLine
2025-10-21

 أحمد فاروق بيضون
ناقد | مصري

 

انطباعية بتطواف حول الإسكندرية. فيما بين نوستالجيا الماضي الجميل والحاضر الأروع. ما بين عبق خلاب للمكانية يعانق الوجدان ويؤسطره التاريخ بحروف ماسية. لواج زمني في واقعية سحرية مشبّع بالرومانسية وبمسحة من التاريخ. ما بين الرواية التاريخية وتأريخ الرواية (1937 – 2024) تمتشق نوڨيلا "الحبّ على طريقة أينشتاين" لراويها الدكتور المهندس طارق الشناوي. منمنمات الإبداع على لسان بطلها نبيل نِهرو وبريشة فنان روائي أيقوني اسكندرانيٌّ حتى النّخاع. ليخبرنا بتحفته الأدبية الخالدة: "هذه الإسكندرية عروس ودُرة الشرق وهاكم تمثال الزعيم رمز الإباء والصمود -سعد زغلول- شاهد على التاريخ. بلْ هاكم الملك فاروق الراحل الذي لم تنصفه الأمجاد وهاكم عبق يعتق المرابض إلى يومنا هذا. أيها المُحبين: هلاّ حللتم هاهنا بميدان القناصل أو المنشية حيثُ محطة الرمل  عند نصُب الزعيم الوفدي في أوان الشتاء وخضتّم تجربتنا الفريدة".
استهل الروائي القدير تحفته التي سيذكرها الأدب على غرار كبار الرواة والقاصة ممن تغنوا بالأسكندرية العاصمة الثانية الساحلية لمصر، بالحديث عن نبيل نهرو ومعاناته كخريج لقسم الهندسة النووية وعمله بالتدريس بالحصة بمركز "أبيس" وبمرتب زهيد في الفترة الصباحية وعمله المسائي في محل تصليح الهواتف المحمولة ليحقق دخلاً شهريا يُمكنه من إقامة أسرة والزواج والانعتاق من جلباب أمه السليطة التي تسيطر على أحلامه وتحركاته ذهاباً وإياباً وتستوطن عالمه، ذاك الإيغال الظالم من الأم امتدَ لتهيمن على وجوده تحت سطوتها إلى أن ترحل ويصنع لها "كولدير مياه" صدقة جارية، يدرك تماماً بأن أي فتاة لن ترتضي العيش مع أمه وفي كنفها وقيد الاستقصاء والتحقيق والإذعان، هي ثيمة الخوف Intimidation واستحالة العاطفة وجبر الخواطر أو الحب المفقود في عالمه الآنيّ، لا سند له سوى أخيه الأكبر الطبيب إبراهيم وأخته المسافرة خارج البلاد لمّا يرسلان الشهريّة لسد رمق الحياة البائسة التي يحياها بمعية والدته التي ليست رؤوماً على الإطلاق.
برع الروائي القدير لما استهل العنونة بأسماء الأبطاء لكل فصل كسمة من سمات التدوير السردي المتزامن بين "نبيل نهرو" و"غادة أحمد اسماعيل" من ناحية أخرى، بل أضفى ذاك التقافز المشهدي وتعدد الأماكن في نطاق التمثال الخالد للزعيم متعة وإثارة من أناهيد العشاق بالزمن الجميل الموشى بنسمات فيروزية تطرب القارئ، هذا الحبّ كان في تخاطر Telepathy بعد أول لقاء عن "سيد سايكو" والمحاورة حول مشروبات المقاطعة من جانب "غادة" للمهندس المُولّه "نبيل" الذي يختلف عن الآخرين ويدير وجهه ناحية التمثال وليس تجاه البحر كما يفعل الشباب. فكانت تنصحه باحتساء "سبيرو سباتس" بدلاً من تلك الكازوزة ففضّل الشاي بالنعناع، التفاتة عبقرية لطقوس يعكف عليها من يرتاد تلك الأرجاء بعدما يتناول الشطائر اللذيذة عند محِل "محمد أحمد" لدى صديقه عبوده ثم يتجه للمرطبات، سيميائية المكان تفوح وتتسرب برائحة وأريج يتخلل الأنفاس لمن مروا هنالك، لقد قابلته بمحض الصدفة وكأنه يناجيها لما هرعت لإنقاذ صديقتها المكلومة "أماني" التي كثرت الأقاويل حول علاقتها المشبوهه بشاب ابتذها إلكترونياً، في إيماءة أخرى لأمراض العصر وأدران الانحطاط الأخلافي هذه الأيام، فيساعدها الحبيب المنتظر وينقذ صديقتها ويمسح كل شائنة، وكذلك يمّم الروائي وجوهنا إلى عبق التأثير الديني والتراث العثماني لمسجد القائد إبراهيم ابن زعيم النهضة محمد علي باشا، توقٌ تأجج بينهما ليحكي قصته مع اسم "نهرو" الزعيم الهندي الراحل والمقرب للراحل الرئيس جمال عبدالناصر فهو موسوم بهذا اللقب بمباركة جدّه الراحل، على الرغم من غرابته ولكنه كان مميزاً.
في الفصل الرابع المعنون "شيء عم بيصير"، تجلت باكورة العلاقة من التقارب والوئام وكثرت التساؤلات في أذهانهما؛ من جانبه جاس في خاطره وجال ذهنه سؤالاً: هل تحبه تلك الغادة وتعتبره مثل أخيه كما حدث له من قبل وخاب ظنه؟  أم أنها جذوة عشق تغازل الأهداب وتنتظر الوقت المناسب وتتحين الفرصة بعد زوال أمه أو العيش بمنأى عنها، لكن تلك الأم اقتنصت "تحويشته" التي يدسها ولم يسلم من سليق لسانها وسيل دعوات ينثال عليه، ليفرّ من المشهد مبكراً باحثا عن تلك التي ستحتضن آلامه، لقد أدرك قيمة من أحبها أيضاً بعدما أدرك ثرائها المعلوماتي عن تمثال الزعيم وتوصيفه لكل جزء بالهيكل وإعجاب الحضور من البراعم وفوجئ لما علم بأنّ من أزاح الستار كان الملك فاروق الذي نصبه والده فؤاد على العرش في الذكرى العاشرة لوفاة الزعيم وليس في حياته وعودته من المنفى كما ظن الكثيرين لدهر راسف، اللقاءات تكررت حينذاك عند حديقة التمثال وأسفل النّصُب، ليحدث ما لا يصدقه عقل بشر!
حلت الصاعقة، وعرفها الروائي بأل التعريف ليدل على أنها "المعامل الرمزي" الذي غير الأحداث وقبلها رأساً على عقب بل غير خارطة الأزمان، لقد أقلهم البرق في لواج كآلة زمنية للوراء بنكوص قد يحمل أملاً في لحظة يأس وبحث عن طوق نجاة في عالمهم الذي تحكمه شريعة الآباء والتقاليد الصارمة والتعنت ضد تتمة الحكاية البريئة لحب صادق عفيف بين حبيبين، بعدما سأم نبيل نهرو من وضعه وقرر ترك التمدرس والإيهام بأن يعمل مساعدا لصاروخ الكيمياء "بسطه عياد" كصرخة تناهض الحالة المزرية لأوضاع التعليم وحتى مدير المؤسسة أستاذ عبدالسلام.. ومن ثمَّ اللجوء للدروس الخصوصية، جملة من التضحيات الرومانسية من أجل تحقيق الحُلم حتى جاء باعث الانفراجة من المجهول لربما يحمل رداً على أهزوجة حزينة لمحمد منير "خايف أوعدك ماوفيش"...
في ذاك الزمن الآخر حيث وجدا أنفسهما بين المطربشين والمعممين وموكب ملكي يستعد للكشف عن تمثال زعيم الأمه، كانوا غرباء في مكانهم وأوقاتهم في مفارقة المواقف بين نبيل وغادة، نبيل يريد العودة لزمنه ولا يرغبُ في النوستالجيا بينما الأخرى تريد زي الأميرات وبهرج القبعات والهندام الأنيق، لم يكن لديهما سبيلاً سوى بيع الحُلي وعقد القران بينهما في قسم المنشيّة، لينتهى بهما المطاف بعد شهادة الشهود لبنسيون "مدام ماريكا"، تتجلى سمات هذا العصر الأيقوني في صحو الماريّة الإسكندرية وهتافات الجماهير بيحيا الملك فاروق، "جريدة الأهرام ورئيسها أنطون الجميل" كانت مسلاة العريس ومرآة العصر حيث مقالات عميد الأدب العربي طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وإرهاصات وتيرة اضطراب علاقة بين مصطفى باشا النحاس وزوجته زينب هانم الوكيل وإعلانات هانو وشيكوريل وصيدناوي وريڨولي و... بات يفكر فيما سيحدث له ولزوجته النائمة في مخدعه بلا مساس، كلاهما في التيه يعيثان وكأنه حلم عجيب ولابد من كشف المستور، حوت الجريدة الوطنية المناص لهما لما علما بأمر العالم المصري الدمياطي "على مصطفى مشرفة" بجامعة فؤاد الأول وقررا مقابلته قاصدين القاهرة بواسطة القطار الذي سينتهى إلى محطة سكة باب الحديد، مشاهد الجنيه ذو الجملين الواقف والرابد وحرف الإف F الذي يصبغ الوجود والقصور تيمنا بأسماء كريمات الملك مثل فوزين وفايزة وفائقة وفوقية وفاروق.. ناهيك عن بورصة القطن وحفلات آنسة أم كلثوم التي ستلقب بكوكب الشرق والشاعر أحمد رامي، لربما كان "جورج هربرت" مُحقاً بشأن آلة الزمن كما تكهن "نبيل". همم بصدد لقاء أسطوري مع أيقونة العلوم على مشرفة الذي آمن بالنسبية Relativity لآينشتاين والبعد الرابع أو البعد الموازي، كما أشار العالم الفذ إليهم بعد ترحيب وحفاوة وذهول مما سمعه من الزائرَين من المستقبل باندلاع الحرب العالمية الثانية بعد عامين وقتئذ بين دول المحور والحلفاء: ايطاليا واليابان من ناحية وانجلترا وحلفائها من ناحية وخطة التقسيم للبلدان العربية وزرع الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط وحرب فلسطين ثم الانقلاب على الملكية و اسقاطها ورحيل فاروق وبزوغ الضباط الأحرار وما عقبه من عدوان ثلاثي على مصر ومن ثم الجلاء، ليتحفهم بعدها بأننا ننتقل عبر الزمن بسرعة أكبر من سرعة الضوء فتتحول المادة إلى طاقة ولكن لم يُروَ عن المضي قُدماً نحو المستقبل ولكن الأوبة لأزمان فائتة انقضت، أذهل الحضور ظهور "سميرة موسى" في المشهد عالمة الذرة الأيقونية التي سيغتالها الموساد بعد نجاح أبحاثها بأمريكا وأثناء عودتها لأحضان الوطن، حذرهما العالم الألمعي من إظهار الكاميرا المصغرة بذاك الهاتف وذاك السيلفي التصويري حتى لا يثيرون البلبلة وليس أمامهم خيار سوى العودة إلى حيثما بدءا عند التمثال وتبقى الاحتمالات متساوية إما بالإيجاب أو السلب لينتظران عاصفة أخرى تقلهما، مشاهد تبئير الصراع Focalization of Conflict  وزاوية الرؤية للأحداث المتعاقبة إبان اللقاء اتشحت باليأس من جهة نبيل وليس الأمر كذلك بالنسبة للطامحة غادة التي راسلت الملك لتنذره بما سيحدث، حتى عندما تقمصت دور الصحافية التي تحاور "نبوية موسى" مالكة مدارس تعليم الفتيات وعلامة هذا العصر، ولكنها لم تتسربل الملاية اللف أو تمهُر استخدام وابور الجاز، أما الزوج الشهم "نبيل نهرو" مازال يغازل "عمّ مُرسى" وهو "المعامل الرمزي" للانفراجة وفك العقدة Luminous point الضليع في الأرصاد لأنه كان بحاراً مُحنكاً وجاراً لجدوده، لما نما لعلمه وتناهى لأسماعه من النطاس الذي لا يشق له غُبار في التنبؤ بأن عاصفة ستتنزّل وستصل لذروتها في اليوم الرابع، ليرسل خطاباً للعالم "مشرّفة" ويخبره بما هو مزمَع للتخطيط له، هرع الحبيبان أثناء الفيضة الرابعة ومرحلة بلوغ البرق أوجه يوم السادس من أكتوبر من العام ليعودا أدراجهما في خاتمة سنتمنتالية جياشة سعيدة من ضروب الخيال.
ما بين الواقع والخيال في سردية ماتعة تنتصر للحب مهما اختلفت الأزمان وتعاقبت الأماكن، لحظات نورانية من تاريخ المحروسة بل والمؤامرات التي حيكت في العالم بأسره، جاءتنا "الحب على طريقة أينشتاين" بزيجة وثنائية بين ذكر وأنثى، بين رغبة ورهبة، بين ألم وأمل، بين يأس ورجاء، بين المعقول واللامعقول، بين المنتمي واللامنتمي لتقول لنا بلذة لغوية عميقة وأسلوب بلاغي سلس يطنب الآذان ويخاتل نياط القلب ويصدح مجفلاً: "لا مستحيلاً في الحبّ حتى ولو كان على طريقة أينشتاين". أهنئ المبدع على معزوفته السردية التي لا تشتمل فقط على سارد عليم ومتكلم بل سارد ضمنيّ مفاده:
(أنا الاسكندرية ملتقى الأحباب ومقبرة للغزاة وشمس الحضارة.. مرحباً بكم)
 

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي